موقع الصراط ... الموضوع : رسالتنا والدعاة
 
السبت - 26 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  رسالتنا والدعاة  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم السيد الشهيد محمد باقر الصدر
إنّ للرسالة الإسلامية خصائصَ ومميّزاتٍ في كلّ الحقول والميادين تبرهن على أ نّها أكفأ الرسالات وأجدرها بالدعوة والنجاح والخلود

ومن تلك الميادين التي تبرز فيها خصائص الرسالة الإسلامية قويةً رائعةً الميدان العملي، ميدان الدعوة وحمل لواء الرسالة فإنّ الدعوة إلى الرسالة الإسلامية تمتاز على أكثر الدعوات إلى مختلف الرسالات الاخرى بأنّها تستمدّ من الرسالة نفسها وطبيعتها الخاصّة عناصر قوّتها وشروط نجاحها ومقوّماتها الروحية في مجال الجهاد والكفاح. فالرسالة الإسلامية تموِّن الدعوة بهذه العناصر والشروط والمقوّمات بما لا يمكن لرسالةٍ اخرى أن تقوم بذلك، ولهذا تضطرّ كثير من الدعوات أن تستجدي بعض تلك المقوّمات الروحية من جهاتٍ اخرى غير رسالتها التي تتبنّاها وتحمل رايتها.
وأهمّ تلك المقوّمات الروحية التي تحتاجها كلّ دعوةٍ ذات رسالةٍ مهما كان لونها هي:
أولاً: العقائدية التي تسبغ على الرسالة في نظر الدعوة طابعاً تقديسياً يقينياً، فبمقدار ما يرسخ هذا الطابع التقديسي اليقيني في نفوس الدعاة تزداد اندفاعاتهم وتتضاعف طاقاتهم، لذلك يجهد قادة كلّ دعوةٍ أن يُضفوا على‏ الرسالة التي يحملونها لوناً من التقديس العميق، ويغذّوا في نفوس الدعاة اليقين غير المحدود بصحة الرسالة وتفوّقها على كلّ نقاشٍ وجدال، ليتولّد من هذا الإيمان اليقيني طاقة حرارية دافعة في مجال العمل والتبشير.
ومن الواضح أنّ طبيعة الرسالة الإسلامية تكوّن لها هذا الطابع في نفوس الدعاة لأنّها ليست نتيجة اجتهادٍ معيّنٍ يكون عرضةً للخطأ أو حصيلة تجاربٍ محدودةٍ قد لا تصوّر الواقع تصويراً كاملًا، وإنّما هي الرسالة الخاتمة التي اصطفاها اللَّه سبحانه للإنسانية، وبعث بها خاتم رسله صلى الله عليه و آله و سلم، فهي مع كونها مذهباً للحياة والمجتمع تتمتّع بالطابع الدينيّ الذي يحيطها بالتقديس واليقين المطلق.
هذا هو الفارق بينها وبين سائر مذاهب الحياة التي لا تصل في عقيدة أصحابها إلى درجة الدين، ولا تحظى بما يحظى به الدين لدى المتديّنين من يقينيةٍ مطلقة، وفي ضوء هذا الفرق يتبيّن السرّ في ما نطالعه من صلابةٍ عقائديةٍ في حملة رسالة الدين المخلصين، وميوعةٍ أو انخفاضٍ عقائديٍّ في حملة الرسالات الفكرية الاخرى بالرغم من نبوغهم وعبقريتهم، فليس عجيباً- مثلًا- أن نرى ماركس وهو منشئ مذهبٍ ودعوةٍ من أشهر مذاهب التاريخ ودعواته يقول: ((إنّني لست ماركسياً)) بينما يقول داعية مسلم كعليٍّ عليه السلام: ((لو كشف لي الغطاء لَما ازددت يقيناً))، فإنّ عقيدة عليٍّ عليه السلام كانت ديناً، ومن طبيعة الدين أن يشعّ في نفوس رجاله المخلصين بهذا اليقين، ويكسب هذه العقائدية المطلقة، وأمّا الماركسية فلم تكن- على أبعد تقديرٍ- إلّااجتهاداً علمياً خاصّاً، ولذلك لم تستطع أن تجعل من ماركس نفسه ماركسياً، ولم تستطع بعد ذلك أن تكتسب الصفة القطعية والقدسية العقائدية إلّابعد أن لعب الماركسيون دوراً كبيراً في رفع الماركسية إلى مستوى‏ الدين في عقائديته وقدسيته. وهكذا نعرف أنّ الامتياز الديني للرسالة الإسلامية يجعلها قادرةً على خلق جوٍّ عقائديٍّ كاملٍ في أجواء الدعوة.
