موقع الصراط ... الموضوع : الإثم الباطن
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإثم الباطن  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشهيد الشيخ جليل الربيعي
كما أنَّ للأمة مشاكلَها، فنحن المؤمنون مع كوننا طليعة هذه الأمة المجاهدة لنا أيضاً مشاكلنا.

حيث أنَّنا لم نكن ملائكة نزلوا من السماء، ولا قوم كانوا نائمين في كهف منذ مئات السنين، منقطعين خلالها عن العالم، بل نحن أبناء هذه الأمة، وطبيعي أنْ تتعلق بنا بعض سلبياتها، وليس في ذلك بأس، ولكنَّ البأس والخطر يكون إذا لم نشخص هذه السلبيات، أو شخصناها ولم نعمل على تجاوزها، ولعلَّ من أخطر ما يهددنا من داخل حصوننا هو الإثم أو الفواحش الباطنة كما يصطلح عليها القرآن الكريم، قال تعالى: ((وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)) (سورة الأنعام:120)
وقال عز وجلّ أيضاً: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) (سورة الأنعام:151)
فالخطر الأكبر هو العدو المتربص بنا، العامل جهده على خنق حركة المسلمين، وهو ليس الاستعمار الذي ينصب الآن عشرات العقول الالكترونية لمراجعة ومتابعة هذا الوعي وهذه الحركة، ولا حتى أسلحته الضالة المدمرة، ولا حتى تمزيق صفوف الأمة وتفريقها وتناحرها فيما بينها، نعم هذه كلها أخطار، ولكنَّ الخطر الأول والأكبر هو أشد رهبة وأثراً من كل هذه، إنَّه ذلك الذي يوجد القابلية فينا لتقبل العدو، فيتمكن منا، إنَّه ذلك الذي يوجد الفرقة بيننا، ويعمل كل ما نكره فينا، إنَّه العدو الكامن في نفوسنا التي بين جنبينا، إنَّه الفحش أو الإثم الباطن، وإن شئت فسمه مرض القلب أو الإخلاص الناقص، قال رسول الله القائد (ص): ((أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسُدَتْ فَسُدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ))
وفي حديث آخر: ((إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُم، وَلا إِلَى أَجْسَادِكُم، وَلَكنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم))
وكذلك القاعدة المعروفة: ((إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَاتِ))
إنَّ المشكلة الإولى والجوهرية التي نعانيها، ويمكن أنْ تقف حائلاً بيننا وبين تحقيق أهدافنا الكبرى التي أرادها الله عز وجلّ، إنما هي مشكلة أخلاقية أولاً، ولا نعني بقبولنا هذا التقليلَ من أهمية المشكلة الفكرية، ولكنَّ الأولى هي الأخطر، بل وفي كثير من الأحيان هي السبب للثانية، فالمؤمن الذي ينحرف عن الخط الرسالي لا يكون سبب انحرافه وفي كثير من الأحيان قلة وعيه، بل النقص في الجانب الأخلاقي عنده، والذي سَبَّبَ اتجاه بصره نحو الدنيا التي هي منبع الإثم الباطن كما سنرى بعد قليل، والقطيع الهائم على وجهه خلف قيادات الكفر ليس مشدوداً إلى حياته تلك بناءً على اقتناعه فكرياً، ولكنَّه مجذوب إليها بفعل دفع الأهواء النفسية المستحكمة في ذاته، وكثير من أبناء الأمة لا يعوزهم الدليل الفكري على سلامة خط سير المؤمنين، وسلامة أهدافهم، وسرعان ما يؤمنون بالحق إيماناً فكرياً قد يكون صادقاً، ولكنَّ ما يجرهم إلى الوراء دائماً هو التحلل الذي استمرأته نفوسهم، وقامت عليه حياتهم، قال تعالى: ((وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)) (سورة النمل:14)
وقال الإمام علي (ع) يصف أهل الشام: ((وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا، وَقَدْ عَرَفُوا اَلْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ اَلنَّاسَ عِنْدَنَا فِي اَلْحَقِّ أُسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى اَلأَثَرَةِ، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً))

منبع الخطر:
إنَّ منبع الخطر هو نقص في حب الله نتيجة حب الدنيا، فبقدر ما يمتلئ القلب حباً لله سبحانه نجد النزاهة، والاستقامة، والإخلاص، والتفاني، والشجاعة، والإيثار، وغيرها من صفات الكمال الإنساني، وبقدر ما ينقص هذا الحب يشغل حب الدنيا هذا الفراغ الحاصل، ولا نعني بالدنيا الدينار والعقار فقط، بل إنَّها تتمثل في سائر شهوات النفس كحب الزعامة، والكبر، والجاه، أو الركون إلى مختلف مظاهر النعيم، بل وحتى العزة بالإثم، والحسد، والرياء، والبخل، وشتى الضغائن، والأحقاد إلى آخر هذه الصفات.
