موقع الصراط ... الموضوع : العبودية-1
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبودية-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 7 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
تمهيد :
أهم حقيقة دينية في حياة الإنسان تبرز فيها الإرادة الأساسية والهدف الأكمل من خلقه هي تعبيد نفسه لله تعالى، عن علم، وطوع، واختيار وهذه الحقيقة هي جوهر الإسلام وروحه .صحيح أن الإسلام دين: سياسة، واجتماع واقتصاد، بل يشمل جميع جوانب الحياة المادية والمعنوية … إلا أن هذه الأمور كلها أجزاء مترابطة يكمل بعضها البعض الآخر والإسلام يريد أن يُكَوِّنَ كياناً واحداً مستقلاً هو الإنسان العبد لربه دون سواه، أو العبد لله سبحانه وتعالى. فالإسلام يريد السياسي العابد، والاقتصادي الزاهد، والاجتماعي الذي يجسد للمجتمع رسالة الله تعالى في سلوكه وهذه الخصال كلها أطر لجوهر اسمه العبودية لله تعالى وهي أسمى درجات التحرر الداخلي والخارجي، حيث أنها تتركب من قطبين : قطب رفض (لا إله) وقطب إثبات (إلا الله) وفي اندماج هذين القطبين في شعور الإنسان، ووجدانه، وفكره، وعواطفه يبلغ نهاية التحرر عما سوى الله تعالى وهي: استسلام لأمره، ورضى بقضائه وقدره، وتطبيقاً لأحكامه، وخضوعاً لحكومته من دون اعتراض، أو تسائل: لماذا ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ (إن الإسلام هو التسليم) إذن العبودية هي التسليم المطلق لله تعالى .
بعد هذا نبحث الموضوع في نقاط بشكل مفصل:
ما هي حقيقة العبودية ؟ ما هي العناصر المكونة للعبودية ؟ ما هي العوامل التي تفسد العبودية؟ أي العوامل التي تخرج العبد من إطارها . ما هي نتائج وآثار العبودية في الشخصية؟

حقيقة العبودية :
العبودية لغة هي: (إظهار التذلل) للسيد المعبود بامتثال أمره، والرضا بقضائه، والانتهاء عن نواهيه، والإندكاك في طاعته قلباً، وقالباً فلا إرادة للعبد مع إرادة مولاه. وفي الفكر الإسلامي تعني تحكيم إرادة الله تعالى التشريعية في إرادة الإنسان النفسية والعقلية بصورة اختيارية. فهي تسليم، وطاعة، واتباع ،وانقياد مطلق لأمر الله تعالى ((وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)) (لقمان:22) ((قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الأنعام:71)
((بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) (البقرة:112)
والتسليم يعني أن يسخر الإنسان- بمحض إرادته - كل طاقاته الفكرية والنفسية، والجسمية؛ لتحقيق إرادة الله تعالى في الأرض فالعبد لا يرى هذه الطاقات فيه إلا وديعة أودعها الله تعالى فيه، وأراد منه أن يصرفها في سبيله. كما أوضح ذلك الإمام الصادق (ع) لعنوان البصري عندما طلب من الإمام أن يفيض عليه من علمه؛ لينهل من معارفه، فقال (ع): (… فإن أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يُفْهمك(قال عنوان): قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية ؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد فيما خوله الله ملكا؛ لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به، ونهاه عنه، فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى ملكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس، فإذا أكرم الله تعالى العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا وإبليس، والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزاً وعلواً، ولا يدع أيامه باطلاً، فهذا أول درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) (القصص:83) فإذا تَخَلَقَ الإنسان بهذه الخلائق، واعتنق تلك المبادئ عن أيمان ووعي (تكون نفسه نفس عبد لله الذي هو رب كل شيء، فلا يرى نفسه , ولا شيئاً غيره إلا مملوكاً لله خاضعاً لربوبيته لا يؤوب إلا إلى ربه , ولا يرجع إلا إليه كما قال تعالى في سليمان (ع) ((نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)) (ص:30) )
ولعل هذا المعنى - والله أعلم - هو المراد من قوله تعالى:
((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ)) (الأعراف:188)
((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ)) (يونس:49)
إذن حقيقة العبودية أن يضع العبد نفسه موضع الذّلة لربه، ويوجه وجهه إلى مقام قدسه، ويُسْكِنُ قلبه خشيته، بل ينقطع عن نفسه وعن كل شيء آخر فلا يرى مؤثراً في الوجود إلا هو تبارك وتعالى، وإذا تحقق ذلك في شخصية المؤمن فإنه سيرفض كل أشكال الخضوع، والتبعية لغير الله تعالى، وهذا هو المقصود من شعار التوحيد الخالد (لا إله إلا الله) يقول السيد الشهيد الصدر (قدس سره): (ونحن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد: (لا إله إلا الله)، نجد أنها قرنت فيه بين شد المسيرة الإنسانية إلى المطلق الحق، ورفض كل مطلق مصطنع، وجاء تاريخ المسيرة في واقع الحياة على مر الزمن؛ ليؤكد الارتباط العضوي بين هذا الرفض، وذلك الشد الوثيق الواعي إلى الله تعالى فبقدر ما يبتعد الإنسان عن الإله الحق ينغمس في متاهات الآلهة والأرباب المتفرقين. فالرفض والإثبات المندمجان في (لا إله إلا الله) هما وجهان لحقيقة واحدة، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانية على مدى خطها الطويل لأنها الحقيقة الجديرة بأن تنقذ المسيرة من الضياع، وتساعد على تفجير كل طاقاتها المبدعة، وتحررها من كل مطلق كاذب معيق)
وكما أن العبودية لله تعالى هي التحرر من كل الضواغط الخارجية فإن هذا التحرر لا يتحقق للإنسان إلا إذا تحرر من جميع الضواغط الداخلية في نفسه وهذا هو منتهى التحرر من نوازع النفس الأمارة بالسوء يصقلها ويصفيها من كل الأدران، وذمائم الأخلاق، وهذه هي التزكية الواردة في قوله تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) (الشمس:9-10)
وخلاصة الكلام: (أن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري من سلطان الجبارين والطغاة، ومن سلطان السدنة والكهنة، ومن سلطان الأوهام والخرافات ومن سلطان العرف والعادة، ومن سلطان الهوى والشهوة. ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي أعناق البشر ، ويخفض جباههم لغير الواحد القهار)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com