موقع الصراط ... الموضوع : منهجان في السياسة-2
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  منهجان في السياسة-2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 17 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  فإذن النمط الأول: له أهداف مقدسة, وسبل مشروعة تخدم الإنسانية بإقامة العدل, ومحاربة الظلم, وكان أئمة أهل البيت (ع) يؤكدون هذه الحقيقة في أحاديثهم وأدعيتهم يقول أمير المؤمنين (ع): (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ, وَلا الْتِمَاسُ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الحُطَامِ, وَلكِن لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ, وَنُظْهِرَ الإِصْلاحَ فِي بِلادِكَ, فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِن عِبادِكَ، وَتُقَامَ المُعَطَّلَةُ مِن حُدُودِكَ)
وأما النمط الثاني: فيختلف من حيث الجوهر والمضمون فأهدافه تسلطية وأساليبه شيطانية, ودوافعه أنانية لا تستند إلى عقل, ولا منطق, ولا إنسانية, ويعد الغدر والكذب والاحتيال دهاءاً سياسياً كما قال أمير المؤمنين (ع) في وصف معاوية:
(وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي, وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. وَلَولا كَرَاهيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ, وَلكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ, وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وفي معركة الطف برزت هاتان الأخلاقيتان بشكل صريح وواضح: أخلاقية طلاب السلطة والاستعلاء والفساد على حقيقتها واضحة لكل ذي عينين. كما برزت أخلاقية حملة رسالة الله واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار...
وخير أمثلة ذلك موقف مسلم بن عقيل رسول الحسين (ع) إلى أهل الكوفة, فما أن وصلها حتى توافد الناس عليه يبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله, ونصرة الحق والعدل, وقد بايعه على أقل الروايات اثنا عشر ألفاً, وكان بإمكانه أن يَنْقَضَ على الوالي الأموي آنذاك النعمان بن بشير, ويستلم السلطة إلا أنَّ أخلاقية آل محمد لم تكن لتبادئ في حرب.
وأثار وجود مسلم في الكوفة شيعة يزيد فكتبوا إليه: (إن كانت لك حاجة في الكوفة, فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك, ويعمل مثل عملك, فإنَّ النعمان بن بشير إما ضعيف, أو متضعف)
وما أن وصل الكتاب إلى يزيد حتى استدعى مستشاره سرجون المسيحي, وعرض عليه الأمر, فقال له: (أكنت قابلاً من معاوية لو كان حياً؟
قال: نعم.
فقال : فأقبل مني, فإنه ليس للكوفة إلا عُبيد اللهِ بن زيادٍ فوَلِّهِ...)
فكتب يزيد برضاه عن عبيد الله, وضم إليه ولاية الكوفة إضافة إلى ولاية البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل, فيقتله. وهنا برزت أخلاقية طلاب السلطة, وراح يحوك المؤامرات الغادرة بمنتهى الخبث والغدر فدخل الكوفة متلثماً متشبها بالحسين فلا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا:
(وعليك السلام يا بن بنت رسول الله, وهم يظنون أنَّه الحسين بن علي حتى نزل القصر واجماً كئيباً لما رأى، ثم جمع الناس فخطبهم, وأعلمهم نية يزيد في الإحسان إلى سامعهم ومطيعهم, والشدة على مريبهم وعاصيهم, ووعد, وأوعد, وختم الخطبة بأن قال:
ليُبقِ امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ لا الوعيد.
ثم أخذ العرفاء أخذاً شديداً, ودعا الناس, فقال:
اكتبوا إليَّ العرفاء, ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين, وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق, فمن كتبهم لنا فهو بريء, ومن لم يكتب لنا أحداً فليضمن لنا ما في عرافته: أن لا يخالفنا منهم مخالف, ولا يبغي علينا فيها باغٍ, فمن لم يفعل ذلك، فبرئت منه الذمة, وحلال علينا دمه وماله, وأيما عريف وجد في عرافته من بُغيةِ أمير المؤمنين أحد لم يرفعْه إلينا، صلب على باب داره, وألغيت تلك العرافة من العطاء)
بهذا الأسلوب استطاع ابن زياد أن يبث الرعب في نفوس بعض الناس, ويثير غريزة الطمع في نفوس آخرين؛ وهنا أدخل الوهن, والشك, والريب في صفوف الثوار الذين بايعوا مسلم بن عقيل رضي الله عنه .
ثم أخذ يبحث عن مسلم فبعث أحد عبيده, وقال له: (إذهبْ، حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع أهل الكوفة، فأعمله: أنَّك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر, وهذا مال تدفعه إليه، ليتقوَّى به)
واستطاع هذا العبد المدرب على المكر والخداع والتصنع أن يتوصل إلى مسلم بن عقيل، وينقل إلى ابن زياد الأخبار والوقائع يوماً بيوم وهكذا نجحت المكيدة بالتجسس والإشاعات الكاذبة حتى تفرق أنصار مسلم, وانتهى إلى تلك النهاية الفظيعة، هذا هو أسلوب المدرسة الأموية ...