قال الإمام علي (ع): ((قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ اَلآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ اَلآْمَالِ، فَصَارَتِ اَلدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ اَلآخِرَةِ، وَاَلْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ اَلآجِلَةِ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللهِ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاَّ خُبْثُ اَلسَّرَائِرِ، وَسُوءُ اَلضَّمَائِرِ...))

نتائج الخطر:
1- لعلَّ من أخطر نتائج خطر الإثم الباطن هو أنْ يتحول انتماؤنا كمؤمنين بالإسلام إلى مجرد طمأنينة فكرية، ونظرنا إلى ديننا أنَّه مجرد قول، وحركة، وتخطيط شأنه شأن كل الأفكار والمذاهب الأخرى، وعملنا مجرد شعارات، وأعمال سطحية لا ثمرة لها، ومن الغريب أنْ نجد البعض يهون من أثر العبادات، والأدعية، والأذكار، وغيرها من الممارسات الروحية التي هي العلاج الأنجع لتطهير القلب، وشده بالله سبحانه كما سنرى، والأغرب من ذلك أنْ نجد إحدى فصائل الحركة الإسلامية العاملة في سبيل الله لا ترى وجوب الصلاة في الوقت الحاضر، والتي هي بمثابة كريات الدم الحمراء في جسم الإنسان ضد الجراثيم الغازية!!
إنَّ الإسلام كغيره من النظريات والأفكار ليكون العمل له مجرد قول، وحركة، وتخطيط شكلي، بل هو قائم في ذاته على تحقيق معنى العبودية لله في القلب قبل كل شيء، ولا يكون كغيره بادئ بعمل حركي لينتهي إلى عمل حركي لا يكلف النفوس التي تؤمن به، وتسير معه شيئاً من أهوائها ومشتهياتها.
إنَّ حب الله إذا تناقص في القلب، واستمر بالنقصان إلى أنْ يصل إلى حد الفراغ سيمتلئ بحب الدنيا وأهوائها، ومصالح النفس ومطامحها، وأصحاب هذه القلوب بين الناس مسلمون، وهم يتمنون لو أنَّ الإسلام عاد ليحكم البشرية، إنَّ هذه الأمنية ليست أكثر من أمنية دنيوية لا تتنافى مع ما استحكم في القلب، وعشعش في النفس، فيذهبون إلى نصرته والعمل في سبيله مذهب أي مبدأ أرضي تافه.
2- ومن نتائج هذا الخطر هي الروح الأنانية التي تترعرع في النفس سواء أكانت أنانية فردية أو أنانية جماعية، إنَّ أنانية الفرد تدفع بصاحبها إلى تقديس ذاته، وتمنعه من الانصهار مع الجماعة والانقياد لها، ولا يخفى ما لهذه الظاهرة من ضرر التشتت، وفقدان طاقات هائلة كان يمكن لها أن تصب في تيار التغيير نحو تعبيد البشرية لله سبحانه وحده.
