موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-18
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-18  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 5 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  الرسول (ص) يواصل دعوته لقبائل العرب:
لما توفي أبو طالب رضي الله عنه ضيقت قريش الخناق على الدعوة المباركة، واشتدت معارضتها في كل مكان يصله رسول الله (ص)، متابعة حركته تشويهاً، وتزييفاً، وتعذيباً، وتهديداً لكل من يسمع رسول الله (ص) ويقترب منه، فما كان من رسول الله (ص) إلا أن يبدأ بفتح مجالات أخرى, ليجد للدعوة أرضية جديدة يستطيع أن يغرس فيها بذور التوحيد، فراح يعرض نفسه على القبائل، ولا سيما في موسم الحج، ومن تلك المحاولات هجرته إلى الطائف يلتمس النصرة، والحماية، ولعلَّه يجد من يمنع قريش عن مواصلة حربها له، ومقاومتها لدعوته، فخرج إلى الطائف، وحين وصلها (عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذٍ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عَبْد يالَيْل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غِيَرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جُمح، فجلس إليهم رسول الله (ص)، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنتَ رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله (ص) من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله (ص) أن يبلغ قومه عنه، فيُذْئرهم ذلك عليه)
ولكنَّهم رغم طلب رسول الله (ص)أن يكتموا عليه أمره أغروا صبيانهم وسفهاءهم وعبيدهم؛ ليضربوه، يقول اليعقوبي: (وتهزؤوا به، وأفشوا في قومهم ما قالوه له، وقعدوا له صَفين. فلما مر رسول الله رجموه بالحجارة حتى أدموا رجله، فقال رسول الله: ما كنت أرفع قدماً، ولا أضعها إلا على حجر)
وهكذا واصلوا ضربه والاستهزاء به، والسخرية منه، حتى اضطروه أن يلجأ (إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حَبَلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله (ص) المرأة التي من بني جُمَح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟، فلما اطمأن رسول الله (ص) قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنْزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سُخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
فلما رآه ابنا ربيعة، عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له عَدّاس، فقالا له : خذ قِطْفاً [من هذا] العنب، فضَعْه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عَدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله (ص)، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله (ص) فيه يده قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عَدّاس في وجهه، ثم قال: والله إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله (ص): ومن أهل أي البلاد أنت يا عَدّاس، وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله (ص): من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتّي، فقال له عَدّاس: وما يدريك ما يونس بن مَتّي؟ فقال رسول الله (ص): ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي، فأكبَّ عداسٌ على رسول الله (ص) يقبل رأسه ويديه وقدميه)
ولما رأى أبناء ربيعة عداساً يفعل ذلك تعجبا، وراحا يسألانه: (ويلك يا عَدّاس، ما لك تقبل رأس هذا الرجل, ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عَدّاس، لا يصرفنك عن دينك، فإنَّ دينك خير من دينه)
وبعد هذه الجولة العنيفة التي لاقى فيها العنت، والإعراض، والاستهزاء، والضرب لم يضعف من همته شيء، ولا أصابه الضعف والوهن، بل ازداد عزيمة، وصبراً، وثباتاً على مواصلة دعوته بكل قوة، وعزيمة، وإصرار، مطمئناً إلى نصر الله تعالى له ((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))
وفي عودته من هذه الهجرة الصعبة العسيرة، وهو يدرك الخطر الذي يحيط به، أقام في منطقة يقال لها (النخلة) عدة أيام، فقال له مرافقه (زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم يعني قريشاً، وهم أخرجوك؟ فقال: يا زيد، إنَّ الله جاعلٌ لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإنَّ الله ناصرٌ دينَهُ، ومظهرٌ نبيَهُ، ثم انتهى إلى حراء، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي: أدخل في جوارك، فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: تلبسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإنِّي قد أجَرْتُ محمداً، فدخل رسول الله (ص) ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام مطعم بن عدي على راحلته، فنادى: يا معشر قريش، إنِّي قد أجرت محمداً، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله (ص) إلى الركن، فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده مطيفون به)
