موقع الصراط ... الموضوع : منهجان في السياسة-1
 
الإثنين - 4 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  منهجان في السياسة-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)) (القصص: 83)
لو استقرأنا سِيَرَ السياسيين قديماً وحديثاً لوجدنا منهجين متباينين في الغاية والوسيلة:
1 - منهج مبني على أساس فكري وعقائدي سليم يحدد الإنسان من خلاله موقفه من الحياة والكون, وأصحاب هذا المنهج وسالكيه يحاولون الوصول إلى تحقيق أهدافهم بطرق مشروعة منتزعة من نفس المتبنيات العقائدية والحكمية التي نذروا أنفسهم لأجلها ولا يهمهم الوصول إلى عرش الحكم, إنما الذي يهمهم هو ترسيخ المبادئ والأفكار في نفوس الناس, وخلق تيار فكري يقود المجتمع إلى حيث تريد عقيدته لا إلى ما تريد أهوائهم ورغباتهم .
2 - منهج مبني على أساس الأهواء النفسية, والنوازع الذاتية, و الداوفع الشهوانية كدافع حب الظهور, والتسلط, والانتقام ... وأصحاب هذا النهج يسلكون شتى السبل؛ لأجل الوصول إلى أهدافهم سواء كانت مشروعة، أو غير مشروعة، شريفة أو وضيعة, فيلبسون لكل غاية ثوبها يُظهرون عكس ما يبطنون, ويبرزون خلاف ما يظهرون, تخالف علانيتهم سريرتهم، ديدنهم النفاق, والخداع, والغدر, والانتقام, وشراء الضمائر؛ لأنَّ (السياسة [عندهم] لا تتفق مع الأخلاق في شيء . والحاكم المقيد بالأخلاق ليس بسياسي بارع, وهو لذلك غير راسخ على عرشه. [ولذلك يقولون:]
لا بد لطالب الحكم من الالتجاء إلى المكر والرياء, فإنَّ الشمائل الإنسانية العظيمة من الإخلاص والأمانة تصير رذائل في السياسة, وأنها تبلغ في زعزعة العرش أعظم مما يبلغه ألد الخصوم . هذه الصفات لابد أن تكون هي خصال البلاد الأممية - غير اليهودية - ولكننا غير مضطرين إلى أن نقتدي بهم على الدوام)
تلك هي القاعدة الأساسية التي يتبعها عشاق الكراسي, وبعبارة أخرى يسلكون كل ما يحقق لهم رغباتهم سواء خالف الحق أو وافقه فهو مساغ على كل حال . حتى لو أهلك الحرث والنسل, وأفسد الماء والهواء وأمثلة ذلك كثيرة في التاريخ القديم والحديث مثلاً جنگيز خان عندما تحرك لاحتلال المنطقة الإسلامية كان يخرب كل ما مر به من عمران, ويقتل كل إنسان مر به لأجل أن يخلق الرهبة والخوف في قلوب الناس .
وفي التأريخ الحديث كان هتلر يضع الأسرى في أفران؛ ليستخرج الزيوت من أبدانهم... وبالمقابل أمريكا تفجر القنبلة الذَّرية على رؤوس الناس في (هيروشيما) و(ناكزاكي) وتحولهما إلى بلقع محروق، وصدام يضرب حلبچة بالمواد الكيمياوية, ويقتل الآلاف؛ لينذر الجمهورية الإسلامية بخطر الأسلحة الكيمياوية .
وفي حرب الخليج تدمر أمريكا كل عمران العراق الاقتصادي والإنساني, وتحاصر الشعب العراقي سنوات طويلة, وتهلك ملايين الأطفال والنساء والشيوخ؛ لتحقيق أهدافها بحجة إبادة الأسلحة الجرثومية والكيماوية لحماية الشعب العراقي وجيرانه من بطش صدام.
ورغم كل هذه الادعاءات حين شعرت أن فرعون العراق سيسقط على يد الشعب العراقي في انتفاضة (15 من شعبان سنة 1411هـ) أوعزت لصدام باستعمال الطائرات لقمع المدن التي حُررِّت بيد المجاهدين.