والأنانية الجماعية تتمثل في التعصب للأسرة، أو للمدينة، أو للجماعة، فيقتصر الولاء على تلك الجهة، وتبقى هذه الحالة تتجذر في النفس إلى أن تنسى قوله تعالى: ((إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) (سورة الحجرات:10) بفعل الأخوة الضيقة تلك ثم تتوالد الأخطار الفرعية الأخرى دون الشعور، والانتباه لها، فيتحول التقديس للمبدأ إلى تقديس لشخص، أو جماعة، أو كيان معين، وتتحول العصبية لله سبحانه إلى عصبية ضيقة لفلان وفلان، وبذلك يضيع الحق ولا يعرف، لأنَّه عرف بالرجال في الوقت الذي كان يجب أنْ تعرف الرجال به، ولا يعني كلامنا هذا دعوة إلى التخلي من هذه الولاءات، بل يجب أنْ نعرف أنَّ كل ولاء لأي كان لا يكون وسيلة لغاية هي الإسلام يعتبر ولاءً غير شرعي، وبناءً على هذا يجب أنْ نربي أنفسنا ونروضها للولاء للإسلام وحده، وإنَّ ارتباطنا بأي وسيلة نتولاها يجب أن نحكم عليه بمقدار تحقيقه للغاية (الإسلام)، وبذلك يكون بيننا وئام جماعي مبني على قاعدة متينة.
3- ومن النتائج المتولدة عن هذا الخطر هو سرعة الانحراف أو الوقوف في منتصف الطريق، فعندما يجاهد الإنسان المسلم، ويقدم التضحيات في المال، والنفس، والوقت وهو يشرك (الأنا) بشكل أناني في هذا الجهاد مع الله سبحانه بمعنى أنَّه يعطي، وفي قلبه جزء متجه لأنْ يلقى كلمة مدح، أو ثناء من أحد مثلاً، فإنَّه عندما لا يجد هذا المدح، سيبقى هذا الجزء من القلب فارغاً، وربما سيمتلئ بالغيض، أو على الأقل بعدم الرضا والقناعة، وبتكرر هذا الموقف سيتكثف الغيض ليمتد إلى الأجزاء الباقية من القلب، وهكذا يستمر التأزم النفسي، ليجد العقل بعد ذلك مبررات الوقوف من العمل الجهادي ثم الانحراف من بعد ذلك.
صحيح أنَّ للإنسان المجاهد حصانةً أخلاقيةً تجذرت داخل نفسه تمنعه حتى في حالة انحرافه من أن يمارس تلك السلوكية اللا أخلاقية، ولكنَّه - كما قلنا - سينحرف أو يتوقف عن مواصلة العمل الجهادي وبذلك يكون - على الأقل - لا يضمن لنفسه العاقبة الحسنة في طريق السير إلى الهدف الأسمى، رضاء الله تعالى.
4- ومن النتائج الأخرى للإثم الباطن، إذا فرضنا عدم الانحراف بأن شملته الرعاية الإلهية بشكل من الأشكال، ولمصلحة عامة، ووضعته في موقف لا يمكننا نحن من الخارج أنْ نتبين هذا الانحراف، فإنَّه في الأقل سوف لن يهتدي إلى سبل الله، وسيبقى قاصراً في التحصيل، مقصراً في الإنتاج، ضبابي الرؤيا، مهما كان موهوباً، بحكم قوله تعالى: ((والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنَا)) (سورة العنكبوت:69) فالهداية الإلهية تتناسب تناسباً طردياً مع الجهاد في الله، فبقدر ما يكون العمل الجهادي خالصاً لله وصاحبه متجرداً له سبحانه، وبقدر ما يكون هذا الجهاد واسع الدائرة، بقدر هذا كله تكون الهداية الإلهية للإنسان إلى سبل الله سبحانه، ونحن على ضوء هذا الفهم لهذه الآية الكريمة نستطيع أن نفسر تعملق المعصوم (ع)، كيف كان عملاقاً، ونقف على سر سموه، وعظمته...
إنَّ كل هذا نتاج الإثم الباطن الذي يجب على كل جماعة تريد لبنائِها التماسكَ، ولمسيرتِها الصعودَ، ولأمتِها الخلاصَ، والانعتاقَ أن تؤكد على تجاوز هذا الإثم وتحذر من الوقوع في شباكه باستمرار...

