موقع الصراط ... الموضوع : العبودية-4
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبودية-4  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  نتائج العبودية الحقة عند المؤمن:
إذا تحققت العبودية لله تعالى في شخصية الإنسان المؤمن فسيجد لها آثاراً بالغة الأهمية في حياته النفسية، والعقلية، والبدنية نذكر منها :
1 - يجد في نفسه الطمأنينة والرضا والاستئناس بذكر الله تعالى في كل الأحوال السلبية، والإيجابية، في الشدة، والرخاء، وفي السرّاء والضرّاء، يقول العلامة الطباطبائي: (إن العبودية إذا تمكّنت من نفس العبد، ورأى ما يقع عليه بصره، وتبلغه بصيرته مملوكاً لله خاضعاً لأمره، فإنه يرضى عن الله تعالى فإنه يجد أن كل ما آتاه الله فإنما آتاه من فضله من غير أن يتحتّم عليه فهو جود ونعمة وإن ما منعه فإنما منعه عن حكمة) وأدق وصف لذلك ما قاله أمير المؤمنين (ع): (نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء)
2 - يصبح حراً من جميع القيود الداخلية كالحرص، والطمع، والحسد والجشع، والرياء، والنفاق، وجميع الأهواء النفسية التي تهبط به إلى مستوى الحيوان. كما أنه لا يخضع للضغوط الخارجية. فلا يساوم , ولا يخادع، ولا يتزلف للظالمين مهما كلفه ذلك من تضحيات؛ لأنه لا يرى مؤثراً في الوجود إلا مولاه الحق.
3 - يحس ويشعر في أعماق نفسه بأنه لا يملك من أمره شيئاً، وإنما هو رهن إرادة الله تعالى وقدره خاضعاً لحكمه، ممتثلا لأمره وبذلك يكون مصداقا لقوله تعالى: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إَِّلا مَا شَاءَ اللَّهُ)) (الأعراف:188)
4 - إن قيمة الأعمال عنده تستمد من بواعثها لا من منافعها ونتائجها؛ لأن العبد مسؤول عن الامتثال، وغير مسؤول عن النتائج .
5 - ومن النتائج المهمة لتحقق العبودية، أن العبد لله تعالى لا يستطيع أن يصانع أو يضارع الظالمين؛ لأن عبوديته لله تمنحه قوة وصلابة تجعله يتمتع بالاستقلال الفكري، فلا يمكن أن يخضع لما يخالف أمر الله تعالى، يقول أمير المؤمنين (ع) في بيان صفات العامل لإقامة هذا الدين: (لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع)
6 - الزهد في الدنيا، وزخارفها، ومتاعها حتى تصبح لديه مزرعة لآخرته همّه فيما يرضي الله تعالى فقط؛ لا تستهويه سمعة، ولا يطغيه مال، ولا سلطان ولا تكبر عليه مصيبة، أو عقبة في طريق الله فهو صبّار محتسب على كل حال.
7 - وأخصر عبارة وأروعها في سمات عبيد الله تعالى ما رسمه أمير المؤمنين (ع) في لوحةٍ متجسدةٍ ناطقةٍ ماثلةٍ أمام عين الناظر في وصف المتقين من عباد الله تعالى، يقول (ع): (فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوةً في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم , وعلماً في حلم، وقصداً في غنى وخشوعاً في عبادة، وتجمّلاً في فاقة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال, ونشاطاً في هدى، وتحرّجاً عن طمع)
وهذه العبارة المباركة قد جمعت كل نتائج تحقق العبودية وماذا يقول القائل بعد قول سيد عباد الله بعد نبيه.
لماذا يستعبد الله تعالى خلقه ؟
للجواب على هذا السؤال لا بد أن نعرف أولاً: ما العلة من خلق الإنسان ؟
إن الله تعالى إنما خلق الإنسان؛ ليكون خليفته في الأرض، والخلافة تحتاج إلى سير تكاملي يبني الإنسان شخصيته بها بصورة تدريجية؛ لتصبح قادرة على حمل أعباء الخلافة عن الله تعالى. ولما كان الإنسان ذات نوازع داخلية، وشهوات وميول، وأهواء، فلابد من وضع عواصم تعصمه عن الوقوع في الزلل، فشرَّع الله العبادات؛ ليبني الإنسان بها شخصيته بناءً إلهياً، إذن فالغرض من العبادة تكميل العبد لا منفعة المعبود، ولعل هذا المعنى ما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) بقوله: (إن الله خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً معصيتهم؛ لأنه لا تضرّه معصيةَ من عصاه , ولا تنفعه طاعةَ من أطاعه)
وأما ألطف ما وصل إليه العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسير قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) (الذاريات:56) يقول قدس سره: (قوله تعالى: ((إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) استثناء من النفي لا ريب في ظهوره أن للخلقة غرضاً، وأن الغرض العبادة بمعنى كونهم عابدين لله لا كونه معبوداً فقد قال: ليعبدون ، ولم يقل لأُعبَّد أو لأكون معبوداً لهم .
على أن الغرض كيفما كان أمر يستكمل به صاحب الغرض ويرتفع به حاجته، والله سبحانه لا نقص فيه , ولا حاجة له حتى يستكمل به , ويرفع به حاجته، ومن جهة أخرى الفعل الذي لا ينتهي إلى غرض لفاعله لغو سفهي ويُستنتج منه أن له سبحانه في فعله غرضاً هو ذاته لا غرض خارج منه، وإن لفعله غرضاً يعود إلى نفس الفعل وهو كمال للفعل لا لفاعله، فالعبادة غرض لخلقة الإنسان، وكمال عائد إليه هي وما يتبعها من الآثار كالرحمة والمغفرة وغير ذلك)
والنتيجة أن الله تبارك وتعالى إنما يستعبد العباد؛ لكي تتكامل شخصياتهم فتسموا على حضيض الحيوانية، وتصبح مهيأة لحمل رسالة الله تعالى، ومستعدة لقبول الرحمة والفيض الإلهي وبذلك يكونون خلفاء لله في أرضه.
وهذا النوع من الاستعباد تحرير للإنسان من جميع الضواغط الداخلية والخارجية، وتهيئة للإنسان؛ لينطلق في رحاب الله , ويسكن بالتالي جنة الخلد في دار رحمة الله .
وختام القول أن العبودية مرتبة سامية يحققها الله في عباده الصالحين وخير دليل على علوِّ رتبتها ما في الشهادة الثانية (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقدمت العبودية على الرسالة، يقول الإمام الحسين (ع): (أحبونا بحب الإسلام فإن رسول الله (ص) قال: لا ترفعوني فوق قدري فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com