موقع الصراط ... الموضوع : الموانع التي تحجب القرآن عن النفس
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الموانع التي تحجب القرآن عن النفس  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
القرآن ماء الحياة، ولكنَّ الماء في كثير من الأحيان ينزل على الأرض فلا يجديها نفعاً، فلا تنبت الزرع والكلأ، والسبب في ذلك ليس في الماء، ولكن لوجود موانع في الأرض، وهذه الموانع إمّا وجود صخور تمنع الماء من التغلغل إلى أعماق الأرض، وإمّا لوجود الأملاح أو لشيء آخر، كذلك الإنسان قد يتلو القرآن ويفهم ما فيه، ولكن لا يجديه نفعاً فلا يتأثر به، ولا تتغير به نفسه، وتبقى على ما هي عليه، وقد أوضح رسول الله (ص) ذلك بأروع تمثيل، فقال (ص): (إنَّ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، وكان منها طائفةٌ طيبةٌ، فقبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، وشربوا منها، وسقوا، وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنَّما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، وتفقه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به)
وأهم الأسباب التي تمنع من تنور النفس بالقرآن:
أ- (حجاب رؤية النفس): هو جانب من جوانب العجب حيث يرى الإنسان نفسه متصفة بكل الكمالات، وينظر إلى الآخرين نظرة استصغار، ويرى أنَّ ما عنده هو أساس العلم والحياة، ويقتصر على هذا الجانب دون سواه، مثلاً أن يرى أهل التجويد أنَّه هو الأساس، وأنَّ باقي العلوم القرآنية لا شيء بالنسبة لهم، وهكذا لمن تعشق الأدب والتفسير المعتاد الذي يهتم بالبحث اللغوي، والإعرابي، والقراءات، وجمع الآراء، وأسباب النزول، وكون الآيات مدنية أو مكيّة... الخ.
ومن هنا يحتاج الإنسان لكي يفهم القرآن، ويعيه، ويحوله إلى قوة مؤثرة في حياته، وموجهة لها، وحاكمة فيها أن لا يقتصر على فهم هذه المعاني فقط، وإنَّما لا بد أن ينظر إلى كتاب الله نظرة كلية، وعلى أنَّه رسالة واحدة لا تقبل التبعيض، ولا يكتفي بالتوقف عند علم واحد، وإنَّما ينبغي أن يغور في بحر القرآن؛ ليستخرج جواهره، وقد توعد الله تعالى من يأخذ بعضاً من الرسالة، ويترك البعض الآخر بالخزي والعذاب الشديد ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون))
ب- (الآراء الفاسدة والمسالك والمذاهب الباطلة) : قد يرث الإنسان العديد من الآراء، والعقائد، والمسالك، والمذاهب الباطلة، وتكون منطبعة في ذهنه، ومنعكسة في سلوكه، وعندما يريد أن يتلقى القرآن تبقى هذه الرواسب مؤثرة في نفسه، فيحاول أن يجر القرآن إليها، ويؤوله حسب مقتضيات تلك الرواسب، ولا سيما أنَّ القرآن حمال ذو وجوه، فيصرف الآيات عن مقاصدها الحقيقية، ولذا حذر القرآن من الالتزام بالأفكار الغريبة عنه، والسير على سنن الآباء والكبراء، فذكر هؤلاء بنحو الازدراء والتحقير، يقول تعالى: ((وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون))
((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير))
((قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون))
وهكذا يكون اعتناق العقائد والآراء الفاسدة حجاباً غليظاً يحجب القرآن عن القلوب ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))
((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً))
ج- القول: (بأنَّه لا يمكن لأحد بأن يستفيد من القرآن إلا بما كتبه المفسرون): إنَّ جميعَ طبقات الناس - كما أشرنا سابقاً - قادرةٌ على الاستفادة من القرآن، كل حسب قدرته، فمن كان وعاءُ فكره واسعاً وطاهراً يستوعب منه الكثير، ومن كان ظرفُه صغيراً يمكن أن يتسع منه بمقداره، فالقرآن كالبحر أو كالشمس التي تشرق على كل أحد، وكل إنسان يستفيد منها بمقدار طاقته وجديته.
وفنون الاستفادة من القرآن كثيرة منها: تعلم الأحكام والمواعظ، والعبر، والآداب والسلوك، ومنها: التأثر الروحي والنفسي الذي يمنح الاطمئنان والثقة، ويشد العبد لله تعالى، وأما لو اقتصرنا على ما كتبه المفسرون ، وجمعنا آراءهم نرى تضارباً وتفاوتاً، وربما تهجم بعضهم على البعض الآخر... ولا يعني هذا الإعراض عن كل ما تفضل به المفسرون، وأخذ القرآن بالرأي البسيط بل يمكن الرجوع إلى المفسرين؛ لفهم القرآن، ولكن هذا لا يتوفر للجميع، كما لا يمكن للجميع أن يميزوا بين الغث والسمين.
