موقع الصراط ... الموضوع : دوافع ثورة الحسين (ع)-1
 
الثلاثاء - 10 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دوافع ثورة الحسين (ع)-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 10 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال الإمام الحسين (ع): (...وإني لم أخرج أشراً, ولا بطراً, ولا مفسداً, ولا ظالماً, وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر, وأسير بسيرة جدي, وأبي علي بن أبي طالب (ع), فمن قبلني بقبول الحق, فالله أولى بالحق, ومن رد عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق, وهو خير الحاكمين)
منطق الثورة يقتضي أن يتوفر في الثائر أربع خصال أساسية:
1 - الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى.
2 - الإدراك والوعي الكاملين للواقع الذي يعيشه, ويعمل على إحداث تغير وانقلاب فيه.
3 - تحديد دوافع وأهداف الثورة.
4 - رسم الخطط والوسائل الشرعية المناسبة التي يتوصل بها إلى تحقيق أهدافه, وتنفيذ خطواته.
وما لم تتوفر في الثائر هذه الأمور الأربعة لا يمكن أن يسمى ثائراً, لأنه سيبقى متخبطاً تخبط عشوائياً, وثورة الحسين (ع) توفرت فيها هذه الأمور بشكل جيد ودقيق. أما شعور الحسين (ع) بالمسؤولية أمام الله تعالى, فلا يحد بحدود الزمان والمكان؛ لأنه هو الممثل الوحيد الذي يمثل الرسالة بدقة, وعمق, وأصالة, وشمول, فهو إمامُ هذه الأمة, ومرجعها الروحي, والفكري, والأخلاقي, والسياسي.
ولذلك رأينا الحسين (ع) لم يقر له قرار, ولم يهدأ له بال سواء كان في عصر معاوية, أو في عهد يزيد فتراه يُحَذِّرُ, ويُصحح, وينقد, ويفند كل ما يطرح من أفكار انحرافية من قبل الحكام الظالمين, ويكشف الخطط الرامية إلى هدم الكيان الرسالي، ويبطل تلك الخطط, ويوضح زيفها وخطرها على الإسلام على رؤوس الأشهاد ويكشف جرائم بني أمية وأعمالهم الفظيعة بصريح القول فيكتب لمعاوية قائلاً:
(ألست القاتل حجراً أخا كندة, والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع, ولا يخافون في الله لومة لائم, ثمَّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة, والمواثيق المؤكدة.
أو لست القاتل عمر بن الحمق صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة, فنحل جسمه, وأصفر لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك, واستخفافاً بذلك العهد.
أو لست المدعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنَّه ابن أبيك, وقد قال رسول الله (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سنة رسول الله (ص) تعمداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقيين: يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم, ويصلبهم على جذوع النخل, كأنك لست من هذه الأمة, وليسوا منك.
أو لست صاحب الحضرميّين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين علي (ع) فكتبت إليه: أن اقتل كل من كان على دين علي (ع)! فقتلهم, ومثل بهم بأمرك، ودين علي (ع) والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك, وبه جلست مجلسك الذي جلست, ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرِّحلتين...
فأبشر يا معاوية بالقصاص, واستيقن بالحساب, واعلم أنَّ لله تعالى كتاباً ((لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)) وليس الله بناس لأخذك بالظنّة, وقتلك أولياءه على التهم, ونفيّك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة, وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث: يشرب الخمر, ويلعب بالكلاب لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك, وبترت دينك, وغششت رعيتك, وأخزيت أمانتك, وسمعت مقالة السفيه الجاهل, وأخفت الورع التقي لأجلهم والسلام)
