موقع الصراط ... الموضوع : كيف واجه رسول الله (ص) إعلام قريش وتحدياتها؟
 
الخميس - 5 / ربيع الأول / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  كيف واجه رسول الله (ص) إعلام قريش وتحدياتها؟  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 16 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
لقد واجه رسول الله (ص) تلك التحديات بدقة, وحكمة إلهية استطاع من خلالها أن يتجاوز تلك الحملات بجدارة وقوة, وينشر رسالة الله في أغلب مناطق الجزيرة العربية، ثم غزا قريشاً في عقر دارها حتى ظهر أمر الله، وعلت كلمته.
وقد كان القرآن الكريم ينزل في كل حادثة, وفرية تطلق يَرُدُّها بقوة ويُثَبِّتُ المؤمنين، ويدفع افتراءات المبطلين التي كانت تروج بين الجمهور؛ لتخلق الحواجز النفسية بينه وبين الرسالة بأنواع الطروحات التعجيزية, والطلبات المستحيلة المخالفة للعقل والمنطق طرحوها بتعنت وعنجهية ((وَقَالُواْ لَن نُّؤمِنَ لَكَ حَتَّى تَفجُرَ لَنَا مَنَ الأَرضِ يَنبُوعاً أَو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفجِيراً أَو تُسقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمتَ عَلَينَا كِسَفاً أَو تَأتِيَ بِاللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَو يَكُونَ لَكَ بَيتُ مِّن زُخرُفٍ أَو تَرقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَاباً نَّقرَؤُهُ قُل سُبحَانَ رَبِّي هَل كُنتُ إِلا بَشَراً رَّسُولاً))
بتلك الطروحات الطفلية حاولوا أن يُفحموا الرسول، ويوقفوا حركة الرسالة في المجتمع، ولم يكتفوا بهذا بعد أن دمغهم القرآن بالحجج القاطعة بل راحوا يعرضون على الرسول مرة أخرى مختلف الإغراءات المادية كالمال والملك, والسيادة, والنساء... الخ.
ولما عجزوا عن ذلك كله جاؤوا إليه (ص) ليقولوا: (يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنَّه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً, ولا أقل مالاً, ولا أشد عيشاً منا, فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسيِّر عنا هذه الجبال التي ضيَّقت علينا, وليبسط لنا بلادَنا, وليُجْرِ فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق, وليبعث لنا من مضى من آبائنا, وليكن فيما يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنَّه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول: أحقٌّ هو أم باطل؟ فإن فعلت ما سألناك وصدَّقوك, صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله, وأنَّه بعثك رسولاً كما تقول، فقال لهم رسول الله (ص): ما بهذا بعثت, إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلَّغتكم ما أُرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم)
إنَّها لم تكن مجرد طلبات, وإنما هي حرب نفسية عنيفة؛ لمواجهة حركة الرسالة، وقطع علائقها بنفوس الناس، إلا أنَّها بتسديد الله وتأييده, وصبر الرسول والمؤمنين, وحكمته في الإعداد، والتربية، والمواصلة الإيجابية في الدعوة إلى الله باءت كل تلك المحاولات بالفشل والخسران.
كما كان القرآن الكريم يعمق الوعي في نفوس المؤمنين؛ ليواجهوا كل خبر، وكل حادث بيقظة، وفطنة، وترقب، وحكمة، وتثبت في الأقوال، والأفعال، والتوثق من أي شائعة أو خبر قبل ترتيب أي أثر عليها، وإرجاع ذلك كله إلى الله ورسوله, يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءَكُم فَاسِقُ بِنَبَأِ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَومَاً بِجَهَالَةٍ فَتَصبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلتُم نَادِمِين))
وهكذا يربي الإسلام الأمة على الصبر الطويل, والجهد البصير يقويهم ويثبتهم، ويفتح بصائرهم على الأحداث؛ لتكون مواجهة كل حدث عملاً تربوياً يصقل شخصياتهم، ويهذب طبائعهم, ويرقق مشاعرهم، ويجعلهم على بينة من أمرهم في كل خطوة يخطونها، وفي كل خبر يتلقونه.
