موقع الصراط ... الموضوع : خديجة المرأة الكاملة الميمونة
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خديجة المرأة الكاملة الميمونة  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 7 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً))
خديجة بنت خويلد من أفضل نساء قريش والمكيين جميعاً, خَلقاً وخُلقاً، وكانت ذات مواهب كثيرة: عقلاً, وحكمة, وثروة واسعة حتى روى صاحب البحار أنَّ لها بيتاً يسع أهل مكة آنذاك.
كما إنَّها جمعت إلى الثروةِ: الشرفَ, والعفةَ, والكرمَ, والصيانةَ، والسمعةَ العالية حتى أصبحت محط آمال الرجال الأغنياء، فلقد تقدم لخطبتها عقبة بن أبي معيط, والصلت بن أبي يهاب، وكان لكل واحد منهما أربعمائة عبد وأمة، وخطبها أبو جهل بن هشام, وأبو سفيان, ولم ترغب في الزواج من أحدهم, بل أكثر من هذا فقد جاء في بحار الأنوار على لسان أبي طالب رضي الله عنه: (وخطبها ملوك العرب, ورؤساؤهم, وصناديد قريش, وسادات بني هاشم, وملوك اليمن، وأكابر الطائف, وبذلوا لها الأموال, فلم ترغب في أحد منهم)
ونستفيد من موقف خديجة هذا: إنَّ المرأة المؤمنة الرشيدة لا تطلب في حالة زواجها من الرجال أكثرهم مالاً, أو أعظمهم ملكاً, ولكنَّها تطلب الكمال الذي أراده الله تعالى, وهو كمال الإيمان, وسمو الأخلاق, وزكاة الأنفس, وسلامة القلوب, وإرادة الخير بتغيير الواقع الفاسد إلى واقع سليم؛ لإنقاذ البشرية من الكفر، والشرك، والنفاق، والطغيان, ونقلها من عبادة العبيد إلى عبادة الله تعالى, ولا عجب من خديجة ذلك، فهي التي وصفها عارف عصرها أبو طالب رضي الله عنه: (امرأة كاملة ميمونة فاضلة، تخشى العار، وتحذر الشنار)
وكانت هذه المرأة العظيمة ذات ثروة طائلة تتاجر الرجالُ بأموالها, وفي إحدى المرات وقع اختيارها على رسول الله (ص) راغبة في أن يتاجر بأموالها، وعندما التَقتْهُ في بيتها مع مجموعة من أعمامه, قالت له: (يا سيدي، أنست بك الديار, وأضاءت بك الأقدار, وأشرقت من طلعتك الأنوار, أترضى أن تكون أميناً على أموالي تسير بها حيث شئت؟ قال: نعم رضيت, ثم قال: أُريد الشام, قالت: ذلك إليك, وإنّي قد جعلت لمن يسير على أموالي مائة وقيّة من الذهب الأحمر, ومائة وقيّة من الفضة البيضاء, وجملين وراحلتين)
وتم الاتفاق بينهما, وكانت سفرة مربحة ميمونة مباركة - وإن كان بعض المؤرخين من ينكر مسألة عمل رسول الله بالتجارة - ويقول المؤرخون إنَّها أرسلت معه غلاماً لها يسمى ميسرة, ونقل لها ميسرة ما رأى من رسول الله (ص) من معاجز وكرامات, وسمو أخلاقي, وحنكة إدارية، وقيادة واعية, فأعجبت به أيما إعجاب, واشتد حبها إلى حد الشوق، كل ذلك كان مقدمة لتكون علاقة خديجة هذه برسول الله (ص) علاقة إعداد رسالي لها؛ ولهذا ما إن نزل الوحي على رسول الله (ص) دعا أهل بيته، وهم آنذاك علي (ع) وخديجة (ع)، فقد روي في الطِرف للسيد بن طاووس عن عيسى بن المستفاد قال: (حدثني موسى بن جعفر، قال: سألت أبي، جعفر بن محمد عن بدء الإسلام، كيف أسلم علي (ع) ؟ وكيف أسلمت خديجة؟ فقال لي موسى بن جعفر: تأبى إلا أن تطلب أصول العلم ومبتدأه, أما والله إنَّك لتسأل تفقّهاً, قال موسى: فقال لي أبي: إنَّهما أسلما، دعاهما رسول الله (ص)، فقال: يا علي, ويا خديجة تُسلما، وأطيعا تُهديا. فقالا: فعلنا وأطعنا يا رسول الله . فقال: إنَّ جبرئيل عندي يقول لكما: إنَّ للإسلام شروطاً ومواثيق, فابتدئا بما شرط الله عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له في ملكه, ولم يلده والدٌ, ولم يتخذ صاحبةً, وأنَّ محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافةً، بين يدي الساعة, ونشهد أنَّ الله يُحيي ويُميت، ويرفع ويضع، ويُغني ويُفقر، ويفعل ما يشاء ويبعث من في القبور، قالا: شهدنا... [ثم قال (ص):] يا خديجة، فهمتِ ما شرط عليك ربُّك؟ قالت: نعم، وآمنتُ، وصليتُ، ورضيتُ، وسلمتُ, قال علي (ع): وأنا على ذلك... فقال رسول الله (ص): اهتديتَ ورب الكعبة، ورشدتَ، ووفقتَ, وأرشدك الله, يا خديجة ضعي يدك فوق يد علي، فبايعي له, على أنَّه لا جهاد عليك, فبايعتْ على مثل ما بايع علي (ع). ثم قال: يا خديجة هذا عليٌّ مولاك، ومولى المؤمنين، وإمامهم بعدي، قالت: صدقتَ يا رسول الله، قد بايعتُه على ما قلتَ, أُشهد الله , وأشهدك بذلك، وكفى بالله شهيداً وعليماً) وهكذا آمنت وبايعت؛ لتتحمل مع رسول الله (ص) أعباء رسالة الله تعالى, وتشاركه آماله وآلامه، وتتحمل معه شظف العيش بعد غضارته, وتبذل كل ما ملكته طول حياتها؛ لتعطي المثل الأسمى للمرأة المؤمنة, وعلى كل حال فإنَّ خديجة رضوان الله تعالى عليها بعد أن تزوجها رسول الله (ص) كان لها الدور الفعال في مساندة النبي في تحمل أعباء رسالة الله تعالى, حيث كانت تخفف عليه المصاعب والتحديات التي كان يواجهها من قريش, يقول محمد بن إسحاق: (كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله, وصدقت بما جاء من الله, ووازرته على أمره, فخفف الله بذلك عن رسول الله (ص), وكان لا يسمع شيئاً يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له، فيحزنه ذلك إلا فرَّج الله ذلك عن رسول الله (ص) بها, إذا رجع إليها تثبته, وتخفف عنه, وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله)
ويقول: (وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام, وكان رسول الله (ص) يسكن إليها)
ولهذه المواقف التي تحملتها خديجة, وإنفاق جميع أموالها لأجل الدعوة إلى الله ومشاركة رسول الله (ص) في تحمل أذى قريش قوطعت من نساء قريش, وبقيت محاصرة مع رسول الله، وكان (ص) يبشرها بكرامات الله إليها, يقول ابن هشام: (حدثني من أثق به أنَّ جبرئيل أتى النبي (ص)، فقال: اقرأ خديجةَ من ربِّها السلام, فقال رسول الله (ص): يا خديجة، هذا جبرئيل يُقرئك من ربك السلام, قالت خديجة: الله السلام, ومنه السلام، وعلى جبرئيل السلام)
هكذا كانت لرسول الله (ص) مؤنسة يسكن إليها, وهي تواسيه، وتهون عليه الشدائد، فإذا ما رأت أنَّه (ص) قد ألم به التعب والجهد, واشتدت عليه المحن قالت: (ابشر، فإنَّ الله تعالى لا يصنع بك إلا خيراً)
وعندما ينزل عليه القرآن, ويرجع مثقلاً بهموم الرسالة إلى بيته تستقبله خديجة مستبشرة مهنئة تطفح روحها بالأمل والنصر, فتقول: (والله ما يخزيك الله أبداً، إنَّك لتصل الرحم, وتحمل الكل, وتكسب المعدوم, وتقري الضيف, وتعين على نوائب الحق)
بهذه الكلمات الطافحة بالأمل, والحب, والمؤازرة - وكأنَّها تقرأ مستقبل رسول الله (ص) - مع تسخير كل قواها وأموالها؛ لإعانة رسول الله (ص) وضعت كل ما تملك تحت تصرفه, فحينما كان يختلي (ص) في غار حراء متعبداً لله, متفكراً في الإعداد والتخطيط؛ لنشر رسالة الله تعالى، كانت تقوم بدور المراقب والحارس له، توصل إليه الماء والطعام عبر المسير الصعب في الجبال، فتركت غضارة العيش, وتحملت شظف الحياة في سبيل الله محتسبة.
