موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-20
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-20  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 16 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  العقبة الأولى:
ما أن انتشر ذكر رسول الله في يثرب، ودخل كل بيت حتى أصبح له صيت، وسمعة طيبة، فأصبحت القلوب تتطلع للقائه في موسم الحج، حيث لا سبيل إلى ذلك، للمحاصرة والمراقبة لرسول الله (ص) المفروضة من قبل قريش، وفي موسم الحج في السنة الثانية عشر من البعثة النبوية المباركة وفد اثنا عشر رجلاً من الأنصار، عشرة من الخزرج، واثنان من الأوس، والتقوا النبي (ص) عند العقبة الكبرى، يقول عبد الله بن الصامت: (كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله (ص) على بيعة النساء، وذلك قبل أن تُفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجلّ: إن شاء عذب، وان شاء غفر)
وإذا تأملنا في هذا النص نعرف أنَّ رسول الله (ص) تدرج مع القوم في طرح الدعوة إليهم، فلم يُحَمِلَهم أثقالاً كبيرة من قبيل الحرب، والجهاد، والهجرة، وإنما أخذ يركز في نفوسهم دعائم العقيدة الإلهية: الإيمان بالله ورسوله، والالتزام الأخلاقي، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، فلا سرقة، ولا زنى، ولا قتل للأولاد، ولا معصية لله، ولم يعدهم بوعود دنيوية معسولة كالنصر على أعدائهم، ونيل الحكم والسلطان، والحصول على الأموال إنما قال لهم: (فإن وفيتم فلكم الجنة) ، وهذا الأسلوب أهم عناصر في الثبات والاستقامة على نهج التوحيد.
وهكذا غرس بذور الإيمان في نفوسهم؛ ليبعثهم إلى وطنهم؛ ليوطئوا له أرضيتها، وفعلاً كان لهذه الستة دور فاعل في انتشار الدعوة في المدينة، ثم لم يتركهم يذهبوا بأنفسهم بدون أن يرسل معهم أحد أصحابه؛ ليقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، يقول ابن إسحاق: (فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله (ص) معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة: مصعب، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عُدَس، أبي أمامة)
وكان لمصعب دور عظيم في انتشار الدعوة في المدينة حيث قضى فيها فترة من الزمن يواصل دعوته، وتعليمه للمسلمين، وقد وفقه الله تعالى توفيقاً كبيراً في انتشار الدعوة، وتعليم المسلمين، وتفقيههم بالدين، فكانوا بحق النواة الأولى لحركة الإسلام العالمية، يقول ابن إسحاق: (إنَّ أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر. فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أَسْلم، وسعد بن معاذ، وأُسيد بن حضير، يومئذٍ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارَيْنا؛ ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارَيْنا، فإنَّه لولا أنَّ أسعد بن زرارة مني حيث [ما] قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي, ولا أجد عليه مقدماً... فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة, قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلسْ أكلمْه... فوقف عليهما متشتماً، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كُف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته, وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا، فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا [الكلام] وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر, وتطهر ثوبيك, ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام، فاغتسل، وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إنَّ ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته, وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً, قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي, قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدثت أنَّ بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة, ليقتلوه، وذلك أنَّهم [قد] عرفوا أنَّه ابن خالتك، ليخفروك... فقام سعد مغضباً مبادراً، تخوفاً للذي ذكر [له] من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أنَّ أسيداً إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتماً، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامه، [أما والله] لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارَينا بما نكره؟ - وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب، جاءك والله سيد مَنْ وراءه مِنْ قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان - فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً، ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة، وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا الله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم, ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين... فقام، فاغتسل، وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامداً إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير... فلما رآه قومه مقبلاً قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدُنا، [وأوصلُنا]، وأفضلُنا رأياً، وأيمنُنا نقيبةً، قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله)
ونستفيد من دعوة سعد بن زرارة، وموقف الشخصيتين اللذين جاءا ليطردا مصعب، ولقائه الرسالي بهما، ومواجهتهما بتلك الروح الإسلامية العالية (إنَّ الدعوة إلى الله ليست مختصة بالأنبياء والأوصياء، بل هي شاملة لكل مكلف بحسب ما يملك من طاقات وقدرات، وهي من الأمور التي يلزم بها العقل الفطري السليم، ويوجبها على كل إنسان، ولا تحتاج إلى جعل شرعي؟ فإنَّ العقل يدرك أنَّ في ارتكاب المنكرات، وترك الواجبات، والانحراف في الفكر، والعقيدة، والسلوك ضرراً جسيماً على المجتمعات، وعلى الأجيال؛ ولذلك فهو يحكم بلزوم الدعوة إلى الالتزام بالخط الفكري الصحيح، وترك المنكر، وفعل المعروف.
وهذا هو - بالذات - ما يفسر لنا اندفاع سعد بن معاذ في الدعوة إلى الله تعالى، حتى أنَّه على استعداد لقطع كل علاقة مع قومه إذا كانوا ضالين منحرفين, وإنَّ عظمة هذا الموقف لتتضح أكثر إذا عرفنا مدى ارتباط سعادة ومصير الإنسان العربي في تلك الفترة بقبيلته، ومدى ارتباطه بها، فهو حين يضحي بعلاقاته القبلية، فإنَّه يكون قد ضحى بأمر عظيم, وأساسي في حياته، وفي مصيره، ومستقبله، في سبيل دينه. وقد جاء القرآن مؤيدا لحكم العقل والفطرة هذا ؟ ففرض على كل من كان له بصيرة في أمر الدين أن يدعو إلى الله، قال تعالى: ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)) )
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com