موقع الصراط ... الموضوع : الصلاة على النبي-2
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الصلاة على النبي-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 5 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الصلاة البتراء:
ورد في عدة روايات أنَّ الصلاة على محمد (ص) يجب أن تقرن بالصلاة على آل محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وقد ورد في كتب أهل السنة عن رسول الله (ص) أنَّه قال: (لا تصلوا عليَّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللهم صلِّ على محمد وتمسكون, بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)
ونقل عن الإمام الشافعي قوله:
يا آل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم * من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
وعن أبي عبد الله الصادق (ع) أنَّه قال: (سمع أبي رجلاً متعلقاً بالبيت وهو يقول: اللهم صلِّ على محمد, فقال له أبي: يا عبد الله، لا تبترها لا تظلمنا حقنا قل: اللهم صلِّ على محمد وأهل بيته)
وقد كان أعداء آل محمد يمتنعون من الصلاة على النبي وآله حتى في صلاة الجمعة، نقل ابن أبي الحديد عن عبد الله بن الزبير: (أنَّه مكث أيام ادعائه للخلافة أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي (ص), وقال: لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخَ رجالٌ بآنافها) ولا بد أن نشير أنَّ الصلاة على النبي وآله يجب أن لا تكون بدافع المصلحة الدنيوية بل ولا حتى الأخروية, وإنَّما طلباً لنيل رضا الله, وتقرباً به إليه سبحانه وتعالى, ومحاولة للتأسي به باستذكار سننه مواقفَ, وأقوالاً, وأعمالاً, وإقراراً.
إنَّ للصلاة على النبي (ص) آثاراً تربوية رسالية تصعد من شخصية الإنسان، وتبنيها روحياً، وفكرياً، وأخلاقياً, ولما كان لها كل هذا الفضل عند الله عز وجلّ وعند رسوله (ص), فلا بدَّ أن يكون لها مردودات إيجابية على النفس نذكر منها:
أولاً: إنَّ الصلاة على النبي (ص) إحساس بالمنة الإلهية على هذه الأمة بالنبي الأكرم من بين الأمم... وهي من أعظم المنن الإلهية على الأمة التي شرفها الله بالانتساب الروحي، والفكري، والعقائدي إلى رسول الله (ص), يقول تعالى: ((لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين))
وفي هذه الآية بيان لعدة منن ونعم إلهية، أنعم بها عليهم بأن أرسل فيهم رسولاً من أنفسهم، أي من جنسهم البشري, ومن وسطهم الاجتماعي عارفين به، وبنسبه، وبسموه الخلقي صدقاً وأمانة، فهو ليس غريباً عنهم, بل كانوا قبل البعثة يرجعون إليه لصدقه وأمانته, وقيل: معناه أي من أشرافكم ومن خياركم.
ومن هذه المنن أنَّ النبي الصادق الأمين (ص) يتلوا عليهم آيات الله تبارك وتعالى؛ ليزكيهم، ويطهرهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة, وقد كان المسلمون الأوائل يشعرون بهذه المنة، ويتحدثون بها, ويذكرونها للآخرين؛ ليجذبوهم للإسلام, ومن مثال ذلك قول الشهيد جعفر الطيار رضي الله عنه لملك الحبشة: (أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده الرحمن، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام)
تلك هي النعمة الكبرى التي منَّ الله عز وجلّ بها علينا, يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه: (والحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد نبيه (ص) دون الأمم الماضية, والقرون السالفة، بقدرته التي لا تعجز عن شيء وإن عظم, ولا يفوتها شيء وإن لطف, فختم بنا على جميع من ذرأ, وجعلنا شهداء على من جحد, وكَثَّرَنا بمنِّه على من قَلَّ...)
فإذن الصلاة على النبي (ص) تشعر المصلي بالمنَّة العظمى بالنبي الكريم الذي أرسله الله رحمة للعالمين, فهو الرحمة المهداة إلى البشرية؛ ليقودها إلى ساحل النجاة، يقول أمير المؤمنين (ع): (فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نَتَّبِعُهُ, وقائداً نطأ عَقِبَه)
وقد كانت كل صفة من صفات رسول الله (ص) هي منة على البشرية، فعن الإمام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: ((عزيز عليه ما عنتم)): (أي شديد عليه عنتكم وما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان ((حريص عليكم)) أي على من لم يؤمن أن يؤمن ((بالمؤمنين رؤوف رحيم)) الرأفة: شدة الرحمة)
قال الطبرسي: (قيل: رؤوف بالمطيعين منهم، رحيم بالمذنبين, وقيل: رؤوف بأقربائه, رحيم بأوليائه, رؤوف لمن رآه، رحيم بمن لم يرَه, وقال بعض السلف: لم يجمع الله سبحانه لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا للنبي (ص), فإنَّه قال: ((بالمؤمنين رؤوف رحيم))، وقال: ((إن الله بالناس لرؤوف رحيم)) )