وهذا الكتاب أصدق مصاديق المنهج الحسيني في الدفاع عن المظلومين, وكشف أساليب الظالمين, وتزيفها, وفضحها؛ ليحمي الأمة من الوقوع في شباك الطغاة, ويحصن دينها من التحريف والتزييف... وفي نفس الوقت يحمل روح التحدي والرفض لأولئك الحكام الجائرين, وبهذا مزق كل البراقع التي تستَّر خلفها معاوية وأعوانه باسم الدين، وكشف للناس خروجه عن أحكام الله تعالى, وتستره بها... وبذلك حمى رسالة الله من التزييف والتحريف, كل ذلك انطلاقاً من شعوره بالمسؤولية أمام الله تعالى في حماية الرسالة من تحريف الضالين, والأمة من الانحراف عن جادة الحق والصواب؛ ثم ليرسم منهج التغير والإصلاح في حركة الإنسان إلى الله تعالى, وبذلك أدى مسؤوليته أمام الله (وعلى ضوء هذه المسؤولية الكبرى ناهض الإمام جور الأمويين, وناجز مخططاتهم الهادفة إلى استعباد الأمة, وإذلالها, ونهب ثرواتها, وقد أدى (ع) بما يُحَتِّمه الإسلام عليه من الجهاد لحكم الطاغية يزيد)
وأما وعي الواقع, وإدراك خطورته, فقد أدرك الحسين (ع) ثلاثة أمور مترابطة:
1 - وعي المخطط الأموي الرهيب الهادف للقضاء على الإسلام... فقد سُخّرت كل أجهزة الدولة للإفساد الفكري, والأخلاقي, والسياسي, والاجتماعي.... حتى كادت أن تقع ردة عقائدية رهيبة في الأمة التي بناها رسول الله (ص)، والسبب في ذلك أن رؤوس الكفر والنفاق من الذين وقفوا بوجه رسول الله (ص) ليل نهار, وحاربوه في كل حدب وصوب، أظهروا الإسلام, وأبطنوا الكفر, وظلوا يكيدون للإسلام بالخفاء ويخططون في الظلام, فما أن رحل رسول الله (ص) عن هذه الدنيا حتى عادت تلك الفئة التي لم يتغير من واقعها شيء, فأخذت موقع الصدارة من الدولة, وسيطرت على المواقع السياسية, ومراكز المال والاقتصاد, وحينئذٍ أخذت تنفذ خططها التي رسمتها بالخفاء منذ حياة رسول الله (ص) فعملت على قلب الموازين الشرعية, وتحريف العقائد الحقة, وتغير الأحكام والمفاهيم والعقائد التي أنزلها الله, وحاولوا إرجاع الناس إلى عهد الجاهلية, وأمثلة ذلك كثيرة نذكر منها:
روى ابن عبد البر في الاستيعاب: (إنَّ أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه, فقال: قد صارت إليك بعد تَيْم وعَدِيّ, فأدرها كالكرة, واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك, ولا أدري ما جنة، ولا نار، فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل)
وروى أبو الفرج الأصفهاني عن يحيى بن عباد، عن عبد الله بن الزبير، قال: (لما كان يوم اليرموك خلفني أبي، فأخذتُ فرساً، وخرجتُ، فرأيتُ جماعةً من الخلفاء فيهم أبو سفيان بن حرب فوقفتُ معهم، فكانت الرومُ إذا هَزَمتِ المسلمين, قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر, فإذا كشفهم المسلمون, قال أبو سفيان:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرو*م لم يبق منهم مذكورُ
فلما فتح الله على المسلمين حدثتُ أبي, فقال: قاتله الله! يأبى إلا نفاقاً...)
وعن عمرو بن ثابت عن الحسن قال: (دخل أبو سفيان على عثمان بعد أن كُفّ بصره، فقال: هل علينا من عين؟ فقال له عثمان: لا, فقال: يا عثمان، إن الأمر أمرُ عالميّة, والملك ملك جاهليّة, فاجعل أوتاد الأرض بني أميّة)
هذا أبو سفيان, وأما ولده معاوية الذي أُعد إعداداً خاصاً لتلك المهمة الخطيرة، وقام بدور رهيب فلم يخفِ كفره، بل ظهر في وسط بعض جلسائه, ونقله لنا التاريخ بصراحة دقيقة نذكر منها:
قال ابن أبو الحديد: روى احمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك إن معاوية سمع المؤذن يقول: (اشهد أن لا إله إلا الله, فقالها ثلاثاً, فقال: اشهد إن محمد رسول الله, فقال : لله أبوك يا بن عبد الله ! لقد كنت عالي الهمة ؛ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين !)
وقال ابن أبي الحديد أيضاً: (وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، وهو غير متهم على معاوية, ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي (ع), والانحراف عنه:
قال المطرّف بن المغيرة بن شبعة: دخلت مع أبي على معاوية, وكان أبي يأتيه، فيتحدث معه, ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه, إذ جاء ذات ليلة, فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة, وظننت أنه لأمر حدث فينا. فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يا بني، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوتُ به: إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً, فإنَّك قد كبرت؛ ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلْتَ أرحامَهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه, وإنَّ ذلك مما يَبْقى لك ذكره وثوابه.