العلاج:
لقد قلنا قبل قليل إنَّ منبع هذا الخطر هو نقص حب الله الذي ينتج عنه حب الدنيا، فالعلاج إذن يجب أن يتجه إلى هذا المنبع، إلى القلب، وإلى ملئه بحب الله سبحانه وحده، ولا نعني بالحب هنا الحب الصوفي، وإنما نعني الحب الفاعل المنتج.
إنَّ هناك حقيقةً لا بد لنا من معرفتها قبل أنْ نعرف العلاج لنتمكن من معرفة تقييم هذا العلاج، إنَّ لدوافع القلب أثراً عميقاً في حركة التاريخ، فيتزاوج الدفع القلبي مع القناعات الفكرية وحركة الجسد، فيكون الإنتاج الحضاري، فكلما ضعفت العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة، أو كلما اتجه أحدها باتجاه مغاير، يكون النتاج قليلاً، والعكس صحيح، حيث ستكون الفاعلية أعظم، فعلي (ع) الذي كان يمتلك من القناعات الفكرية قممها بحيث أنَّه قال: ((لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً)) ويمتلك من الدفع القلبي أقصى ما يتحمله قلب بشر بحيث أنَّه كان يناجي ربه قائلاً: ((مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ، وَلا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ، لَكِن وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ)) الإمام علي (ع) هذا بتزاوج هذه الدوافع وتلك القناعات سجل في كليهما أرقاماً قياسية في عبادته، وسلطته، وجهاده...
فالضعف إذن في دوافع القلب بممارسة الإثم الباطن يشل حركة الجسد، ويؤثر عليها كما رأينا ذلك، فالتوجه إلى علاجه أمر ضروري لكل المخلصين العاملين لله ...
أما العلاج فيتحدد في طريقين: الطريق الفكري، والطريق العملي.
الطريق الفكري: ويتم على محورين:
1- المحور الأول: أن يعرف الإنسان موقعه ومهمته في هذا الكون، فكما يؤكد الإسلام في تصوراته المبثوثة في القرآن والسنة، جاءت البحوث العلمية تدعم ما ذهب إليه الإسلام في تصوره من أنَّ الله سبحانه قد خلق هذا الكون بكل ما فيه من أجل الإنسان، وإنَّ كل مخلوق - عدا الإنسان - لا يعيش لذاته وإنما لخدمة هذا الإنسان، فلما كان الأمر هكذا لا يسعنا إلا أنْ نعتقد بيقين أن لهذا الكائن البشري مهمةً ضخمةً، وعليه مسؤوليةً جسيمةً، تلك هي مهمة العبادة، عبادة الله سبحانه، أي أنَّ موقعه لا يعد وكونه عبداً لله، منفذاً لأوامره ونواهيه في كل حياته ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ)) (سورة الواقعة:58-65)
إذن فالله سبحانه هو سيد القدر، وتلك بديهة لدنيا ما أردنا بيانها؛ لندلل لأناس آمنوا بالله وسلكوا طريق الجهاد في سبيله، ولكننا أردنا أنْ نذكر بأنَّ مهمتنا هي أنْ نضع مسألة العبودية موضع التنفيذ في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، أنْ نتذكر هذه المهمة في كل الأحوال ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) (سورة الأنعام:162)
إنَّ مهمة العبودية لله سبحانه توجب على الإنسان أنْ لا يشرك بربه أحداً سواء أكانت نفسه متمثلة بأي غريزة من غرائزها أو أي إنسان مهما كان موقعه أو أي شيطان، وتلك مهمة ليست سهلة كل السهولة، ولكنها في حدود قدرة الإنسان؛ لأنَّ الله لا يكلف إلا وسعها، وبممارسة الجهاد الأكبر (جهاد النفس) تتذلل الصعاب، وقد قال سبحانه: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)) (سورة يوسف: 106) لنتأمل هذه الآية فإنَّها تتحدث عن شرك عند المؤمنين!! فنحن مع إيماننا وجهادنا، عندما نشرك بالله في جهادنا أية نزعة من نوازع النفس سواء أكانت حب الظهور مثلاً أو غيرها، إنما نكون قد ابتعدنا عن دائرة العبودية إلى عبادة الذات في هذا الجانب، وهذا يعني مغادرتنا لمواقعنا التي وضعنا الله سبحانه فيها، حيث أن توجه الإنسان المؤمن يجب أن يكون دائماً كما يرسمه القرآن الكريم في كثير من آياته: ((وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى )) (سورة القصص:60) وهذا هو السبيل النظيف، والصحيح، والمنتج لتحقيق (الأنا) بشكل غير أناني وبشكل نزيه ومقبول...