وتتوالى آيات الرحمن تتنزل على رسول الله (ص) لتزيد من صبر المؤمنين وتربطهم بخط الرسالة الصاعد إلى آدم أبي البشر، وتوعيهم أنباء الرسل؛ لتوقفهم على سنة الله في الخلق، وأن الصراع بين الهدى والضلال, وبين الحق والباطل سنة طبيعية لا مفر منها أبداً جارية إلى يوم القيامة كما جرت في حياة الرسل (ع).
((فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَستَعجِل لَّهُم))
((اصبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأذكُر عَبدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ))
((فَاصبِر إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقُّ وَلا يَستَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون))
ثم إنَّ التكذيب الذي تعرض له رسول الله (ص) لم يكن جديداً في مسيرة الأنبياء، وإنما هي سنة جارية فلماذا يضيق المؤمنون ذرعاً بذلك، يقول تعالى: ((وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَد كَذَّبَت قَبلَهُم قَومُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَومُ إِبِرَاهِيمَ وَقَومُ لُوطٍ وَأََصحَابُ مَديَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَملَيتُ لِلكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذتُهُم فَكَيفَ كَانَ نَكِير))
((فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير))
((وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ))
فالصراع الذي يتعرض له المؤمنون إذن سنة إلهية جارية لا تتوقف أبداً، ووعي هذه الحقيقة يجعل المؤمن مطمئن البال، فهو ليس وحده الذي عانى أو يعاني، وإنما هو حلقة من الرتل الرسالي الصاعد إلى يوم القيامة.
وقد واجه رسول الله (ص) تلك الحملات الغاشمة بقوة لا تقهر, وطاقة لا تقاوم, ولا تصمد أمامها أية قوة أخرى مهما كانت، تلك القوة هي الارتباط بالله بصدق، وإخلاص، وتجرد، وتوكل عليه، ومواصلة ذكره، واستمداد العون منه، هذه الحقائق كان القرآن الكريم يربي الجماعة المسلمة عليها؛ لتواجه الأحداث، والإشاعات المغرضة، والدعايات الظالمة, باللجوء الخالص إلى الله أولاً وأخيراً، يقول تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))
((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ))
((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ))
ولكي يزيد المؤمنين إيماناً, ويصعد طاقاتهم, ويرفع معنوياتهم في تحمل ما يعانون من كيد الكافرين أكَّد لهم, بأنَّ فوق كيدهم كيداً، وفوق مكرهم مكراً, وتدبير الله الذي لا يفلت منه كائد مهما أوتي من قوة, فمهما فكروا، وخططوا، ودبروا, فإنَّ الله يرصد مكرهم، ويحبطه ويدبر للمؤمنين، ويدير المعركة بيده الخفية، يقول تعالى:
((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))
((إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا))
((وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا))
((وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ))
وهكذا يأتي التأكيد الإلهي القاطع، بأنَّ يده تعالى مع المؤمنين يعينهم ويسدد خطاهم، ويخذل الكافرين، ويبطل أعمالهم، فكلما دبروا من خطط خبيثة لعرقلة سير الحركة الإلهية فإنَّ الله لهم بالمرصاد هذه الحقيقة (التدبير الإلهي) عندما يعيها المؤمنون، ويوقنون بها تتحول إلى قوة دافعة، وطاقة جبارة تتذلل أمامها كل الصعاب، وترتفع روح المقاومة، والثبات عند المؤمنين، فيواصلون الكدح في سبيل الله موكلين الأمر إليه، صابرين على تحمل أعباء المسير قائلين: ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))
وكما أنَّ الله يدبر للمؤمنين أمورهم فهو معهم يمدهم بالعون، والتسديد، والتوجيه، وإنَّ كل ما يلاقونه، ويعانون منه من إعراض، وبهتان، ودعايات، وإشاعات، وما يبذلونه من طاقات وجهود في مواجهتها والصبر عليها فإنَّها بعين الله، يعلم بها, ويسجلها لهم في سجل أعمالهم، ويدخرها لهم في ((يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ))
((وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ))
إنَّ الشعور بالمعية الإلهية هو السلاح الذي حمله الرسل على طول مسيرة التأريخ بل هو السلاح الوحيد الذي اعتمدوا عليه دون سواه، فرسول الله (ص) حين تجمع قوى الكفر على قتله يقول لصاحبه وهو في أحرج ساعة من ساعات الزمان: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) وموسى الكليم حين يطارده جيش فرعون ليلقي به في لجة البحر أو يستأصل شأفتهم فلا مفر لهم من ذلك، حيث البحر أمامهم والعدو خلفهم, وتُدرك أصحابه حالة الضعف البشري، فيقولون لموسى: ((إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)) ولكنَّ موسى المؤمن بالمعية الإلهية يرد عليهم بكل ثقة وبأسلوب النفي القاطع: ((كَلاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ))، وتحدث المعجزة، وينفرج الكرب بذلك اليقين الذي لا يشوبه شك، والشواهد على ذلك كثيرة ولا داعي للمزيد .