وعندما اشتد ضغط قريش عليه, وأحكمت المحاصرة, وقفت إلى جانبه صابرة متحملة مرارة المقاطعة, والهجران, والكلمات النابية من نساء قريش، والاستهانة من الأعداء, وهذا ينبئ عن علوِّ همتها, وسموِّ روحها, وعمق إيمانها, وعظمة صبرها, وجلالة شخصيتها التي اتسمت به بكل خصال الكمال حتى كانت إحدى الأربعة الكُمَّل من نساء العالمين, يقول رسول الله (ص): (كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون, ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد, وفاطمة بنت محمد)
وعنه (ص): (أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد, ومريم بنت عمران, وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)
ويقول الذهبي: (وهي ممن كمل من النساء. كانت عاقلة جليلة دَيِّنة مصونة كريمة من أهل الجنة, وكان النبي (ص) يثني عليها, ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين, ويبالغ في تعظيمها, بحيث إنَّ عائشة كانت تقول: (ما غِرْتُ من امرأة ما غرت من خديجة, من كثرة ذكر النبي (ص) لها)، ومن كرامتها عليه (ص) أنَّها لم يتزوج امرأة قبلها, وجاءه منها عدة أولاد, ولم يتزوج عليها قط, ولا تسرى إلى أن قضت نحبها, فوجد لفقدها, فإنَّها كانت نعم القرين، وكانت تنفق عليه من مالها، ويتجر هو (ص) لها، وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب, لا صخب فيه ولا نصب)
ولما توفيت خديجة وأبو طالب، سمى رسول الله (ص) ذلك العام عام الأحزان, ولدورها العظيم في خدمة الإسلام نجد أنَّ رسول الله (ص) كان يكرمها حية وميتة, يقول ابن سعد, يرفعه إلى حكيم بن حزام, قال: (توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشرة من النبوة, وهي ابنة خمس وستين سنة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفنّاها بالحجون, فنزل رسول الله (ص) في حفرتها, ولم يكن يومئذٍ صلاة على الجنازة)
وكان (ص) دائم الذكر لها مستغفراً لها, ومترحماً عليها، حتى كان ذلك يغيظ بعض أزواجه من كثرة ذكرها, والترحم عليها, فعن علي (ع) قال: (ذكر النبي (ص) خديجة يوماً, وهو عند نسائه، فبكى, فقالت عائشة: ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بني أسد؟ فقال: صدّقتني إذ كذّبتم، وآمنت بي إذ كفرتم, وولدت لي إذ عقمتم، قالت عائشة: فما زلت أتقرب إلى رسول الله (ص) بذكرها)
وفي رواية أخرى: (عن رسول الله (ص), أنَّه أهدي إليه لحم جمل أو لحم جزور، فأخذ بيده لحماً, فأعطاه رسول الله, وقال: اذهب إلى فلانة - أو قال [إلى] فلان - .
