موقع الصراط ... الموضوع : كيف واجه الإسلام الحملات الإعلامية المضادة
 
الأحد - 18 / ربيع الثاني / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  كيف واجه الإسلام الحملات الإعلامية المضادة  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ جميل الربيعي
لقد واجهت الحركة الإسلامية على طول خط التأريخ الرسالي حملات إعلامية مضادة كانت تحاول إيقاف التيار الإسلامي بخلق تيار معاكس له، فمن محاولة التشويه، والتشنيع، والإسقاط إلى محاولة الدس, والتشكيك, وإثارة الشبهات, وتدبير المناورات، لتمزيق الجماعة المسلمة، وخلق الحواجز النفسية بينهم، وبين الجمهور بذلوا كل ما في وسعهم من مكر، وخداع، وتضليل؛ ليشوهوا حقيقة دين الله، ويَذَرُّوا الرماد في عيون الناس، وفي الحوار العنيف الذي دار بين موسى (ع) وفرعون صورة حية تتكرر في كل زمان ومكان، فحينما يدعوه موسى إلى الإيمان بالله وبرسالاته، ويثبت له بالبرهان القاطع والحجة الدامغة بآيات باهرة، يقف فرعون موقف المتعنت المستكبر والخصم العنيد يواجه موسى بالشبهات والافتراءات، ويضرب على الوتر الحساس الذي يخلق الحواجز النفسية بين الناس وبين موسى (ع) فيتهمه بأنَّه جاء ليخرج الناس من أرضهم، ويسيطر عليهم، وهذا ما يثير الناس ضد الدعوة الإلهية، فيقول لموسى: ((أَجِئتَنَا لِتُخرِجَنَا مِن أَرضِنَا بِسِحرِكَ يَا مُوسَى))
ثم يتحرك بسرعة في وسط الناس؛ ليشيع أنَّ موسى جاء ليهدد مصائر الناس يخرجهم من أرضهم، أو يسترق رقابهم، ويمزق وحدتهم، هكذا يشيع بين الناس بتدبير محكم, وكيد خبيث، وسعي حثيث؛ ليجمع المناوئين، ويحارب بهم موسى: ((فَتَوَلَّى فِرعَونُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتَى))
ويحدث الاجتماع ويدور البحث في كيفية المقاومة ((فَتَنَازَعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم وَأَسَرُّواْ النَّجوَى قَالُواْ إِن هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخرِجَاكُم مِّن أَرضِكُم بِسِحرِهِمَا وَيَذهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثلَى فَأَجمِعُواْ كَيدَكُم ثُمَّ ائتُواْ صَفّاً وَقَد أَفلَحَ اليَومَ مَنِ استَعلَى))
وهكذا جمع فوجاً من سحرته، وقد كان السحرة في ذلك الزمان بمثابة رجال الإعلام، وخبراء السياسة اليوم؛ ليدبروا المكائد والحيل، ويرسموا الخطط ليطفئوا النور الإلهي، ويصرفوا وجوه الناس إليهم، ويحجبوها عن سماع كلمة الحق، (وهكذا يفهم الطغاة أنَّ دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفاً من أهداف هذه الأرض؛ وأنَّها ليست سوى ستار للملك والحكم.. ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات, إما خارقة كآيات موسى, وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم، وإن لم تكن من الخوارق، فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهرياً.. سحر نأتي بسحر مثله! كلام نأتي بكلام من نوعه! صلاح نتظاهر بالصلاح! عمل طيب نرائي بعمل طيب! ولا يدركون أنَّ للعقائد رصيداً من الإيمان, ورصيداً من عون الله؛ فهي تغلب بهذا وبذاك, لا بالظواهر والأشكال!)
