موقع الصراط ... الموضوع : العبودية-2
 
الأحد - 12 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبودية-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  العناصر المكونة للعبودية :
العبودية لله حالة فكرية تترسخ - بالتدريب والمران بصورة تدريجية - في النفس، وتتحول كلما تعمقت المعرفة بالله، وأسمائه، وصفاته، والعمل بأحكام رسالته من حالة شعورية إلى حالة سلوكية في الحياة، فهي ليست طقوس يؤديها العبد ، ولا كلمات يتلفظ بها، وإنما أداء هذه الشعائر أثر من آثارها، وتتكامل هذه الحالة في الإنسان إذا توفرت فيه عناصر عدة أهمها:
1 - المعرفة بالله تعالى: مما لا شك فيه أن الإنسان كلما زادت معرفته بالله تعالى ازداد ذلاً له، وخوفاً منه، وخضوعاً إليه، وتعظيماً لمقامه، وبدون المعرفة لا يتحقق شيء من ذلك؛ ولهذا فإن التعظيم، والخوف، والخضوع، والحب يتناسب تناسباً طردياً مع المعرفة فكلما ازدادت المعرفة ازدادت الهيبة، والخوف والخضوع، والخشوع، والتعبد بالطاعة لله تبارك وتعالى … فلا يعصي الله تعالى من عرفه، وأقصد بالمعرفة أن يدرك المؤمن بقلبه لا بعقله فحسب - أي ما أدركه عقله من المعرفة ينزل على صفحات القلب حتى تنطبع عليه، وبعبارة الإمام الخميني قدس سره: (أن يكتب السالك بقلم العقل ما أدركه العقل بقوة البرهان والسلوك العلمي على صفحة قلبه ، ويوصل إليه حقيقة ذُل العبودية ، وعز الربوبية ، ويحرره من القيود ، والحجب العلمية)
فإذا أيقن الإنسان بوعي أن الله تعالى خالقه وجميع الكون، وهو المنعم والمحيي والمميت، وأنه بعينه تعالى أينما حل وارتحل، لا تخفى عليه خافية يعلم لحظات الأبصار , وخواطر القلوب، وحركة الجوارح، وأن كل ذلك يكتب له، أو عليه إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، وإن الله تعالى هو الشاهد عليه والحاكم له فإذا تأصلت هذه المعرفة في القلب , وتحققت تحققاً وجدانياً أصبحت تجري في عروقه مجرى الدم ,فإنها ستملك عليه كل وجوده ، وتحكم مشاعره، وأحاسيسه ، وسلوكه، وهذا ما كان أهل البيت (ع) يصبون تحقيقه ويؤكدونه في مناجاتهم لله تعالى، ففي دعاء الصباح للإمام السجاد (ع) يقول:
(أصبحنا وأصبحت الأشياء كلها بجملتها لك: سماؤها، وأرضها، وما بثثت في كل واحد منهما: ساكنه، ومتحركة، ومقيمة، وشاخصة، وما علا في الهواء وما كنَّ تحت الثرى. أصبحنا في قبضتك يحوينا ملكك وسلطانك وتضمنا مشيئتك، ونتصرف عن أمرك، ونتقلب في تدبيرك، ليس لنا من الأمر إلا ما قضيت, ولا من الخير إلا ما أعطيت)
وهكذا يذيب العارف إرادته في إرادة الله تعالى فلا يريد إلا ما أراد الله تعالى، وكلما ازداد المؤمن معرفة بالله ازداد خوفاً، وخشية , وخضوعاً , وعبودية لله، يقول أمير المؤمنين (ع) مناجياً ربه: (من ذا الذي يعرف قدرك فلا يخافك ومن ذا الذي يعلم ما أنت فلا يهابك)، وفي مناجاة الإمام السجاد (ع): (سبحانك أخشى خلقك لك أعلمهم بك)
وفي الحديث الشريف: (من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا) ومعرفة الله لا تحصل إلا بتوفر عواملها ومن أهمها: طهارة القلب من الأدران والآثام، ومذام الأخلاق. يقول الإمام الخميني قدس سره: (وما لم يحصل الخروج من أمهات المذام الأخلاقية التي هي أهم مبدأ لفساد المدينة الفاضلة الإنسانية، ومنشأ للخطوات: الظاهرية والباطنية لم يجد السالك طريقاً إلى المقصد ولا سبيلاً إلى المقصود) ومع طهارة القلب، وزكاة النفس لا بد من بذل الجهد المتواصل في الكدح إلى الله تعالى والتعبير القرآني واضح صريح في ذلك: ((يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)) (الانشقاق:6) فكلمة الكدح بلفظها ومعناها، ونغمتها تدل على أن المسير إلى الله تعالى يحتاج إلى جهد كبير ومعاناة طويلة، ورياضة متواصلة وقد قيل: (الكدح جهد النفس في العمل حتى يؤثر فيها. وعلى هذا فهو يتضمن معنى السير بدليل تعديته بإلى، ففي الكدح معنى السير على أي حال)
(وقوله ((فَمُلاقِيهِ)) عطف على ((كَادِحٌ)) وقد بين به أن غاية هذا السير والسعي والعناء هو الله سبحانه بما أن له الربوبية. أي إن الإنسان بما أنه عبد مربوب ومملوك مدبر ساع إلى الله سبحانه بما أنه ربه ومالكه المدبّر لأمره فإن العبد لا يملك لنفسه إرادة، ولا عملاً فعليه أن يريد، ولا يعمل إلا ما أراده ربه ومولاه وأمره به، فهو مسؤول عن إرادته وعمله)
2 - ثم لا بد لمن أراد نيل مقام العبودية السامي من الصبر على مشاق الطريق حتى تتحول المعاناة في سبيل نيل المطلوب، واللقاء بالمحبوب إلى لذة للسالك يستأنس بها في حياته فما جعل الله عباده الصالحين أئمة وقادة إلا بالإيمان والصبر، والإخلاص، يقول تعالى:
((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)) (السجدة:24)
((وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا)) (الأعراف: 137)
وتحقق هذا الأمر لا يتم بالصبر فقط، بل لابد من الاصطبار وهي درجة من المعاناة أشد وأعلى من الصبر حيث يحبس المريد نفسه على العبادة، ويجاهد أهواءه بقوة، يقول تعالى ((فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه)) (مريم:65) ولا يستطيع أن يتحمل مشاق الطريق ومرارته بنفسه وقوته إذا لم يستمد الصبر من الله تعالى: ((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ)) (النحل:127) والصبر الذي نقصده هنا هو الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، وهو أول دعائم الإيمان، يقول أمير المؤمنين (ع): (الإيمان على أربع دعائم على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد والصبر منها على أربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب: فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات)
فالصبر إذن يضع الإنسان على خط متحرك بين أمل يلوح ويبرق من بعيد وبين ألم ومعاناة يكابد منها، ويصبر عليها حتى يتحول الأمل إلى حقيقة، والألم والمعاناة إلى قوة ومقاومة للنوازع الذاتية , والضواغط الخارجية.