وعلى كل حال لا بد أن نتلقى القرآن غضاً طرياً كما أنزله الله تعالى؛ لتخشع له القلوب، وليترسخ فيه التوحيد، والعدل، والحب، والإخلاص، والوفاء، والصدق، والحق، والخير، والجمال... الخ، ونبتعد عن التعقيدات والتفصيلات التي لا موجب لها، ونتركها للمتخصصين فيها والباحثين عنها مع اجتناب التفسير بالرأي دون الرجوع إلى خزان الوحي صلوات الله عليهم أجمعين.
د- (حجاب المعاصي والكدورات الحاصلة منها): لكلِّ عملٍ من أعمال الإنسان أثرٌ على القلب إمّا سلباً، أو إيجاباً، فإذا كانت الأعمالُ حسنةً أورثت القلب نورانية؛ ليكون طاهراً ومنوراً، وتكون النفس كالمرآة الصقيلة تعكس الصورة واضحة صافية... وإذا كانت الأعمال قبيحة - والعياذ بالله - انعكس أثرها على القلب ظلاماً معتماً لا يقبل النور المتمثل بالعلوم الإلهية، وفي هذا يكون كالمرآة التي يغطيها الغبار، فلا تعكس الصورة كما يراد، والقرآن الكريم قد جسد هذه الحقيقة بقوله تعالى: ((إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون* كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون))
وهكذا يبقى الإنسان محجوباً في ظلمات المعاصي، ولا يستفيد من القرآن شيئاً، ولا يتفقه في الدين، ويحرم من التفكير في آيات الله تعالى، ويكون مصداقاً لما وصفه الله تعالى: ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون))
هـ - (حب الدنيا): ممّا لا شك فيه أنَّ حبين لا يجتمعان في قلب واحد فـ ((ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)) ، فإذا امتلأ القلب بحب الدنيا استقطبت كل قواه، وطاقاته النفسية والبدنية، ولا يعود يلتفت إلى ما سواها، فالقلب المولع بحب الدنيا لا بد وأن يحجب عن الأنوار الإلهية، وبذلك نخرج بحقيقة وهي: إنَّ ازدياد حب الدنيا، وشدته، والولع بها يحجب القلب عن قبول المعارف الإلهية، فلا يجتمع حب الدنيا مع الأنوار الإلهية مطلقاً؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخس المتقدمتين كما يقول المناطقة، ولذا إذا تلوث القلب بحب الدنيا لا يمكن أن يمسه نور القرآن؛ لأنَّه ((في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون))
يقول الإمام الخميني: (فكما أنَّ غير المطهر الظاهري ممنوع عن ظاهر هذا الكتاب ومسه في العالم الظاهر تشريعاً وتكليفاً، كذلك ممنوع من معارفه، ومواعظه، وباطنه، وسره، من كان قلبه متلوثاً بأرجاس التعلقات الدنيوية، وقال تعالى: ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى فيه للمتقين)) ، فغير المتلقي بحسب تقوى العامة وغير المؤمن بحسب إيمان العامة محروم من الأنوار الصورية بمواعظه وعقائده الحقة، وغير المتقي، وغير المؤمن بحسب سائر مراتب التقوى، وهي تقوى الخاص، وتقوى خاص الخاص، وتقوى أخص الخواص محروم من سائر مراتبها)
ثالثاً: التوجه الكامل، والاستعداد للتلقي: أو ما يسمى في لغة العرفاء حضور القلب، وهو عبارة عن التجرد الكامل؛ لتركيز الفكر، وتخلية القلب من كل الشواغل الدنيوية بجد، واجتهاد خالص لله تعالى، ولعل هذه ما عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ((خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون))
((خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا))
((يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً))
((وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين))
والأخذ بقوة هو التلقي لوحي السماء بفهم ووعي والتزام بحيث يستقطب كل قوى الإنسان البدنية والنفسية والعقلية والقلبية، ويحرك جميع جوارحه وجوانحه؛ سئل الإمام الصادق (ع) عن تفسير هذه الآية ((خذوا ما آتيناكم بقوة)): (أقوة الأبدان أو قوة القلب؟) قال (ع): (فيهما جميعاً)
رابعاً: التدبر في القرآن: وهو أهم ما في القراءة، فإنَّها إذا لم تكن عن تدبر وتفكر، ستكون لقلقة لسان فارغة المحتوى، يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر)
إذن التدبر في القرآن أمر في غاية الأهمية، وعلى الإنسان أن يبذل قصارى جهده؛ ليفهمه، ويعيه، ويطبقه، يقول تعالى: ((كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)) ، فإنَّ الله تعالى أنزل آياته لخلقه؛ ليتدبروا فيها، ويتفكروا، ويستجلوا ما فيها من حكم ومواعظ وأحكام؛ ليعالجوا بها أمراض القلوب فـ(لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه، ويعظم خوفه، إن كان مؤمناً بما فيه)