2- المحور الثاني: أنْ يعرف الإنسان علاقته بخالق الكون سبحانه: إنَّ معرفة العلاقة بالله سبحانه هي أسلوب آخر من أساليب العلاج بالطريق الفكري، فمنها معرفة كونه سبحانه معبوداً، ومنها معرفة أنَّه سبحانه قد جعلنا خلائف في الأرض نسعى لإعمارها بكل ما لكلمة (إعمار) من أشعة وظلال... ومنها معرفة عقد البيع الذي تم بيننا وبين الله سبحانه، واستذكاره بشكل دائم، ذلك هو الذي أوضحه قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)) (سورة التوبة:111) ، فنحن يجب أنْ نستحضر هذه المعاملة المقدسة التي ارتبطنا بها مع الله سبحانه؛ لنتصرف بأموالنا وأنفسنا وفق ما يشاء المالك الحقيقي، لا وفق ما نشاء نحن، وحتى عندما نمتنع عن المحرم لا نمتنع عنه باعتباره يسبب لنا ضرراً دنيوياً معيناً، فذلك باطن إثم، بل الصحيح أن يقترن منعنا من ممارسته، وكذلك الأمر بالنسبة للواجب وغيره من الأحكام الشرعية... كما ويجب علينا أنْ نستذكر وبشكل حضوري دائم أنَّنا محاسبون أمامه سبحانه عن كل شيء...
الطريق الثاني: طريق المزاولة العملية للعبادات المخصوصة، ومنها:
أ- الصلاة: وليست الصلاة اليومية الواجبة بل النوافل المستحبة، وبالأخص (صلاة الليل) فإنَّها تشكل خط دفاع أول لمحاربة الشيطان والنفس، وتوجد حساسيةً قلبيةً، وحباً لله سبحانه لا يوجدها غيرها، ولا يعرفها إلا من مارسها، وواظب عليها.
ب- الصيام: ولا نعني به الصوم الواجب أيضاً، فإنَّه أمر طبيعي أنْ نمارسه، بل نعني به الصيام المستحب، فإنَّ هناك أياماً كثيرةً خلال السنة الصوم فيها مندوب.
إنَّ للصوم قابليةً خاصةً بالارتفاع بالإنسان إلى مستوى التقوى، الحصن المنيع من السقوط في الإثم الباطن، ومن كل إثم...
ج- قراءة القرآن وحفظ ما يمكن من الآيات والسور مع فهم معناها حيث إنَّ القرآن يشكل دافعاً عظيماً نحو الاستقامة الكاملة في السلوك.
د- الأدعية والأذكار، ونحن نملك ثروة من الدعاء غزيرة وبالأخص ما تحويه الصحيفة السجادية، قال تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)) (سورة طه:130) ، وقوله تعالى: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)) (سورة الأعراف: 205)
هـ - الإنفاق في سبيل الله: وهو ليس الأخماس والزكوات فحسب بل الإنفاق في كافة الطرق المؤدية إلى الله سبحانه المقربة منه...
و- كتم كل هذه الممارسات ومحاولة عدم ذكرها أو التفاخر بها، فإنَّ ذلك هو صميم الإثم الباطن، بل إنَّ محاولة التفاخر بها تنشئ في النفس رياء من أشنع أنواع الرياء...
((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)) (سورة آل عمران:8)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com