موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-21
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-21  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بيعة العقبة الثانية:
ما إن توطأت أرضية يثرب للإسلام، وكثر المسلمون فيها حتى خرج جمع منهم إلى مكة لأداء فريضة الحج، يقول ابن إسحاق: (ثم إنَّ مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج مع من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله (ص) العقبة، من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله)
وحين وقعت عينا رسول الله (ص) على مصعب بن عمير مقبلاً، عليه أهاب كبش قد تمنطق به، قال: (انظروا إلى الرجل الذي قد نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون)
وهنا تبدأ عملية اللقاء برسول الله (ص) التي يكتنفها الخطر، فالتقوا برسول الله (ص) لقاء سريعاً سِرياً بعيدا عن أعين قريش ؛ ليرسموا مسيرة الدعوة ومواصلة الحركة إلى الله تعالى، يقول ابن إسحاق: (حدثني معبد بن كعب بن مالك: أنَّ أخاه عبد الله بن كعب حدثه: أنَّ أباه كعب بن مالك حدثه، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله (ص) العقبة من أوسط أيام التشريق, قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله (ص) لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم مَن معنا مِن قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنَّك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنَّا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله (ص) إيانا العقبة.
قال: فأسلم، وشهد معنا العقبة، وكان نقيباً.
قال : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (ص)، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نُسَيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع.
قال : فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله (ص)، حتى جاءنا ومعه [عمه] العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه، إلا أنَّه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها - إنَّ محمدا منَّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومَنَعة في بلده، وإنَّه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنَّكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنَّكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنَّه في عز ومَنَعة من قومه وبلده، قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله (ص)، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق [نبياً]، لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحَلْقة، ورثناها كابراً [عن كابر]. قال: فاعترض القولَ، والبراء يكلم رسول الله (ص)، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إنَّ بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله (ص)، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
قال ابن هشام: الهدم الهدم [يعنى الحرمة]: أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم.
قال كعب [بن مالك]: وقد [كان] رسول الله (ص) قال: أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس)
وهنا بدأ رسول الله (ص) ينظم صفوفهم، ويحملهم المسؤولية الكبرى في حمل الرسالة، وما يكتنفها من المصاعب الكبرى، فأخذ عليهم المواثيق لتحمل المسؤوليات الرسالية في حمل الرسالة , وما سيواجهونه من تحديات عظيمة، وحين أتوا عنده في دار عبد المطلب، و(اجتمعوا قال لهم رسول الله (ص): تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي، وثوابكم على الله الجنة؟ فقال أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام : نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك ولربك، فقال رسول الله (ص): تمنعونني مما تمنعون أنفسكم، وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم, قالوا: فما لنا على ذلك؟ قال: الجنة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم، و تكونون ملوكاً، فقالوا: قد رضينا)
وقال ابن إسحاق: (إنَّ رسول الله (ص) قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم)
وهنا التفت عبادة بن نَضْلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف، وقد وعى عِظَمَ المسؤولية، وثقلها، وخطرها، فأراد أن يلفت أنظارهم إلى ما تحملوه ببيعتهم لرسول الله (ص)، وما تنطوي عليه من مسؤوليات ثقيلة، وما سيواجهونه من تحديات كبيرة، فعليهم أن يستعدوا لها، ويوفوا بعهدهم لرسول الله (ص)، فإنَّها ليس بالأمر السهل؛ ولذا قال لهم: (يا معشر الخزرج، هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل؟، قالوا: نعم، قال: إنَّكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم تَرَوْنَ أنَّكم إذا نَهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله - وإن فعلتم - خِزْي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنَّكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنَّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا [بذلك]؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده، فبايعوه)
وهنا نعيد ما قلناه سابقاً من خلال قوله (ص): (الجنة)، إنَّ رسول الله (ص) ركز في أنفسهم الجانب المعنوي في الإيمان بالله، ورسوله، فلم يوعدهم بدنياً، ولا سلطاناً، ولا حيازة مال، وانتقام من عدو، وأن أوعدهم بحسن العاقبة في حياة دائمة، وتلك هي مسيرة رسل الله، وأنبياءه، وأولياءه في تحركهم السياسي؛ لتحكيم شرعة الله، وهذا يوضح لنا خطأ السير السياسي لكثير من القادة الذين يبنون للناس قصوراً في الهواء؛ ليقربونهم إليهم، ويحصلوا على ولائهم السياسي، تلك هي مسيرة رسول الله (ص) ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى))
وما أن تمت البيعة، وأحكمت المواثيق، ووضع المخطط، وتسلم كل منهم مسؤوليته، قال لهم رسول الله (ص): (ارفضوا إلى رحالكم)، وتصاعدت روح الحماس الإيماني في نفس العباس بن عبادة بن نضلة فقال: (والله الذي بعثك بالحق: إن شئت لنميلينَّ على أهل مِنًى غداً بأسيافنا؟) فقال رسول الله (ص): (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، فرجعوا إلى مضاجعهم، وناموا عليها حتى الصباح.
ورغم سرية التحرك والتكتم الشديد في الأمر كاد الأمر أن ينكشف لقريش، إلا أنَّ الله حفظ أسرار دعاته، والدفاع عنهم بلسان أهل الشرك الذين سخرهم الله لذلك، فقد روي أنَّ قريشاً أحست بأمر لقاء رسول الله (ص) بالأنصار، فجاؤوا إلى منازلهم، وقالوا: (يا معشر الخزرج، إنَّه قد بلغنا أنَّكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنَّه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم) فانبعث مَن هناك مِن مشركي الخزرج يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علموه، وقد صدقت قريش أنَّهم لم يعلموه، وظل الأنصار ينظر بعضهم إلى البعض الآخر.
ثم ذهبوا إلى عبد الله بن أُبيّ بن سلول، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول، فقال لهم : ([والله] إنَّ هذا الأمر جسيم، ما كان قومي؛ ليتفوتوا عليَّ بمثل هذا، وما علمته كان)، فانصرفوا عنه.
ونتيجة لمتابعة قريش لحركة الأنصار انكشف لهم خبر اللقاء، فاستشاطوا غضباً، وأسرعوا إلى القوم علَّهم يدركونهم، إلا أنَّ الأمر فلت من أيديهم، ولم يدركوا إلا اثنين من النقباء، وهم المنذر بن عمرو الذي أعجز القوم من الإمساك به، وسعد بن عبادة الذي أخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه، وأقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه من شعره، وعذبوه كثيراً، وكادوا أن يقتلوه لولا أنَّ الله قيض من ينقذه من أيديهم بالجوار، وهكذا نصر الله دينه، وأظهر نبيه، وهيئ للإسلام أرضاً جديدة، نما فيها، وانطلق منها إلى كل أرجاء المعمورة.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com