ومن منن الله تعالى بنبيه أن جعله شاهداً علينا, ومبشراً لنا, ومنذراً, ومحذراً من عذاب الله تعالى, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، يقول تعالى: ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً))
((وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً))
((وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً))
ثانياً: إنَّ الأمر بالصلاة عليه في الآية الكريمة (توجيه الأمة إلى الارتباط بالنبي من الناحية الشعورية في إحساسها الدائم بقيمته الروحية في منزلته عند الله, وجهده الكبير في إبلاغ الرسالة, ومعاناته في العمل في سبيل الله دعوةً, وحركةً, وجهاداً, ومحبته للمؤمنين من أتباعه, ورأفته بهم، ورحمته لهم, وحرصه عليهم, وشعوره بمتاعبهم وآلامهم، مما يوحي للمسلمين بالتفاعل النبوي الروحي مع أمته في حياتها العامة والخاصة؛ ليعيشوا الارتباط به من خلال هذا الشعار الذي يهتفون به صباحاً ومساءً)
بل وترافق المنة الإلهية برسول الله (ص) إلى يوم القيامة تفيض عليهم الرحمة والغفران, يقول رسول الله (ص): (حياتي خير لكم, وموتي خير لكم, أما حياتي فتحدثوني وأحدثكم, وأما موتي فتعرض عليَّ أعمالكم عشية الاثنين والخميس, فما كان من عمل صالح حمدتُ الله عليه, وما كان من عمل سيء استغفرت الله لكم)
وفي رواية أخرى قال النبي (ص): (حياتي خير لكم, ومماتي خير لكم, قالوا: يا رسول الله, وكيف ذلك؟ فقال (ص): أما حياتي فإنَّ الله عز وجلّ يقول: ((وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم))، وأما مفارقتي إياكم فإنَّ أعمالكم تعرض عليَّ كل يوم فما كان من حسن استزدت الله لكم, وما كان من قبيح استغفرت الله لكم, قالوا: وقد رممت يا رسول الله - يعنون صرت رميماً -؟ فقال: كلا إنَّ الله تبارك وتعالى حرم لحومنا على الأرض أن تطعم شيئاً منها)
وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري: (إنَّ عماراً قال لرسول الله (ص): وددت أنَّك عمرت فينا عمر نوح (ع), فقال رسول الله (ص): يا عمار, حياتي خير لكم, ووفاتي ليس بشرٍّ لكم، أمّا في حياتي فتحدثون وأستغفر الله لكم، وأما بعد وفاتي فاتقوا الله, وأحسنوا الصلاة عليَّ وعلى أهل بيتي, فإنَّكم تعرضون عليَّ (وعلى أهل بيتي) وأسماؤكم, وأسماء آبائكم وقبائلكم، فإن يكن خيراً حمدت الله, وإن يكن (سوى ذلك) أستغفر الله لذنوبكم, فقال المنافقون, والشكاك, والذين في قلوبهم مرض: يزعم أنَّ الأعمال تعرض عليه بعد وفاته, بأسماء الرجال وأسماء آبائهم وأنسابهم إلى قبائلهم, إنَّ هذا لهو الإفك, فأنزل الله جلَّ جلاله: ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)) )
ثالثاً: ومما يعطي لهذه الصلاة عمقاً في النفس, وتأثيراً في القلب أنَّ الله تعالى هو البادئ بها ينزلها على رسوله, ويأمر ملائكته أن يقوموا بها, وهنا يتعمق الإحساس الرسالي: أنَّ هذه الصلاة هي امتداد لصلاة الله وملائكته, فتمتزج صلاتنا وصلاة ملائكته، ومنها تهطل علينا فيوض الرحمة، يقول رسول الله (ص): (من صلى عليَّ مرة, فتح الله عليه باباً من العافية)
وقال رسول الله (ص) في حديث آخر: (من صلى عليَّ مرة, خلق الله تعالى يوم القيامة, على رأسه نوراً, وعلى يمينه نوراً, وعلى شماله نوراً, ومن فوقه نوراً, ومن تحته نوراً, وفي جميع أعضائه نوراً)
وفي رواية عن عبد الرحمن بن عوف, أنَّه (ص) قال: (جاءني جبرئيل، وقال: إنَّه لا يصلي عليك أحد, إلا ويصلي عليه سبعون ألف ملك, ومن صلى عليه سبعون ألف ملك, كان من أهل الجنة)
وقال (ص): (من صلى عليَّ وعلى آلي, صلَّت عليه الملائكة، ومن صلَّت عليه الملائكة، صلَّى الله عليه, ومن صلَّى الله عليه, لم يبقَ في السماوات والأرض ملك، إلا ويصلون عليه, ومن صلى عليّ وعلى آلي واحدة, أمر الله حافظيه أن لا يكتبا عليه ثلاثة أيام)
رابعاً: وهذه الصلاة تجسد حضور النبي (ص) في وجدان المؤمنين, وتشعرهم بعدم غيابه عنهم، فتعمق الحب للنبي (ص), وتمتن الارتباط به, وتجعله يشعر وهو يرفع هذا الشعار كما لو أنَّه حاضر بين يديه, ومستمع إليه، ومتبع له, وسائر في تطبيق أوامره، اللهم فصلِّ عليه وعلى أهل بيته أفضل ما صليت على عبد من عبادك الصالحين، وأنبيائك المرسلين، وملائكتك المقربين.
خامساً: والصلاة على النبي (ص) تأكيد للميثاق الذي أخذه الله على الخلق حين خلقهم، جاء في الحديث الشريف عن يزيد بن الحسن, قال: (حدثني موسى بن جعفر (ع) قال: [قال الصادق جعفر بن محمّد (ع):] من صلَّى على النبي (ص), فمعناه أنّي أنا على الميثاق, والوفاء الذي قبلت حين قوله: ((ألست بربكم قالوا بلى)) )

المصدر: كتاب حصاد التبليغ
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com