بتلك الروح العالية، والتضحية الجبارة، والصبر، والتحمل الذي تحمله رسول الله (ص)، لم يتوقف عن مواصلته دعوته، وكان (ص) ينتهز فرصة موسم الحج ؛ ليعرض دعوته على القبائل العربية القادمة من كل أطراف الجزيرة العربية، يقول ابن إسحاق: (ثم قدم رسول الله (ص) مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه, وفراق دينه، إلا قليلاً مستضعفين، ممن آمن به، فكان رسول الله (ص) يعرض نفسه في المواسم، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنَّه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم عن الله ما بعثه به)
يقول ربيعة بن عباد: (إنِّي لغلامٌ شاب مع أبي بمنى، ورسول الله (ص) يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول : يا بني فلان، إنِّي رسول الله إليكم، أمركم أن تعبدوا الله, ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به, قال: وخلفه رجل أحول وضئ، له غديرتان، عليه حلة عَدَنية، فإذا فرغ رسول الله (ص) من قوله, وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إنَّ هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقَيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه, ولا تسمعوا منه. قال: فقلت لأبي: يا أبت، من هذا الذي يتبعه، ويرد عليه ما يقول؟ قال : هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب)
وهكذا كان يتحرك، ويتنقل من قبيلة إلى أخرى، ويعرض عليهم نفسه، فلم يلاقِ إلا الإعراض، والرد القبيح، ورغم ذلك كله لم يصبه اليأس والتراجع، وهنا فائدة عظيمة نستفيدها من تحرك رسول الله (ص)، (وهي أنَّ تحرك النبي (ص)، وعرض دين الله على القبائل، وهجراته المتعددة في سبيله ليعتبر إدانة للمنطق القائل: إنَّ على صاحب الدعوة : أن يجلس في بيته، ولا يتحرك، وعلى الناس أن يقصدوه، ويسألوه عما يهمهم، ويحتاجون إليه)
وكان (ص) في بعض الأحيان يلاقي مساومة من بعض الطموحين إلى الملك والسيطرة، ويحاول أن يحصل على ضمان مصلحته على حساب الرسالة الإلهية، كما قال له رجال بني عامر بن صعصعة عندما عرض نفسه عليهم: (أرأيتَ إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فيقال له: أَفَتُهْدَفُ نحورُنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه).
وهنا نستفيد فائدة دقيقة وهي: أنَّ دعاة الإسلام لا ينبغي أن يعطوا الوعود المادية بالملك، والسلطان، لمن يدعونه؛ ليجذبوه إلى صفهم، فإنَّ ذلك يجعل من الداعية تاجر سياسة، يجتذب الناس بالوعود المعسولة كما هو النهج السياسي لأغلب الدعوات التي تريد الوصول إلى الحكم، فتراها تتحالف مع مختلف الجهات؛ لتصل إلى أهدافها، فإذا وصلت إلى ما تروم انقلبت على المعاهدين لها، وانتقل الصراع داخل الحركة حول المكاسب المادية؛ ولهذا لم نجد في تأريخ الرسول الأكرم (ص) وأهل بيته (ع) من هذا القبيل شيئاً, بل كان الوعد الحق والثبات عليه؛ ولهذا عندما التقى رسول الله (ص) الأنصار في بيعة العقبة, قال له أبو الهيثم: (إنَّ بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنَّا إن قطعناها, أو قطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم رسول الله (ص) ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)
(إنَّ الرسول لم يعطِ هؤلاء وعداً بما طلبوه منه، من جعل الأمر لهم بعده، بل أجابهم بأنَّ الأمر لله، يضعه حيث يشاء أي أنَّه لا يمكن أن يعد بما لا يعلم قدرته على الوفاء به، تماماً على العكس من السياسيين الذين عرفناهم في عصرنا الحاضر، وعلى مر العصور الذين لا يتورعون عن إغداق الوعود المعسولة على الناس، حتى إذا وصلوا إلى غايتهم، وجلسوا على كرسي الزعامة فإنَّهم ينسون كل ما قالوه، وما وعدوا به. ولكنَّ نبي الإسلام الأكرم (ص) رغم أنَّه كان بأمس الحاجة إلى من يمد له يد العون لا سيما من قبيلة كبيرة تملك من العدد والعدة ما يمكنها من حمايته، والرد عنه. إلا إنَّه يرفض أن يعد بما لا يملك الوفاء به، حتى ولو كان هذا الوعد يجر عليه الربح الكثير فعلاً)
تلك هي روح الرسالة الإلهية التي لا تهدف إلا تكامل الإنسان في نهج الإسلام العظيم.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com