وهكذا آلاف الأمثلة على ذلك نقرأها في التاريخ ونسمع حدوثها في كل يوم في مختلف أرجاء المعمورة ((قُتِلَ الإنسان ما أكفره)) (عبس:17)
بعد هذا المقدمة المقتضبة لننظر أي منهج نهجه آل محمد (ص) وشيعتهم وأي نَهْج نَهَجَ مخالفوهم؟
مما لا شك فيه أن أي منصف يدرس التاريخ درس محقق باحث عن الحقيقة يجد أن النهج العلوي كان يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين:
1 - حفظ الرسالة من التحريف والأمة من الانحراف، والعمل على تحكيم شريعة الله في الأرض .
2 - تبليغها للناس وترويجها بالإيضاح والشرح والبيان لخلق تيار رسالي متحرك وسط الأمة؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويعبدهم لله تعالى...
وهم من أجل التوصل إلى تلك الأهداف السامية ليسوا على استعداد للتنازل والتراجع عن أي فكرة أو حكم أو مبدأ مهما كان صغيراً وفق قوله تعالى:
((فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير)) (هود:112)
((واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم)) (الشورى:15)
((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)) (يوسف:108)
إذن في المدرسة الإلهية : (إنَّ الغايات لا تبرز الوسائل)، وفي سيرة أهل بيت العصمة والطهارة (ع) أمثلة كثيرة من ذلك، منها: عندما طُلِبَ من أمير المؤمنين (ع) أن يتعهد بالسير وفق سيرة الشيخين؛ لكي يتسنم عرش الخلافة, رفض ذلك بصراحة وقوة ولم يبدِ أي استعداد, ولو بنطق كلمة واحدة تخالف مصلحة الإسلام حتى لو كانت تصعد به إلى رئاسة الدولة, وهو القائل: (وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِي اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ)
ولذلك قال أصحاب المدرسة الثانية: (إنَّ علياً (ع) لا علم له بالسياسة) وإنَّ معاوية أمهر منه في الإدارة السياسية ... وعندما تولى الحكم بعد عثمان طلب إليه أن يتغاضى عن سالبي أموال المسلمين ويداهنهم ولو لفترة زمنية قصيرة, فرد بقوة وعنف وصرح بأنَّ أي محاولة تخالف الحق والعدل لا يمكن أن يقوم بها, ولو كلفته الكثير من المعاناة والدماء... ولذلك قال بصريح العبارة: (أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجُوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ, وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً)
ويقول لمن حاول أن يخادعه بهدية قدمها إليه متعجباً كيف يجرأ على ذلك:
(وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ (قصته مع عقيل): طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وَعَائِهَا, وَمَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا, فَقُلْتُ: أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةٌ, أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ! فَقَالَ: لا ذَا وَلا ذَاكَ, وَلكِنَّهَا هَدِيَّةٌ, فَقُلتُ: هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ! أَعَنْ دِينِ اللهِ أَتَيْتَنِي؛ لِتَخْدَعَنِي؟ أَمُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ, أَمْ تَهْجُرُ, وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِي اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ...)
وفي هذا المضمار رد اقتراح من اقترح عليه إبقاء معاوية على ولاية الشام حتى تستتب له السيطرة على الحكم؛ لأنَّ في إقراره مخالفة للشريعة, وخطر على الدين.
إذن حامل الرسالة الإلهية لم يكن هدفه الوصول إلى السلطة بكل الأساليب أو تدعيمها لو وصل إليها بطرق لا شرعية ... هذه هي السمة الجوهرية في الرسالات السماوية .
وأما المدرسة الثانية التي يمكن أن نعبِّر عنها (بطلاب السلطة) فقد تمثلت في النهج الأموي منذ لحظة إعلان إسلامهم, وإن كان الصحيح استسلامهم, فقد أظهروا الإسلام بألسنتهم, وأضمروا الكفر بقلوبهم, وبقي كامناً إلى أن حصل على متنفس فظهر على حقيقته وهاك أمثلة من ذلك:
روى ابن عبد البر في الاستيعاب: (أن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه، فقال: قد صارت إليك بعد تَيْم وعَديّ فأدرها كالكرة, واجعل أوتادها بني أمية, فإنَّما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار, فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل)
ومر أبو سفيان يوماً بقبر حمزة, وضربه برجله, وقال : (يا أبا عمارة! إنَّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به! ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية علياً كما يتفاخر الأكفاء والنظراء)
وعن أنس: إنَّ أبا سفيان بن حرب دخل على عثمان بعد ما عمي فقال: (هاهنا أحد؟ قالوا: لا. قال: اللهم اجعل الأمر أمر جاهلية, والملك ملك عاصبية, واجعل أوتاد الأرض لبني أمية) ولا عجب من أبي سفيان ذلك فإنه ما أسلم إسلاماً حقيقياً وإنما استسلم مقهوراً بالسيف .