فقال: هيهات هيهات! أيّ ذِكْر أرجو بقاءه! مَلَك أخو تَيْم, فعدَل, وفعل ما فعل, فما عدا أن هَلَك حتى هلك ذكرُه؛ إلا أن يقول قائل: أبو بكر؛ ثم مَلَك أخو عَدِيّ، فاجتهد وشمَّر عشر سنين؛ فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره؛ إلا أن يقول قائل: عمر؛ وإن ابن أبي كبْشَة ليُصاح به كل يوم خمس مرات: (أشهد أن محمداً رسول الله)، فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دَفْنا دفناً)
إن وقفة تأمل قصيرة عند هذا النص نكتشف مقدار الحقد، والحسد, والكيد الذي يحمله معاوية لرسول الله (ص) ولرسالته, ومقدار التصميم المؤكد, والمخطط لمحو أثره من الوجود, وهو خير دلالة على إلحاده وكفره, وقد حاول أن يربي جيلاً واسعاً من الأمة عليه, وقد سَخَّر أموال المسلمين لذلك, واستنفذ كل طاقات الدولة لتحقيق أهدافه لكن ((ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)) (التوبة: 32)
هذا إلحاد معاوية, وأما يزيد فلم يكن متستراً, وإنما كان مستهتراً متظاهراً بإلحاده, قولاً, وفعلاً ناشراً له بعد أن خُدِّرَت الأمة, وصارت ترقد على الضيم.
ويكفي أن نذكر من أفعال يزيد: أنه في السنة الأولى من حكمة قتل آلَ رسول الله (ص) ومثل بهم, وسبى ذريته من بلد إلى بلد, وفي السنة الثانية أرسل مسلم بن عقبة وأباح المدينة ثلاثة أيام, وكان من وصيته لمسلم بن عقبة: (فإذا أظهرت عليهم فأبِحْها ثلاثاً, فما فيها من مالٍ أو رِقَةٍ أو سلاح, أو طعام فهو للجند)
ومسلم بن عقبة هذا السفاح إنما اختاره يزيد بوصية من معاوية؛ ولهذا أباح المدينة, وهتك حرمتها, وسفك دماء أهلها, ثم أدركه الموت بعد أن أمر نائبه الحصين بن نمير بأن يسير إلى مكة ويحاصرها؛ لأنها كانت قد بايعت عبد الله بن الزبير, فجاءها وحاصرها أربع وستين يوماً, و أقاموا يقاتلون ابن الزبير بقية محرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق وأحرقوه بالنار, واخذوا يرتجزون ويقولون:
خطارة مثل الفنيق المزبد * نرمي بها أعواد هذا المسجد
قال محمد بن عمر: (احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليالي خلوْن من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتي نعيُ يزيدَ بن معاوية بتسعة وعشرين يوماً)
هذه بعض أعمال يزيد التي عملها بوضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد...
هذا إضافة إلى المجون والفجور الذي كان ملوك بني أمية يُرَوجونه ليل نهار, والأخطر من ذلك كله الشروع بتحريف العقائد والأحكام الإلهية, وسَخَروا لأجل ذلك الأموال والرجال, وكل قدرات الدولة؛ لقلب المفاهيم والتصورات الإسلامية كما وصف الإمام الحسين (ع) تلك المرحلة بأدق وصف حيث قال في خطابه في منطقة البيضة: (إلا وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان, وتركوا طاعة الرحمن, وأظهروا الفساد, وعطلوا الحدود, واستأثروا بالفيء, وأحلوا حرام الله, وحرموا حلاله...)
وإظهار الفساد شمل كل نواحي الحياة السياسية, والفكرية, والاقتصادية، والاجتماعية... ولم يكن الفساد ليخفى على الناس إلا أن الأخطر من ذلك إن نشره وترويجه أعطوه صفة دينية شرعية, حيث أضفوا عليه طابع القدسية في نسبة ما يريدون تركيزه إلى رسول الله (ص) وهنا يكمن الخطر حيث أن الحلال يحرم, والحرام يحلل, ولكن بصيغة شرعية من خلال إسناده إلى رسول الله (ص) ولا شك أن هذا الأسلوب من أخطر الأساليب في محو الدين والقضاء عليه, أي محاربة الإسلام باسم رسول الله (ص) ولأجل ذلك وضعت آلاف الأحاديث على رسول الله كذباً وزوراً أحصاها صاحب الغدير بأربعمائة وثمانية آلاف وستمائة وأربعة وثمانين حديثاً.