وهكذا جميع رسل السماء قد واجهوا الكثير الكثير من أمثال ما واجه موسى (ع)، ولكنَّ أشد هذه الحملات وأعتاها ما لاقاه الرسول الأعظم (ص) من المشركين, والمنافقين, واليهود، والنصارى... فقد رموه بالكذب, والجنون والكهانة, والشعر, والسحر... وما إلى ذلك مما أوحاه إليهم الشيطان، وما أوحته إليهم مصالحهم، فراح طغاة قريش حين أحسوا بالخطر على مقامهم ومصالحهم يحركون المؤامرات، ويشيعون الافتراءات؛ ليعزلوا الناس عن حركة الرسالة ويعرقلوا مسيرة الرسول (ص) عن الامتداد إلى أعماق الجزيرة العربية من خلال تشويه سمعته، وإسقاط شخصيته بالسخرية تارة، وبالدعايات المضللة أخرى، وكانوا يرسلون رسلهم يستقبلون قوافل الحجيج؛ ليحذروهم من اللقاء به (ص)، والسماع منه أو الإصغاء إليه، وبعدما أعيتهم المفاوضات مع أبي طالب؛ ليمنع رسول الله (ص) عن مواصلة الدعوة, أو يسلمه إليهم راحوا يسلكون المسلك الإعلامي المسموم، يقول المؤرخون:
(ثم إنَّ الوليد بن المُغيرة اجتمع إليه نفر من قريش, وكان ذا سنٍ فيهم, وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش, إنه قد حضر هذا الموسمُ, وإنَّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه, وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا, فاجمعوا فيه رأياً واحداً, ولا تختلفوا فيكذِّبُ بعضُكم بعضاً, ويردُّ قولُكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقُلْ وأقِمْ لنا رأياً نقول به؛ قال: بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا : نقول كاهن, قال: لا والله ما هو بكاهن, لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه؛ قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه, فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته؛ قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر, لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه, فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم؛ قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنَّ لقوله لحلاوةً, وإنَّ أصله لعَذْق، وإنَّ فرعه لَجَناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرِفَ أنَّه باطل, وإنَّ أقرب القول فيه لأنْ تقولوا ساحر, جاء بقولٍ هو سحر يفرِّق به بين المرء وأبيه, وبين المرء وأخيه, وبين المرء وزوجه, وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبُلِ الناس حين قدموا الموسم, لا يمر بهم أحدٌ إلا حذَّروه إياه، وذكروا لهم أمره)
وهكذا راحوا يتحرون الافتراءات واحدة واحدة؛ ليقرروا أية فَرية تقبل عند الناس ليرموا بها رسول الله (ص)، ولكنَّ الله للظالمين بالمرصاد فأنزل في الوليد بن المغيرة: ((ذَرنِي وَمَن خَلَقتُ وَحِيداً وَجَعَلتُ لَهُ مَالاً مَّمدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمهِيداً ثُمَّ يَطمَعُ أَن أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لأَيَاتِنَا عَنِيداً سَأُرهِقُهُ صَعُوداً إِنَّه فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدبَرَ وَاستَكبَرَ فَقَالَ إِن هَذَا إِلا سِحرٌ يُؤثَرُ إِن هَذَا إِلا قَولُ البَشَرِ))
هكذا كانوا يفكرون, ويقدرون الفرية الأقوى, ويدبرون الخطة الأحكم لعلَّهم يصلون إلى مرادهم في إغواء الناس، ولكنَّ نصرة الله, وحكمة رسول الله (ص), وثبات المؤمنين, وقوة حجتهم, وحسن خلقهم أفشل خطة قريش، وقلب مجرى الأحداث، فانتشر صيت رسول الله (ص) في جميع قبائل العرب، فعندما بعثت قريش رسلها؛ ليحذروا وفود الحجاج، وليقولوا ما أشار عليهم الوليد انتشر خبر رسول الله (ص) إلى كل أصقاع الجزيرة العربية، وطار ذكره إلى كل بيت, يقول ابن إسحاق: (فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله (ص) لمن لَقَوا من الناس, وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله (ص) فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com