قال ابن أبي الحديد: (وكان ممن عانده [رسول الله] وكذبه, وحاربه من عشيرته العدد الكثير والسواد الأعظم, يتلقونه بالضرر والتثريب, ويقصدونه بالأذى والتخويف, وينابذونه بالعداوة, وينصبون له المحاربة, ويصدون من قصده, وينالون بالتعذيب من اتبعه, وكان أشدهم في ذلك عداوة, وأعظمهم له مخالفة, أولهم في كل حرب ومناصبة ورأسهم في كل إجلاب وفتنة, لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها أبا سفيان بن حرب صاحب أحد, والخندق, وغيرهما, وأشياعه من بني أمية الملعونين في كتاب الله, ثم الملعونين على لسان رسول الله (ص) في مواطنَ عدة, لسابق علم الله فيهم, وماضي حكمه في أمرهم, وكفرهم ونفاقهم. فلم يزل لعنه الله يحارب مجاهداً, ويدافع مكايداً, ويجلب منابذاً حتى قهره السيف, وعلا أمر الله, وهم كارهون, فتعوَّذ بالإسلام غير منطوٍ عليه, وأسرَّ الكفر غير مقلعٍ عنه, فقبله وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم، ثم أنزل الله تعالى كتاباً فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم وهو قوله تعالى: ((والشجرة الملعونة في القرآن)) (الإسراء:60) ولا خلاف بين أحد في أنه تعالى وتبارك أراد بها بني أمية)
ويقول عباس محمود العقاد : (وظل أبو سفيان إلى ما بعد إسلامه زمناً يحسب غلبة الإسلام غلبة عليه, فنظر إلى النبي مرة وهو في المسجد نظرة الحائر المتعجب, وهو يقول لنفسه: (ليت شعري بأي شيء غلبني!)، فلم يخفَ على النبي (ص) هذه النظرة, وأقبل عليه حتى ضرب يده بين كتفيه, وقال له: بالله غلبتك يا أبا سفيان!)
ومعاوية لكي يدعم ملكه يسلك سبلاً هتلرية تخالف الإنسانية فضلاً عن الدين فتراه يأمر بوضع الأحاديث التي تخدم مصالحة السياسية كذباً على رسول الله (ص), وينفق الأموال على الكذابين, ويلحق الدعي ابن مرجانة به؛ ليحصل على ولائه, ويغدر, ويفجر, فيدس السّم لكل مخالف له, ويقول: (ألا وإنَّ لله جنوداً من العسل), ويقتل على الشبهة والتهمة خيار أصحاب رسول الله (ص) وآخرها يأخذ البيعة لولده يزيد الفاسق الفاجر ربيب النصارى, وملاعب الكلاب والقردة وشارب الخمر... بقوة السيف كل ذلك؛ لاسناد خطه السياسي, وبقاء دولته رغم حسده لرسول الله (ص) .
فقد روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك: (إنَّ معاوية سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقالها ثلاثاً، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: لله أبوك يا بن عبد الله! لقد كنتَ عالي الهمة, ما رضيتَ لنفسك إلا أنْ يقرَنَ اسمك باسم رب العالمين)
وخبر المغيرة ابن شعبة عنه, دليل آخر على ما نقول . وقال ابن أبي الحديد: (ومعاوية عند أصحابنا مطعون في دينه, منسوب إلى الإلحاد, قد طعن فيه (ص) )
وقال ابن أبي الحديد: (ومما ورد من ذلك في السنة, ورواه ثقات الأمة, قول رسول الله (ص) فيه, وقد رآه مقبلاً على حمار, ومعاوية يقوده ويزيد يسوقه: لعن الله الراكب والقائد والسائق)
... يتبع
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com