موقع الصراط ... الموضوع : مقدمات هامة في التبليغ
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مقدمات هامة في التبليغ  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  قبل الحديث عن حِكم التبليغ وأهدافه ينبغي تقديم بعض المقدّمات الهامّة وهي:
الأولى: التبليغ مسؤوليّة خاصّة أو عامّة؟
التبليغ مسؤوليّة عامّة، كما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤوليّة عامّة أيضاً، تجب على كلّ مسلم ولا اختصاص لها بطائفة دون أخرى، إلا أنّ هذه المسؤوليّة العامّة يُمكن أن يُحقِّقها بعض الناس وبذلك سوف تنتهي المهمّة المطلوبة وتسقط عن باقي الناس.
وهذا هو ما يصطلح عليه الفقهاء بـالواجب الكفائيّ في مقابل الواجب العينيّ، الّذي يتعيّن على كلّ فرد الإتيان به مثل الصلاة والصوم. فإنّ ما هو المطلوب إيجاده في موضوع التبليغ هو إيصال صوت الحقّ، وإيضاح معالم الرسالة، وبيان أحكامها، فإذا تقدّمت فئة من الناس وحقّقت ذلك تكون المهمّة المطلوبة قد أُنجزت وسقطت عن الباقي.
إلا أنّ هذه العمومية في وجوب التبليغ لم تمنع الشريعة الإسلاميّة من الدعوة إلى (التخصّص) في العمل التبليغيّ، على غرار سائر التخصّصات العلميّة والعمليّة. ومن هنا فقد كان المطلوب في منهج الدعوة والتبليغ أن يتفرّغ مجموعة من الناس لتكون هذه هي مهمّتهم، في الوقت الّذي لا يسقط فيه التكليف عن الباقين إلا حين تؤدّى المهمّة كاملة ودونما نقص. الثانية: موضوع التبليغ:
من المهمّ أن نعرف أنّ المجتمع الإنساني كلّه موضوع في دائرة التبليغ. ذلك أنّ الرسالة الإسلاميّة عامّة لجميع العباد، وسوف لا تنقطع المهمّة التبليغيّة ولا تنتهي ما دام هناك أرض وشعب في العالَم لم يصله صوت الرسالة الإلهية. ومن هنا نُدرك سعة الدائرة الّتي يجب استيعابها في العمل التبليغيّ، وفي ضوئها يجب وضع الحساب فيما إذا كان الوجوب الكفائيّ قد أُنجز كاملاً حتّى يسقط عن الباقين أم لا.
إنّنا نأسف حينما نجد تعاملاً ضيّقاً مع هذه المسؤوليّة الكبرى، حينما يُفكِّر بعضنا بأنّها ساقطة عنه لمجرّد تصدّي آخرين، في الوقت الّذي لا يستطيع فيه هؤلاء المتصدّون أن يملأوا كلّ الفراغات ويستوعبوا كلّ الساحات.
فإنَّ مسؤوليّة التبليغ والدعوة إلى الإسلام وبيان الشريعة ليست خاصّة بالأهل أو العشيرة أو أبناء الوطن، ولا هي خاصّة بالأمّة الإسلاميّة، بل هي واسعة سعة الرسالة الإلهية، وممتدّة بامتداد النبوّة المحمّدية.
الثالثة: الموقع القياديّ للمبلِّغ:
يختلف موقع المبلِّغ الدينيّ في الثقافة الإسلاميّة عن موقع المبلِّغ في الثقافة الكنسيّة أو الثقافة المدرسيّة. فالمبلِّغ في الثقافة الكنسيّة هو مجرّد واعظ، وهو في الثقافة المدرسيّة محترِف لعمليّة التعليم، أمّا المبلِّغ في الثقافة الإسلاميّة فهو يُمارس عمليّة الموعظة والتعليم من موقع المسؤول عن المجتمع البشريّ في كلّ جوانبه الثقافيّة، والسياسية، الفردية والاجتماعية، فهو في موقع الإمامة والقيادة كما قال تعالى: ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا))
وهكذا نجد أنّ الشريعة الإسلاميّة تنتظر من المبلِّغ الدينيّ أن يُمارس التكاليف الّتي يفرضها موقع الإمامة والقيادة، ومن هنا كان القرآن الكريم يُشدِّد النكير على علماء أهل الكتاب حين قال تعالى: ((لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ))
وانطلاقاً من هذا الفهم أيضاً أكَّد القرآن الكريم على ضرورة اتّباع العلماء والطاعة لهم.
قال تعالى: ((أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ))
وقال تعالى: ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ))
وإذا كان مقام النبوّة في الثقافة الإسلاميّة هو مقام الإمامة والقيادة، على العكس تماماً من منطق الكنيسة القائل: (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، فالمبلِّغ الدِّينيّ في الثقافة الإسلاميّة يجب أن يُمارس ذات المهامّ الّتي يُمارسها الأنبياء عليهم السلام باعتبار أنّه وريثهم وخليفتهم.
فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (رحم الله خلفائي)، فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: (الذين يُحيون سنّتي ويُعلّمونها عباد الله)
وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (ألا أُحدِّثكم عن أقوامٍ ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور؟ فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الّذين يُحبِّبون عباد الله إلى الله، ويُحبِّبون عباد الله إليّ، قال: يأمرونهم بما يُحبّ الله وينهونهم عمّا يكره الله فإذا أطاعوهم أحبّهم الله)
فأنتَ تجد في نهاية هذا الحديث أنّ محبّة الله للعباد مشروطة بإطاعتهم للعلماء (فإذا أطاعوهم أحبّهم الله)، وهذا يؤكّد الدور القياديّ للعلماء.
مقتبس من كتاب (التبليغ الديني، مفهومه، مضمونه، أساليبه) لجمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com