وإنَّما أمر الله تعالى بالتدبر في كتابه؛ لأجل أن يتوصل القارئ إلى استجلاء حقائقه، ووعي أحكامه، ومفاهيمه، ليتربى عليها فإنَّ (القرآن الكريم كتاب هداية وتربية وتوجيه، وقد أنزله الله تعالى؛ لتربية هذه الأمة وإنشائها وإعدادها إعداداً كاملاً؛ لتكون أمةً صالحةً، فلا بد أن يكون جامعاً وحاوياً لجميع ميادين التربية في حياة الإنسان، فهو كتاب توحيد خالص من شوائب الشرك والإلحاد، وكتاب حكمة ومعارف حقّة، وكتاب تربية الروح والعقل، وتزكية النفس، وتربية الجسد، وكتاب تربية الفرد والاجتماع، وسوق كلِّ منهما إلى منتهى الكمال، وكتاب أخلاق يحتوي على جميع الفضائل العامة الإنسانية... فهو كتاب كما وصفه علي (ع): (ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به) فهدفه إعداد الإنسان الصالح، وترقيه من حضيض الرذيلة إلى أوج الشرف والكمال)
وقال رسول الله (ص): (القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار)
ولفهم القرآن الكريم درجات، كل يفهمه بمقدار ما آتاه الله من إيمان، وفطنة، وتأمل، وطهارة نفس، ويقظة قلب، فوعي الإمام للقرآن الذي هو قمة الكمال غير وعي الآخرين له؛ ولذا ينبغي الرجوع لحملة القرآن الكريم الذين خوطبوا به؛ لأنَّه لا يفهم القرآن الفهم الكامل إلا من خوطب به، وهذا لا ينفي أن يتدبر الآخرون في القرآن لوعي ما فيه بمقدار ما آتاهم الله من فطنة وفهم، وطهارة ظرف، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الباقر (ع) بقوله لقتادة: (ويحك يا قتادة، إنَّما يعرف القرآن من خوطب به)
وقوله (ع): (فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت - اه‍ ) (أي أنت المفسر الذي يجوز له التفسير والرجوع إليه، والحاصل أنت كامل في العلم، وفي هذا الخبر دلالة على أنَّ متشابهات القرآن بل متشابهات الأحاديث أيضاً وجب ردها إلى أهل الذكر عليهم السلام، ولا يجوز التفسير بما استحسنه الرأي، واختلف مخالفونا فبعضهم قال: وجب الرد إلى الله سبحانه، وذهب معظم المتكلمين إلى أنَّها تصرف عن ظاهرها المحال، ثم تأول على ما يليق، ويقتضيه الحال)
وقال المرحوم المجاهد المرجع الديني الأعلى السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسيره القيم مواهب الرحمن: (إنَّ القرآن مما يناله الفهم العادي، فلو لم يكن كذلك لما أمر الله سبحانه بالتدبر والتأمل فيه؛ لمعرفة الحق، وإنَّ التأمل فيه يهدي صاحبه إلى كون القرآن من عند الله تعالى العليم بمصالح عباده الذي يهديهم بما يصلح أمرهم)
وقد ذم الله أقواماً لم يحركوا عقولهم بالتفكير والتدبر في القرآن، فقال تعالى: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))
((أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأتِ آباءهم الأولين))
وهكذا ننتهي إلى نتيجةٍ رائعةٍ، وهي: أنَّ تلاوة القرآن حق التلاوة ليس مقدار ما يقرأ منه ولا عدد مرات قراءته من ختمات... وإنَّما هو: تلاوة، وفهم، وتدبر، ووعي، واعتبار، وعمل بأحكامه، ومضامينه، ومفاهيمه، بتحليل حلاله، وتحريم حرامه، وهذا نهاية الإيمان به، قال (ص): (ما آمن بالقرآن من استحل حرامه)
ونختم هذا البحث بما ورد من أحاديث شريفة في تلاوة القرآن، قال الإمام الباقر (ع): (قراء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة، واستدر به الملوك، واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه، وضيع حدوده، وأقامه إقامة القدح، فلا كَثَّرَ الله هؤلاء من حملة القرآن، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه، فأسهر به ليله، وأظمأ به نهاره، وقام به في مساجده، وتجافى به عن فراشه فبأولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء، وبأولئك يديل الله عز وجلّ من الأعداء، وبأولئك ينزل الله عز وجلّ الغيث من السماء، فوالله لهؤلاء في قراء القرآن أعز من الكبريت الأحمر)
وقال (ص): (اقرؤوا القرآن بأصوات العرب وألحانها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنَّه سيجيء من بعدي أقوام يُرَّجعون القرآن ترجيع الغناء، والنوح، والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com