هذا هو الواقع الذي عاشه الحسين (ع) وأدرك خطورته على الإسلام وأيقن أنه إن لم ينهض, ويزلزل عروش الظالمين فلَنْ يبقَ للإسلام عين, ولا أثر؛ وذلك لأن المخطط الأموي كان يهدف؛ لاجتثاث الرسالة من أصولها, وقد نفذ هذا المخطط بصيغة رسمية هادئة تجري ضمن برنامج مدروس, فقد ذَرّوا الرماد في عيون الناس بعد أن اسكتوا كل صوت حر, ومزقوا الأمة بالنعرات القومية, والعشائرية, والطائفية... وهكذا استمروا ينفذون هذا المخطط إلا أن عين الحسين (ع) كانتْ لا تذوق النوم حارسة لدين الله حتى أنقذه بتلك النهضة المدوية المعطاءة.
2- والنقطة الثانية التي أدركها الحسين (ع) هي أن الأمة وصلت إلى حالة من الخدر في الحس, وعدم الشعور بالمسؤولية حداً جعلها لا تفكر في واقعها, ولا تعي الخطر المحدق بها بعد أن استخف بها الحكام, واستحوذوا عليها بأسلوبي: الإفساد، والإرهاب, وهذان الأسلوبان من أخطر الأساليب التي تتعرض لها الأمم.
ومن خصائص هذين السلاحين أنهما يسلبان الأمة الإرادة والقدرة على التحرك والوعي والإدراك, (ولقد واجه الحسين (ع) واقعاً اجتماعياً وسياسياً سيئاً, من مثل هذا الواقع تمكن فيه بنو أمية من مسخ شخصية الأمة مسخاً كاملاً, ومصادرة قيمها, وقدراتها، ووعيها، وإرادتها, وأسوأ ما كان في هذا المسخ, والتحويل أن القدرة والقوة التي منحهم الإسلام إياها تحولت في نفوس هؤلاء، وبفعل بني أمية إلى قوة للقضاء على الإسلام، والسيف الذي سلّحهم به رسول الله (ص)؛ لقتال أعداء الإسلام تحول في أيديهم إلى أداة لمحاربة أبناء رسول الله (ص) وأوليائهم دون أعدائهم. وكان هذا هو جوهر المسخ الحضاري الذي تمَّ على يد بني أمية في حياة هذه الأمة, وإلى هذا المعنى يشير الإمام الحسين (ع) في خطبته الثانية يوم عاشوراء أمام جمهور جيش ابن سعد: سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم, وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم, فأصبحتم ألباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم, ولا أمل أصبح لكم فيهم)
3 - والنقطة الثالثة التي أدركها الحسين (ع) إن الأمة لا تؤثر فيها المواعظ والخطب لفقدان الإرادة فأصبحت تحتاج إلى هزة عنيفة توقظها من سباتها, وتنفض عنها تراب الذل والهوان, وهذه الهزة لا تحصل بالإرشاد, والوعظ, والتذكير القوي, وإنما لابد لها من دم زكي يراق على ساحتها, ليُرجع إليها رشدها, ويحرر إرادتها؛ ولذلك منذ انطلق الإمام الحسين (ع) أخذ يذكر بالموت, وينبئ بالشهادة, وكان الموت على طريق الحق شعار يرفعه.
(خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة).
(لا أرى الموت إلا [شهادة] سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).
إن الحسين (ع) إنما رفع هذه الشعارات الحمراء الصارخة؛ ليبطل الخطط الرهيبة التي خدر بها الأمويون حس الأمة, وجعلها ترضى بالذل, وتنام على الهوان, وتنصاع للظالم, وتسكت على تحريف دين الله بالكذب على رسول الله (ص) فكيف حدث هذا في أمة كانت تقول لحاكمها: (لو حِدْتَ عن الشريعة لقومناك بسيوفنا والجواب) إن المخطط الأموي سلك منهجاً فكرياً حَرَّفَ فيه مفاهيم الإسلام وعقائده الحقة, فانبثقت في الأمة نظرية, تقول: بحرمة الخروج على الحاكم الجائر, بل وجوب طاعته وملازمته والسكوت عنه, فإن الخروج عليه خروج على الإسلام, ومخالفة للشريعة؛ ولتركيز ذلك في نفوس أبناء الأمة وُضِعَتْ أحاديث كثيرة على لسان رسول الله (ص) ونشرت وسط الناس حتى أصبحت دين يدان به.
هذا هو الواقع الذي واجهه الحسين (ع): مفاهيم محرفة, وأحكام الله معطلة، وعباد الله مقهورون, والناس جميعاً إلا من رحم الله مستغفلون, والسلطة قائمة على الخداع, والفساد, والإرهاب... فهل تنفع في مثل هذه الحالات موعظة, أو إرشاد، أو تذكير؟ لا شك أنَّ كل ذلك غير مجدي, فما هو الحل إذن؟
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com