وأما المدرسة العلوية التي يمثلها مسلم بن عقيل في الكوفة فقد سنحت له الفرصة للفتك بهذا الباغي الفاجر... فقد مرض شريك بن الأعور وعاده ابن زياد، ورغم أنَّ مسلماً كمن في دار هاني بن عروة فقد امتنع عن قتله, ولما سئل عن سبب امتناعه أجاب خصلتان: (أما إحداهما فكراهة هاني أن يقتل في داره), وأما الأخرى: فحديث سمعته من علي عن النبي (ص) أنه قال: (إنَّ الإيمان قَيَّدَ الفتك، فلا يفتك مؤمن)
هذه هي أخلاقية مدرسة العقيدة تترفع عن الغدر والفتك ولو بعدوها ... واعتقد - إن صحت الرواية - إنَّ هذا العامل هو العامل الأساسي الذي منع مسلم من قتل ابن زياد, وعامل آخر وهو علم مسلم أنَّه مكلف بأخذ البيعة وتهيئة الأمور دون التعدي عن هذا التكليف, وإنَّ القضية لا تنتهي بنهاية ابن زياد, وإنما القضية أكبر من ذلك بكثير وهي قضية إحداث هزة عنيفة في الأمة؛ لتوقظها من السبات العميق الذي غطت فيه بعمق .
هذا من جانب ومن جانب آخر إنَّ مدرسة أهل البيت (ع) تحاول دائماً أن تربي الناس على الأساليب الشريفة, وتترفع عن كل أسلوب وضيع فيه مسحة غدر أو مكر أو تدبير غير شريف فلو أراد مسلم أن يقتل ابن زياد لكان ذلك يخالف هذا المنهج الذي تربى عليه ويكون بذلك مشابهاً للأساليب الأموية, ولهذا أبى أن يخالف منهجه الإلهي حتى لو كان في تصور البعض نصراً للقضية.
وقد أجاد الأستاذ العقاد في تصويره لهذا لخبر اغتيال بن زياد حيث قال: (وكان في وسعه [مسلم] أن يبطش به ويستوي على كرسيه, ويحرم يزيد بن معاوية نصيراً من أعنف أنصاره...
وقد فاته هذا؛ لأنَّ شريعة الخلافة لا تبيحه في رأيه، أو لأنَّه اعتقد أنَّ الحق بيِّن وأنَّ الباطل بيِّن... فلا حاجة به بعد التمييز بينهما إلى فتكة الغدر كما سماها، ولا محل عنده لإهدار الدماء وهو ينعى على الدولة القائمة أنها تهدر الدماء بالشبهات)
وأسلوب آخر اتبعه ابن زياد عندما أعلنت ساعة الصفر من قبل مسلم تحت شعار (يا منصور أمت)، وتحركت ألوية الثوار تجاه القصر وهو أسلوب بث الإشاعات حيث دس أتباعه وسط الجيش وهم ينادون: (أيها الناس الحقوا بأهاليكم, ولا تعجلوا الشر, ولا تعرضوا أنفسكم للقتل, فإنَّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى اللهَ الأميرُ عهداً : لئن أتممتم على حربه, ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء, ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع, وان يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب, حتى لا يبقى له فيكم بقية من آهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها؛ وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون وأخذوا ينصرفون)
وانتشرت الإشاعة انتشار النار في الهشيم, وراح الرعب يدب في قلوب الآباء والأمهات, فراحوا يحثون أبناءهم على الانسحاب من ميدان المعركة, يقول أبو مخنف: (فحدثني المجالد بن سعيد, إنَّ المرأة كانت تأتي ابنَها أو أخاها, فتقول: انصرف, الناس يكفونك, ويجيء الرجل إلى ابنه, أو أخيه, فيقول غداً يأتيك أهل الشأم، فما تصنع بالحرب والشر ! انصرف. فيذهب به؛ فما زالوا يتفرقون ويتصدّعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفساً في المسجد حتى صُلِّيَتِ المغرب، فما صلى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفساً، فلما رأى أنَّه قد أمسى, وليس معه إلا أولئك النفر حتى خرج متوجهاً نحو أبواب كندة, وبلغ الأبواب, ومعه منهم عشرة, ثم خرج من الباب, وإذا ليس معه إنسان, والتفت فإذا هو لا يحس أحداً يدله على الطريق...)
ونجحت حرب الإشاعات في تفريق الناس عنه, وهكذا يكون هذا السلاح اخطر من القنابل المحرقة المدوية, وبهذه الصورة المفجعة انتهت حركة مسلم، ووقعت الفاجعة.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com