وبعد هذا العرض السريع لشواهد المقاومة القرآنية نعود إلى المسيرة العملية؛ لننظر كيف حَوَّلَ رسول الله (ص) المفاهيم النظرية إلى حقائق علمية؟ وكيف جعل العقيدة الإلهية كائناً متحركاً، تملك الإنسان، وتحركه حيثما تريد؟
من خلال استقراء السيرة العملية للرسول الأعظم (ص) نجد أنَّه حَوَّلَ المفاهيم إلى سلوك، والعقائد إلى قوة مقاومة تجسدت في الدعاة إلى الله، وبهذا استطاع أن يواجه الإعلام المضلل بالخطوات التالية:
1- رَكَّزَ على بناء النواة الأولى من المؤمنين فكرياً، وعقائدياً، وأخلاقياً، وبنى شخصيات لا تهزها العواصف، ولا تؤثر فيها الدعايات، ففي كل لقاء ينور نفوسهم بأنوار السماء بشكل متواصل مما جعلهم يتفانون في الدفاع عن رسالته المقدسة، ويقفون موقفاً صلباً إزاء أقرب المقربين إليهم من عشائرهم وعوائلهم بل من آبائهم وأمهاتهم، يزودهم بالطاقة الروحية، والفكرية، ويجردهم عن كل العلائق المادية، ويمد أبصارهم، ويصقل بصائرهم؛ لتتعلق بالله وحده فقط.
يقول الخباب: (أتيت النبي (ص) وهو متوسد ببردة، وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمرٌّ وجهه، فقال: قد كان من كان قبلكم ليُمْشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصَب, ما يَصْرفه ذلك عن دينه, ويوضع المنشار على مَفْرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه, ولَيُتمنَّ الله هذا الأمرَ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله عز وجلّ والذئب على غنمه)
هكذا كان يربي أصحابه على الثقة بالله, والاطمئنان لوعده, والتسليم لأمره, واليقين بنصره... ومن كان كذلك فكيف تؤثر فيه مقالة مغرض, أو دعاية حاقد .
2- كان (ص) يرد على تحديات المضللين بالدليل العقلي والبرهان المنطقي لكل فرية تطلق، وكان يحاجج قريش، ويظهر عي وعجز كبرائهم أمام الملأ, وبذلك ازداد هيبةً، وعمقاً، ونفوذاً، وإكباراً في النفوس، يقول ابن إسحاق:
(وجلس رسول الله (ص) يوماً - فيما بلغني- مع الوليد بن المُغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم في المجلس, وفي المجلس غيرُ واحدٍ من رجال قريش, فتكلَّم رسول الله (ص)، فعرض له النضر بن الحارث, فكلَّمه رسول الله (ص) حتى أفحمه, ثم تلا عليه وعليهم: ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ))
ثم قام رسول الله (ص) وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس, فقال الوليد بن المغير لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً وما قعد, وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حَصَب جهنم؛ فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخَصَمْته, فسلوا محمداً: أكلُّ ما يُعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة, واليهود تعبد عُزيراً، والنصارى تعبد عيسى بن مريم (ع)، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى, ورأوا أنَّه قد اُحتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله (ص) من قول ابن الزبعرى, فقال رسول الله (ص): [إنَّ] كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنَّهم إنما يعبدون الشياطين, ومن أمرتهم بعبادته، فأنزل الله عليه في ذلك: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ)) )
وأينما حلَّ رسول الله (ص) يتعرض له سادة قريش علَّهم يجدون مثلبةً يرمونه بها، ويفحمونه؛ ليتخذوه ذريعة للتشنيع, ولكنَّ الله تعالى يسدده، ويؤيده، وينزل الآيات؛ لتفضح الأكاذيب، وترد الافتراءات، ومن أمثال ذلك:
بينما رسول الله (ص) يدعو ويواصل تحركه وإذا أبي بن خلف يمشي إليه وبيده عظم بالٍ قد ارفتَّ، فقال: (يا محمد, أنت تزعم أنَّ الله يبعث هذا بعد أن أرم) ثم فتَّه في يده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): (نعم, أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا, ثم يدخلك الله النار) فأنزل الله تعالى فيه: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون))