وثانياً: الأمل، فإنّ الأمل هو بصيص النور الذي لا تستغني عنه كلّ الدعوات، وإذا فقدت الدعوة أملها في الفوز والنجاح فقدت وجودها ومعناها الحقيقي؛ لأنّ الدعوة إلى ما لا أمل في تحقيقه ضرب من العبث واللهو، ولهذا كان لا بدّ لمختلف الدعوات أن تفتّش عن الأمل وتغذّيه في ضوء الظروف والأحداث، وأن تتصيّده من الظروف والأحداث نفسها. وأمّا الدعوة إلى الرسالة الإسلامية فهي وإن كانت تعتمد في آمالها على الظروف والملابسات ولكنّها تعتمد قبل ذلك على الأمل الذي تزوّدها به طبيعة الرسالة الإسلامية نفسها، فإنّ هذه الرسالة تفتح بنفسها للدعاة أجواءً من الأمل وتقوِّي من عزيمتهم ورجائهم، ولا أدلّ على أنّ الدعاة الإسلاميّين يقتبسون أملهم من الرسالة نفسها قبل أن يستوحوه من الظروف والأحداث.
إنّ الطليعة الإسلامية التي عاصرت محنة الإسلام في مكّة وهو يومئذٍ وليد ضعيف قد تجمّعت القوى على سحقه، وتأ لّب الأعداء على خنقه، كانت هذه الطليعة تهتزّ أملاً بل يقيناً بتهديم عروش الظلم، كلّ العروش، وإنقاذ بلاد كسرى وقيصر من كسرى وقيصر. ولا نبالغ إذا قلنا: إنّ هذا الأمل الحيّ القويّ من أكبر القوى المعنوية التي كان يتمتّع بها اولئك المسلمون ويستعينون بها على الصبر والاستبسال في المحنة، ولم يكن من الممكن أن يخلق هذا الأمل في نفوس الدعاة شيئاً سوى رسالةٍ لها طبيعة الرسالة الإسلامية وطابعها الإلهِيّ اليقيني ومددها الروحيّ والمعنوي، فلم يكن المسلم ليستهين أو يضعف أمام الشدائد وبيده مشعل السماء ومن ورائه الوعود الإلهية بالنصر والتأييد. ولا زالت حتى الآن الرسالة الإسلامية- كما كانت- قادرةً على بعث الأمل في نفوس الدعاة، بل‏ هي تبعثه فعلاً بما يشعّ في نصوصها القرآنية والنبوية من وعدٍ بالنصر إذا خلصت النية وأحكمت الخطّة على أساس الإسلام.
وثالثاً: الدافع الذاتي، فإنّ الإنسان العادي مهما تصل به دوافعه المثالية فإنّ للدافع الذاتي أثراً بليغاً في حياته واندفاعه، ومن هنا تنشأ المشكلة في كثيرٍ من الدعوات والرسالات، لأنّ الرسالة تتطلّب المثالية في الدوافع وروح التضحية والمفاداة، والدعوة تتطلّب شيئاً من الدوافع الذاتية التي تزيد من حرارتها وقوتها واندفاعها؛ ولأجل ذلك نجد أنّ الدعاة كثيراً ما يغرقون بعد زمنٍ قصيرٍ أو طويلٍ من دعوتهم أو انتصارهم في الدوافع الذاتية، وتخبو في نفوسهم تلك الدوافع المثالية بالتدريج لتحلّ مكانها دوافع الذات، وتصبح الرسالة أداةً ومبرّراً لتلبية هذه الدوافع بعد أن فقدت في نفوس الدعاة دوافعها المثالية. وأمّا الإسلام فهو يختلف عن بقية الرسالات في قدرته على تسخير الدوافع الأنانية والمثالية معاً لصالحه، فإنّ طبيعة الرسالة الإسلامية إقناع المسلم بأنّ الإخلاص لهذه الرسالة والدعوة إليها والتضحية في سبيلها مكسب شخصيّ قبل أن يكون مكسباً مثالياً أو اجتماعياً، وربح لجزاءٍ ونعيمٍ لا حدود له قبل أن يكون عاطفةً مثالية أو اندفاعاً تحمسياً. وهكذا تجنّد الرسالة الإسلامية جميع الدوافع الإنسانية لصالحها، وتجعل من الدوافع الأنانية دوافع خيّرةً تواكب الدوافع المثالية في مقتضياتها ومتطلّباتها، فالرسالة الإسلامية إذن: رسالة عقيدةٍ وإيمان.
رسالة أملٍ ورجاء.
ورسالة تجنيدٍ لكلّ الدوافع والقوى الإنسانية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com