موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-1
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم: الدكتور داود فيرحي
تكوّن الفكر السياسي للنراقي:

يعتبر النراقي أوّل فقيه يتعرّض للبحث في ولاية الفقهاء، كما يعتبر كتابه ((عوائد الأيام)) أوّل كتاب فقهي يتعرّض بالبحث لهذه المسألة بشكل مستقل ومنهجي.
وقد خصّص العائدة الـ(54) من كتابه لبحث هذه المسألة. ويواجهنا ــ قبل التطرّق لنظريته في ولاية الفقيه ــ سؤالان ضروريان:
السؤال الأول: عن دوافع النراقي في بحثه لهذه المسألة؟
والسؤال الثاني: كيف توصّل النراقي إلى نظريته في إثبات الولاية للفقيه؟
والإجابة على السؤال الأول تبدو واضحة، فقد أشرنا في بدايات البحث إلى أن النراقي كان يعيش ــ من جهة تأريخية ــ أزمة سياسية دينية ضاغطة، ونضيف الآن بأن الظروف الاجتماعية الخاصّة تفرز أفكاراً ورؤىً خاصة أيضاً.
وبالرغم من تعرّض الفقهاء السابقين لمسألة ولاية الفقيه ــ حتى أنّ النراقي ادّعى الإجماع على ذلك ــ إلاّ أنّ المسألة لم تكن لتجد مجالاً أو ضرورةً لطرحها، باستثناء فترة الحكم الصفوي، حيث تمتّع الفقهاء آنذاك بصلاحياتهم التقليدية في الحكم، بينما مثّلت البرهة التي عاشها النراقي أزمة التنظير لشرعيّة الحكم السياسي.
ولا نقصد بالعلاقة بين الفكر والبرهة التأريخية الرضوخ للحتمية التأريخية والوقوع في فخّ أصالة التأريخ، فالقبول بالعامل التأريخي لا يعني القبول بالحتمية التاريخية بالضرورة، بل يعني النظر من زاوية فكرية تميّز بين المراحل والفترات الزمانية المختلفة.
وفي الحقيقة فإنّا قد أعرضنا عن منهجين فلسفيين:
المنهج الأول: المنهج التأريخي، الذي يعتبر الفكر أمراً عرضياً وإفرازاً للوقائع التأريخية، ويرفض هذا المنهج استقلالية الفكر عن الوقائع والأحداث المحيطة به.
المنهج الثاني: المنهج غير التأريخي، أي المنهج الرافض للعامل التأريخي وسيطرته علىالفكر، فالفكر حسب هذا المنهج ظاهرة مستقلة عن العامل التأريخي، بل إنّه ينكر تأثّره بالوقائع والحوادث التي تتزامن مع الحقبة التي يعيشها المفكر. ومن الواضح التمايز الموجود بين هذين المنهجين في قيمة العلم وشأنه.
وفي الوقت الذي لا يجوز فيه الحطّ من قيمة العلم إلى الحدّ الذي نعتبره أمراً عرضياً غير قائم بنفسه، لا ننكر تأثير العامل التأريخي على الفكر، فكل مفكّر يضطرّ بالضرورة إلى التفكير في الحقبة التي يعاصرها وجميع لوازمها وما يرتبط بها. وفي الوقت عينه يمكن أن يكون ارتباطه سلبياً أو إيجابياً بالمرحلة التأريخية التي يعاصرها؛ وذلك لأنّ الفكر أمر يتّصف بالأصالة، ولذا لا يمكن ــ من الناحية المنطقية ــ أن يكون العامل التأريخي مبيّناً له؛ وعلى ذلك فإنّ دراسة تأريخ الفكر السياسي لمّا كانت تعنى بتحليل البحوث السياسية ــ من دون الاقتصار على توصيف الأثر التأريخي للفكر فقط ــ تأخذ بنظر الاعتبار نسبة الفكر إلى المرحلة التأريخية التي يعاصرها.
كيف أنتج النراقي نظرية سلطة الفقيه:
أمّا السؤال عن كيفية توصّل النراقي إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة، فإنّ ثمة صعوبات قد تواجه الباحث في تحديد الجواب على ذلك، ومع هذا يمكن الإجابة بعدّة أجوبة أولية:
1 ــ سلطة الفقيه نتاج الشخصية العلمية للنراقي:
الجواب الأول: ويرتكز هذا الجواب علىالجانب العلمي في شخصية النراقي، وذلك باعتباره فقيهاً توصّل من خلال البحث العلمي إلى استنتاج مثل هذا الرأي.
ويرى أصحاب هذا الرأي أنّ التضارب الحاصل في آراء النراقي والتي تستشفّ من مؤلّفاته حول هذا الموضوع، إنّما هو ناشئ من طريقته في طرح آرائه في مؤلّفاته التي يخاطب في كل واحد منها مستوىً معين من المخاطبين، فتجده مثلاً في كتاب معراج السعادة، والخزائن، وطاقديس التي كتبها لعامّة الناس يمتدح فتح علي شاه سلطان إيران آنذاك ويعتبره ملكاً عادلاً، ولكنه ــ وبشكل تلقائي ــ ينتهج نهجاً آخر في مثل كتابه العوائد، الذي كتبه لأهل البحث والنظر في العلوم الدينية؛ لأنه كتب البحث بوصفه الفقيه الذي يريد تحديد موقف المذهب الشيعي من هذه المسألة، بطريقته الفقهية الخاصّة التي تمكّن الآخر من الاطلاع على رأيه في نظرية الحكم باعتباره أحد فقهاء المذهب الإمامي.