3- رفض كل عروض قريش ومداهناتها ومساوماتها على دينه، ولو في أصغر شيء, بل وقف موقفاً حدياً من هؤلاء الطغاة في كل ما حاولوا معه من التنازل عن دينه. وهكذا في كل زمان يساوم الطغاةُ الدعاةَ، ولكنَّ رسالة الله لا تقبل المساومة أبداً أبدا ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ))
فقد عرضوا عليه أن يتنازل عن دينه ولو إلى فترة مقابل تنازلهم، وأن يعبد معهم آلهتهم لفترة مقابل أن يعبدوا الله معه لفترة أيضاً، وهي خطة حمقى لا تفهم روح العقيدة الإلهية، وأنَّها لا تقبل التراجع لا في قليل ولا في كثير، ومن هذه المساومات ما عرضه بعض زعماء مكة عليه (ص) وهو يطوف في الكعبة، اعترضه الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى, والوليد بن المغيرة، وأمية بن خَلَف، والعاص بن وائل السهمي, وكانوا ذوي أسنان في قومهم, فقالوا: (يا محمد, هلم فلنعبد ما تعبد, وتعبد ما نعبد, فنشترك نحن وأنت في الأمر, فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد, كنا قد أخذنا بحظنا منه, وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد, كنت قد أخذت بحظك منه) فأنزل الله تعالى فيهم: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ))
4- إرسال الدعاة إلى أنحاء الجزيرة العربية؛ ليبلغوا رسالة الله في الناس، وينشروا تعاليم السماء في كل مكان، وفعلاً قد نجحت تلك الخطة نجاحاً باهراً، فدخلت في الإسلام أفواجٌ كثيرةٌ، وهكذا تحول إلى تيار جارف في كل مكان، وارتفعت كلمة التوحيد حيثما حل الدعاة إلى الله تعالى، فقد أرسل مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة المنورة، وواصل تعليم الثلة الإسلامية القليلة في الوقت الذي واصل دعوة الناس إلى الإسلام حتى أدخل كلمة التوحيد في كل بيت من بيوتها.
وأرسل أبا ذر الغفاري إلى قبيلة بني غفار؛ ليبلغ عنه، ويهدي الناس إلى الإسلام، قال (ص) لأبي ذر بعد أن أسلم: (فهل أنت مبلغ عني قومك, لعلَّ الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟) ورجع أبو ذر إلى قومه، ودعاهم إلى الله، فأسلم على يده رجال ونساء كثيرون، وهيأ الأجواء لقدوم رسول الله (ص) حتى وصلهم فيقول لهم: (غفّار غفر الله لها)
5- وكان (ص) يعرض نفسه على قبائل العرب القادمة لحج بيت الله تعالى، يدعوهم إلى الإسلام, ويرد على افتراءات قريش، وهم يتابعونه, ويحثون التراب عليه، ويوهنون به فلا يزيده ذلك إلا إصراراً ومضياً على تبليغ رسالته، يقول ابن إسحاق: (فكان رسول الله (ص) يعرض نفسه في المواسم, إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله عز وجلّ، ويخبرهم أنَّه نبيٌّ مرسل, ويسألهم أن يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبيِّن عن الله ما بعثه به)
وروى البيهقي عن محمد بن عبد الله الأنصاري, عن محمد بن عمرو, عن محمد بن المُنْكَدر, عن ربيعة الدِّيلي: (رأيت رسول الله (ص) بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله, ووراءه رجل أحول تَقِد وجنتاه، وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرَّنَّكم هذا عن دينكم ودين آبائكم، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو لهب)
وهكذا استطاع (ص) أن يقاوم الإعلام القرشي بمواصلة الدعوة والالتقاء بالناس، وبيان حقيقة الدعوة الإلهية إلى أن كبت الله قريشاً، ونصره، وأظهر دينه.
وأساليب المقاومة التي اتبعها رسول الله (ص) كثيرة لا نستطيع أن نستقصيها في هذه السطور، فنكتفي بذلك.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com