موقع الصراط ... الموضوع : الرسالة
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الرسالة  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم السيد الشهيد محمد باقر الصدر
الرسالة: هي الإسلام، دين اللَّه الذي بعث به محمّداً صلى الله عليه و آله رحمةً للعالمين.
وقد استهدف الإسلام قبل كلّ شي‏ء ربط الإنسان بربّه وبمعاده.
فمن الناحية الاولى: ربط الإنسان بالإله الواحد الحقّ الذي تشير إليه الفطرة، وأكّد وحدة الإله الحقّ، وشدّد على ذلك؛ لكي يقضي على كلّ ألوان التأ لّه المصطنع، حتى جعل من كلمة التوحيد ((لا إله إلا اللَّه)) شعاره الرئيسي.
ولمّا كانت النبوّة هي الوسيط الوحيد المباشر بين الخلق والخالق، فشهادة هذه النبوّة بوحدة الإله والخالق وارتباطها بالإله الواحد الحقّ تعتبر أساساً كافياً لإثبات التوحيد.
ومن الناحية الثانية: ربط الإنسان بالمعاد؛ لكي تكتمل بذلك الصيغة الوحيدة القادرة على علاج التناقض، والتي تحقّق العدل الإلهي في نفس الوقت، كمامرّ بنا سابقاً.
[خصائص الرسالة الإسلاميّة:]
وللرسالة الإسلامية خصائصها التي تميّزها عن سائر رسالات السماء، وسِماتها التي جعلت منها حدثاً فريداً في التاريخ.
وفي ما يلي نذكر عدداً من الخصائص والسِمات بإيجاز:
أوّلاً: أنّ هذه الرسالة ظلّت سليمةً ضمن النصّ القرآني دون أن تتعرّض لأيّ تحريف، بينما مُنِيت الكتب السماوية السابقة بالتحريف، وافرغت من كثير من محتواها، قال اللَّه سبحانه وتعالى: ((إنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))
واحتفاظ الرسالة بمحتواها العقائدي والتشريعي هو الذي يمكّنها من مواصلة دورها التربوي، وكلّ رسالة تفرغ من محتواها بالتحريف والضياع لا تصلح أداة ربط بين الإنسان وربّه؛ لأنّ هذا الربط لا يتحقّق بمجرّد الانتماء الاسمي، بل بالتفاعل مع محتوى الرسالة وتجسيدها فكراً وسلوكاً، ومن أجل ذلك كانت سلامة الرسالة الإسلامية بسلامة النصّ القرآني الشرط الضروري لقدرة هذه الرسالة على مواصلة أهدافها.
ثانياً: أنّ بقاء القرآن نصّاً وروحاً يعني أنّ نبوّة محمدٍ صلى الله عليه و آله لم تفقد أهمّ وسيلة من وسائل إثباتها؛ لأنّ القرآن وما يعبّر عنه من مبادئ الرسالة والشريعة كان هو الدليل الاستقرائي، وفقاً لما تقدّم على نبوّة محمد وكونه رسولًا، وهذا الدليل يستمرّ ما دام القرآن باقياً.
وخلافاً لذلك النبوّات التي يرتبط إثباتها بوقائع معيّنة تحدث في لحظة وتنتهي، كإبراء الأكمه والأبرص، فإنّ هذه الوقائع لا يشهدها عادةً إلا المعاصرون لها، وبمرور الزمن وتراكم القرون تفقد الواقعة شهودها الأوائل، ويعجز الإنسان غالباً عن الحصول على أيّ تأكيد حاسم لها عن طريق البحث والتنقيب، وكلّ نبوّة لا يمكن التأكّد من دليلها لا يمكن أيضاً أن يكلّف اللَّه سبحانه وتعالى بالاعتقاد بها، أو البحث عن وسيلة لإثباتها، إذ ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إلّاما آتَاها)). ونحن اليوم نعتمد في إيماننا بالأنبياء السابقين- صلوات اللَّه عليهم- وبمعاجزهم على إخبار القرآن الكريم بذلك.
ثالثاً: أنّ مرور الزمن- كما عرفنا- لا ينقص من قيمة الدليل الأساس على الرسالة الإسلامية، ولكن ليس هذا فقط، بل إنّه أيضاً يمنح هذا الدليل أبعاداً جديدةً من خلال تطوّر المعرفة البشرية، واتّجاه الإنسان إلى دراسة الكون بأساليب العلم والتجربة؛ وليس ذلك فقط لأنّ القرآن الكريم سبق إلى الاتّجاه نفسه وربط الأدلّة على الصانع الحكيم بدراسة الكون والتعمّق في ظواهره، ونبّه الإنسان إلى ما في هذه الدراسة من أسرار ومكاسب؛ بل لأنّ الإنسان الحديث يجد اليوم في ذلك الكتاب- الذي بشّر به رجل امّي في بيئة جاهلة قبل مئات السنين- إشاراتٍ واضحةً إلى ما كشف عنه العلم الحديث، حتى لقد قال المستشرق الانجليزي (أجنيري)- استاذ اللغة العربية في جامعة اكسفورد- عندما اكتشف العلم دور الرياح في التلقيح: (إنّ أصحاب الإبل قد عرفوا أنّ الريح تلقّح الأشجار والثمار قبل أنّ يتوصّل العلم في اوروبا إلى ذلك بعدّة قرون)
رابعاً: أنّ هذه الرسالة جاءت شاملةً لكلّ جوانب الحياة، وعلى هذا الأساس استطاعت أن توازن بين تلك الجوانب المختلفة وتوحّد اسسها، وتجمع في إطار صيغة كاملة بين الجامع والجامعة، والمعمل والحقل، ولم يعد الإنسان‏ يعيش حالة الانشطار بين حياته الروحية وحياته الدنيوية.