ويلاحظ على هذا الرأي أنّ كتابي معراج السعادة وطاقديس لم يكتبا لعامّة الناس، وسيأتي أنّ كتابه في الأخلاق ألّفه في تربية النفس، لجهة استفادة السلطان منه قبل أي أمر آخر، كما أن محتوى هذين الكتابين: معراج السعادة وطاقديس يدلّ بوضوح على المستوى الفكري المتميّز لهما، فلا يمكن تأطيرهما بحدود النصيحة والموعظة، فالاختلاف في النتائج لا في منهج الاستدلال، بل في المباني وهي متقدّمة رتبةً على الاستدلال، وتكون النتيجة تابعة لها. وممّا يدعم ماذكرناه المقارنة بين القاعدتين العقليّتين اللتين طرحهما النراقي في ولاية الفقيه، وما طرحه معاصروه في ذلك كالمير فتاح المراغي في كتاب عناوين الأصول.
2 ــ دور الفكر الكلامي في إنتاج نظرية سلطة الفقيه :
الجواب الثاني: إنّ منشأ نظرية ولاية الفقيه المطلقة ربما يكمن في الفكر الكلامي عند النراقي، وعلى ضوء ذلك تكون طاعة الفقهاء بمنـزلة طاعة الإمام المعصوم؛ إذ المهمّ في عصر الغيبة البحث عن معرفة الحجّة وتشخيصه، فالأصل إذاً معرفة من هو الحجّة، ثم تثبيت جميع صلاحيات الإمام المعصوم (ع) له.
إلاّ أن الإمعان في استدلالات النراقي وسياقاتها لا يؤيّد الفهم المذكور؛ إذ لم ينطلق من زاوية التفكير الكلامي حتى في مسألة التقليد والاجتهاد في كتابه المناهج، بل نهج فيها منهجاً مغايراً للمنهج الكلامي عندما جعل ذلك من باب رجوع الجاهل إلى العالم، وقد ذهب إلى ذلك أيضاً في كتابه العوائد، وبشكل عام، يرتكن النراقي إلى قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم في كلّ مسألة يتجاذب طرفي العلاقة فيها المجتهد والمقلّد.
3 ــ ثلاثية اليوناني ــ الإشراقي ــ الديني ونظرية ولاية الفقيه:
وأما الجواب الثالث: فيضع هذه النظرية في إطار فكري خاص، يتشكّل من ثنائية يلتقي فيها الفكر اليوناني مع الفكر الديني، مع تزوّده برصيد غني من الإدراك الإشراقي. فالذي نقوله هو: إمكانية تحليل نظرية ولاية الفقيه عند النراقي وفق هذا المنظار الفكري الذي سوف تتكشف من خلاله العلاقة بين نظريته في ولاية الفقيه وبين آرائه وأفكاره في سائر مؤلّفاته، كما سنلاحظ ــ لاحقاً ــ قيمة العلم ودوره في مثل هذا المنظار السياسي، ومن ثمّ نخلص إلى سيادة العلم المطلقة.
لقد انتهل الفاضل النراقي معظم علومه من معين والده المولى مهدي النراقي، حيث كان فيلسوفاً كبيراً وحكيماً متبحّراً، تلمّذ مدّة ثلاثين عاماً على الحكيم الخواجوئي (1173 هـ ق) الذي يُعد من مشاهير القرن الثاني عشر الهجري في العلم والفلسفة. فكان المولى مهدي النراقي من أبرز تلامذته، كما يعدّ في زمرة حكماء الشيعة.
وعلى أية حال، تأثّر النراقي الابن بالمسلك العلمي لوالده، فكان يقتفي أثره في أكثر آرائه ونظرياته، كما تشابه مؤلّفاتُه مؤلّفاتَ والده، حيث إنّ كلاً منهما يستمدّ أصوله من الفكر اليوناني.
ولكن ما هو المراد من المنظومة الفكرية وكذا المنظومة الفكرية السياسية؟ ومن أي شيء تتوالف وتلتئم؟ ونجيب على نحو الإجمال بأن المتخصّصين في الفكر السياسي يشترطون في المنظومة الفكرية في الفكر الساسي عناصر وأجزاء هي:
1 ــ الطبع البشري. 2 ــ كيفية تكوين المجتمع وضرورته. 3 ــ كيفية ظهور الدولة وضرورتها. 4 ــ الوظائف الخاصّة بالدولة. 5 ــ العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد. 6 ــ نطاق حقوق المجتمع والدولة.
هذا ومن أجل تكوين صورة عن المنظومة الفكرية في مؤلّفات الفقيه النراقي والتقاط نظرة عامّة عن نظريته السياسية، لا بد من البحث والتأكّد أولاً من توفّر العناصر المشار إليها سلفاً.
أمّا مصادرنا في هذا الاستقصاء فهي: 1 ــ مناهج الأحكام في الأصول، ألّفه سنة 1224 هـ.ق. 2 ــ مستند الشيعة في الأحكام الشرعية، ألّفه سنة 1236 هـ.ق. 3 ــ عوائد الأيام، ألّفه سنة 1245 هـ.ق. 4 ــ معراج السعادة، ألّفه سنة 1245 هـ.ق. 5 ــ الخزائن، ألّفه سنة 1245 هـ.ق. 6 ــ طاقديس، ألّفه سنة 1245 هـ.ق. 7 ــ سيف الاُمّة وبرهان الملّة، ألّفه سنة 1233 هـ.ق.
يتبع...
المصدر: مجلة (نصوص معاصرة) العدد الأول.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com