3 - ثم العنصر المهم في تحقق العبودية لله هو الإخلاص في الطلب أي التجرد المطلق لأجل كسب رضا الله، فرضوانه تعالى غاية في كل عمل يقوم الكادح به وهذا هو تمام الإخلاص .
وخلاصة القول: العبودية المطلقة لله تعالى تتحقق في نفس الإنسان من خلال معرفته وفعاليته، وإرادته تحت رعاية الله وهدايته، واستمداد العون منه تعالى، ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر، والمعاناة، والمجاهدة النفسية، في سبيل الله تعالى.
وكما أن معرفة الله تعالى أصل العبودية لله تبارك وتعالى وعمادها التي لا تقوم بدونه فإن معرفة أحكامه تعالى، والتفقه بها فرع تلك المعرفة؛ ولذلك فإن من مهمات المسائل في الفكر الإسلامي هي التفقه بأحكام الله تعالى؛ لأن طاعة العبد لا تتحقق بدون معرفة أوامر المولى ونواهيه , وكيف يمتثل أوامر الله تعالى من يجهل أحكامه ؟ ومن هنا جاء التأكيد متواصلاً على التفقه بدين الله تبارك وتعالى يقول (ص): (إذا أراد الله بعبد خيراً فقَّهه في الدين)
وقال الإمام الباقر (ع): (يا جابر - والله - لحديث تصيبه من صادق، في حلال وحرام، خير لك مما طلعت عليه الشمس حتى تغرب)
وقال الصادق (ع): (حديث في حلال وحرام، تأخذه من صادق، خير من الدنيا وما فيها من ذهب أو فضّة) فمكسب يكسبه الإنسان تكون له هذا المثابة من الأجر والثواب العظيم لا يمكن أن يكون بهذه الأهمية إلا لأنه يؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ ولذلك فإن شرط تذوق المرء لحقيقة الإيمان هو التفقه في دين الله تعالى. يقول الإمام علي (ع): (لا يذوق المرء من حقيقة الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: الفقه في الدين، والصبر على المصائب، وحسن التقدير في المعاش)
والفقه هو العلم بأحكام الشريعة المقدسة، يقال: فقه الرجل إذ صار فقيهاً وقال ابن منظور:(الفقه: العلم بالشيء والفهم له. والفقه في الأصل الفهم) ولم ينحصر معنى التفقه بالتفهم، بل لا بد من التبصر بأحكام الله تعالى. قال صاحب مجمع البحرين في تعليقه على حديث رسول الله (ص): (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعثه الله فقيهاً عالماً) قال بعض الشارحين: (ليس المراد به الفقه بمعنى الفهم فإنه لا يناسب المقام، ولا العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية فإنه مستحدث، بل المراد البصيرة في أمر الدين، والفقيه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى، فالفقيه هو صاحب البصيرة وإليه أشار (ص) بقوله: (لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله وحتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتاً)
فالتفقه إذن هو التبصر في دين الله تعالى، وهو عبارة عن وضوح الرؤية لما عليه الواقع في حقيقة أمره، وما تهدف إليه الرسالة من حيث النظرية، والتطبيق لتغير الواقع الفاسد إلى واقع سليم؛ فالبصير هو العارف بدين الله تعالى، الواعي لحكمه، والملتزم به، والمستقيم عليه، في كل الأحوال؛ ولهذا نقصد بذوي البصائر (الفئة الواعية للإسلام على الوجه الصحيح، والملتزمة به في حياتها بشكل دقيق، بحيث تتخذ مواقف مبدئية من المشكلات التي تواجهها في الحياة والمجتمع ولا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات وإنما تعبر عن التزامها النظري بالممارسة اليومية للنضال ضد الانحرافات) يقول تعالى :
((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (يوسف:108)
إذن التفقه في دين الله يؤدي إلى التبصر في أمر الله تعالى، والتبصر في أحكام الله يجعل الإنسان عبداً حقيقياً لله تعالى يعي ما يسمع ويطبق ما يتلقى، يقول أمير المؤمنين (ع): (فإنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثم سلك جددا واضحاً يتجنب فيه الصرعة في المهاوي، والضلال في المغاوي)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com