فقالت عائشة: يا رسول الله, لم غمرت يدك قد كان فينا من يكفيك؟
قال: ويحك إنَّ خديجة أوصتني بها - أو قال: [أوصتني] به- ، يعني من أُرسل ذلك اللحم إليه، فأدركت عائشة الغيرة؛ لذكر خديجة، فقالت: كأنَّ ليس في الأرض امرأة إلا خديجة، فخرج رسول الله (ص) وهو غضبان, فلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم دخل عليها وعندها أمها - أم رومان - فقالت: يا رسول الله، ما لعائشة؟ إنَّها حَدِثَةٌ وهي غَيْراء، فأخذ رسول الله (ص) بشدق عائشة, ثم قال: ألست القائلة: كأنَّ ليس في الأرض امرأة إلا خديجة؟ لقد آمنت بي إذ كفر بي قومك, وقَبِلَتني إذ رفضني قومك, ورزقت مني الولد إذ حرمت مني، قالت عائشة: فما ترك شدقي حتى ذهب من نفسي كل شيء كنت أجده على خديجة)
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (دخل رسول الله (ص) منزله, فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها، وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أنَّ لأمك علينا فضلاً, وأيُّ فضل كان لها علينا؟! ما هي إلا كبعضنا, فسمع مقالتها لفاطمة، فلما رأت فاطمة رسول الله (ص) بكت, فقال: ما يبكيك يا بنت محمد؟! قالت: ذكرت أمي فتنقصتها فبكيت, فغضب رسول الله (ص)، ثم قال: مه يا حميراء, فإنَّ الله تبارك وتعالى بارك في الودود الولود, وإنَّ خديجة رحمها الله ولدت مني طاهراً وهو عبد الله وهو المطهر, وولدت مني القاسم، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وأنت ممن أعقم الله رحمه، فلم تلدي شيئاً)
وعن عائشة قالت: (كان رسول الله إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن, قالت: فرأيت رسول الله (ص) غضب غضباً شديداً, فسقطتُ في يدي, فقلت: اللهم إنَّك إن أذهبت بغضب رسولك (ص) لم أعد بذكرها بسوء ما بقيت, قالت: فلما رأى رسول الله (ص) ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس, وآوتني إذ رفضني الناس, وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقت مني حيث حرمتموه)
(وعنه (ص) أنَّه ذكر يوماً خديجة, فترحم عليها, وذكر محاسن أفعالها, فغارت عائشة لذلك. قالت: ليت شعري, ما يذكرك من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله عز وجلّ بها من هي خير منها! فغضب رسول الله (ص) غضباً شديداً. قال: لا والله ما بدلت خيراً منها لقد آمنت بي قبل إن ترمني، وصدقتني قبل إن تصدقن, ورزقت مني من الولد ما قد حرمتن. فقالت عائشة: والله لا أذكرها بعد هذا بسوء يا رسول الله)
إذن من هذه الروايات نستطيع أن نفهم مقدار عظمة خديجة, وسمو قدرها فهي من النساء الأربع الكُمَّل, وهي المؤمنة, المصدقة, العارفة, المحامية لرسول الله (ص) بذلت كل وجودها وموجودها في سبيل نصرة الإسلام, وهي الودود الولود, وكانت مأنساً لرسول الله (ص) مشاركة له كل آلامه وآماله.
وهكذا انقضت حياة هذه المرأة العظيمة، وكلها جهاد، وعطاء، وبركة للإسلام، وكان يوم وفاتها يوم حزن شديد على رسول الله (ص) حتى سمى العام الذي توفيت فيه بعام الأحزان. قال اليعقوبي: (وتوفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها خمس وستون سنة، ودخل عليها رسول الله، وهي تجود بنفسها, فقال: بالكره مني ما أرى، ولعلَّ الله أن يجعل في الكره خيراً كثيراً, إذا لقيت ضرّاتك في الجنة يا خديجة فأقرئيهنَّ السلام، قالت: ومن هنَّ يا رسول الله؟ قال: إنَّ الله زوجنيك في الجنة، وزوجني مريم بنت عمران, وآسية بنت مزاحم, وكلثوم أخت موسى)
وعن بريد العجلي قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لما توفيت خديجة جعلت فاطمة تلوذ برسول الله (ص)، وتقول: أين أمي؟ فنزل جبرائيل، فقال له: ربك يأمرك أن تقرأ فاطمة السلام، وتقول لها: إنَّ أمها في بيت من قصب، كِعابه من ذهب، وعمده من ياقوت احمر، بين آسية، ومريم بنت عمران، فقالت فاطمة: الله السلام، ومنه السلام، واليه السلام)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com