خامساً: أنّ هذه الرسالة هي الرسالة السماوية الوحيدة التي طبّقت على يد الرسول الذي جاء بها، وسجّلت في مجال التطبيق نجاحاً باهراً، واستطاعت أن تحوّل الشعارات التي أعلنتها إلى حقائق في الحياة اليومية للناس.
سادساً: أنّ هذه الرسالة بنزولها إلى مرحلة التطبيق دخلت التاريخ وساهمت في صنعه؛ إذ كانت هي حجر الزاوية في عملية بناء امّة حملت تلك الرسالة واستنارت بهداها. ولمّا كانت هذه الرسالة ربّانيةً وتمثّل عطاءً سماوياً للأرض فوق منطق العوامل والمؤثّرات المحسوسة نتج عن ذلك ارتباط تاريخ هذه الامّة بعامل غيبي، وأساس غير منظور لا يخضع للحسابات المادية للتاريخ.
ومن هنا كان من الخطأ أن نفهم تاريخنا ضمن إطار العوامل والمؤثّرات الحسّية فقط، أو أن نعتبره حصيلة ظروف مادية، أو تطور في قوى الإنتاج؛ فإنّ هذا الفهم الماديّ للتاريخ لا ينطبق على امّة بُني وجودها على أساس رسالة السماء، وما لم ندخل هذه الرسالة في الحساب كحقيقة ربّانية لا يمكن أن نفهم تاريخها.
سابعاً: أنّ هذه الرسالة لم يقتصر أثرها على بناء هذه الامّة، بل امتدّ من خلالها ليكون قوةً مؤثّرةً وفاعلةً في العالم كلّه على مسار التاريخ. ولا يزال المنصِفون من الباحثين الاوروبيّين يعترفون بأنّ الدفعة الحضارية للإسلام هي التي حرّكت شعوب اوروبا النائمة من نومها ونبهّتها إلى الطريق.
ثامناً: أنّ النبي محمداً صلى الله عليه و آله الذي جاء بهذه الرسالة تميَّز عن جميع الأنبياء الذين سبقوه بتقديم رسالته بوصفها آخر اطروحة ربانية، وبهذا أعلن أنّ نبوّته هي النبوّة الخاتمة، وفكرة النبوة الخاتمة لها مدلولان:
أحدهما: سلبي، وهو المدلول الذي ينفي ظهور نبوّة اخرى على المسرح.
والآخر: إيجابي، وهو المدلول الذي يؤكّد استمرار النبوّة الخاتمة وامتدادها مع العصور.
وحينما نلاحظ المدلول السلبي للنبوّة الخاتمة نجد أنّ هذا المدلول قد انطبق على الواقع تماماً خلال الأربعة عشر قرناً التي تلت ظهور الإسلام، وسيظلّ منطبقاً على الواقع مهما امتدّ الزمن، غير أنّ عدم ظهور نبوّة اخرى على مسرح التاريخ ليس لأنّ النبوّة تخلّت عن دورها كأساس من اسس الحضارة الإنسانية؛ بل لأنّ النبوّة الخاتمة جاءت بالرسالة الوريثة لكلّ ما يعبّر عنه تاريخ النبوّات من رسالات، والمشتملة على كلّ ما في تلك النبوّات والرسالات من قيم ثابتة دون ما لابسها من قيم مرحلية، وبهذا كانت هي الرسالة المهيمنة القادرة على الاستمرار مع الزمن وكلّ ما يحمل من عوامل التطوّر والتجديد: ((وَأنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه))
تاسعاً: وقد اقتضت الحكمة الربّانية التي ختمت النبوّة بمحمد صلى الله عليه و آله أن تعدّ له أوصياء يقومون بأعباء الإمامة والخلافة بعد اختتام النبوّة، وهم اثنا عشر إماماً، قد جاء النصّ على عددهم من قبل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في أحاديث صحيحة اتّفق المسلمون على روايتها، أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وبعده الحسن، ثم الحسين وتسعة من آله على الترتيب التالي: علي بن الحسين السجاد، ثمّ محمد بن علي الباقر، ثمّ جعفر بن محمد الصادق، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ علي بن موسى الرضا، ثمّ محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثمّ الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن المهدي عليهم السلام.
عاشراً: وفي حالة غيبة الإمام الثاني عشر- عليه الصلاة والسلام- أرجع‏ الإسلام الناس إلى الفقهاء، وفتح باب الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com