موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-2
 
الثلاثاء - 6 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  1 ــ الطبع البشري:
يستقي النراقي رأيه حول الطبع البشري من نظرياته وأفكاره في علم الأخلاق، ويعتبر ((معراج السعادة)) أهمّ كتاب ألّفه في هذا العلم، وقد تضمّنت بعض بحوثه ترجمةً لمقاطع من كتاب جامع السعادات لوالده المولى مهدي النراقي. ويتطابق هذان الكتابان بشكل ملفت مع الفكر اليوناني، سيما عند أفلاطون وأرسطو، مع فارق أنّهما ــ النراقيان ــ يستقيان ما يؤيّدهما من الفكر الديني، علاوة على ما يتّصف به الفكر الأفلاطوني والأرسطي من الاعتدال.
إنّ ثمة ترابط خاص بين الأخلاق والسياسة في التعاليم اليونانية، وبالرغم من عدم طرح المسائل السياسية في إيران وخاصة عند النراقيين، إلاّ أنّنا نجد في هذا الكتاب مزجاً بين السياسة والأخلاق بشكل لا يكاد يفصل القارئ معه بينهما، ومن هنا، يمكن عدّه أحد مصادر الفكر السياسي عند الفاضل النراقي.
ويشبه النراقي في هذا المجال كلاًّ من أفلاطون وأرسطو، حيث يتعرّض في البدء إلى تحليل الطبيعة البشرية، ولا يحدّها بحدود العامل الواحد، فالإنسان ليس شرّاً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً، بل هو موجود مركّب من الروح والبدن، تتجاذبه نزعات وميول ينبغي عليه أن يعتدل في الاستجابة لها.
وتبتني المفاهيم الأخلاقية جميعها لدى المسلمين وآراء النراقي في كتاب ((معراج السعادة)) على هذه النظرة من التحليل اليوناني، يقول النراقي في هذا المجال: ((إنّ حضرة الربّ المتعال والملك الذي لم يزل ولا يزال ــ عزّ شأنه وعظم سلطانه ــ معمار ذو قدرة فائقة، ورئيس ذو حكمة شاملة، لمّا بنى (مدينة الوجود)، وأمر سكّان صحراء العدم بالرحيل إليها بأمر ((كن))، فأسكن كلّ طائفة وكلّ قوم في موضع منها، ففي المحلّة العالية جعل سبع قباب في السموات السبع الصافية، وأسكن فيها مجاميع الفُلكيين [الملائكة]، وبنى في المحلّة السفلى بيت الأرض من سبع طبقات، وأسكن فيها الأرضيين [البشر والجن وغيرهم] واتخذ لـ(بني الإنسان) الذي يعرف كلا الطائفتين [الفُلكيين والأرضيين] محلّة وسطى، وفتح له من القوى الأربعة أربعة بساتين، وجعل صحنها الربع المسكون، وفيه أربعة أنهر ترتبط بالأبحر السبعة، فأرسل إليها آدم أبو البشر مع قومه، وأخدمه جميع الماديات... ولمّا كانت حياتهم قد نسجت من الشهوات، وطال بهم الأمل، مما دعى كلّ واحد منهم لارتكاب أنواع الفساد، فقد كان هذا كلّه سبباً في انحرافهم عن الجادّة القويمة))
فالبدن البشري كما يصوّره النراقي ((مملكة))، وقد سخّر الله تعالى الخالق البارئ لهذه الروح أعضاءَ وجوارح وحواس وقوى ظاهرية وباطنية وجنود وخدم، واختار منها رؤوساء وقوّاد أربعة هي: العقل، والشهوة، والغضب، والوهم، وما عداها تعمل بأمرها وتحت تصرّفها.
يقول النراقي بهذا الصدد: ((... إعلم أن ما عدا هذه القوى الأربعة من القوى الظاهرية والباطنية ليس لها سيادة ولا رئاسة، بل كلّ واحدة منها محكومة لحاكم يحكمها في مملكة البدن))
ويشبّه النراقي هذه القوى الأربع بأربعة قوى فاعلة ومؤثرة في عالم السياسة، فالعقل وزير لملك البدن وهو الروح، والشهوة كعامل الخراج الذي يتصف بالطمع والكذب، والغضب كرئيس الشرطة من صفاته أنّه حادّ الطبع والمزاج، سريع التهوّر، يتطاير منه الشرر، والوهم شغله المكر والخداع والاحتيال والخيانة. ولكل من هذه القوى نزعات واقتضاءات يضاد بعضها الآخر ويخالفه.
ويشير إلى ذلك النراقي قائلاً: ((... والبدن ساحة صراع لهذه القوى الأربع المتحاربة دوماً، فتظهر فيها تارة آثار الملائكة والقدّيسين، وتارة أخرى أفعال البهائم والدواب، وثالثة طبائع السباع والوحوش، ورابعة آثار الشياطين والأبالسة، وهكذا الأمر حتى تغلب وتقهر إحدى هذه القوى سائر القوى الأخرى، ثم تظهر آثارها في الأنا بشكل متتابع ومستمرّ حتى يلج صاحبها في عالمها الخاص، فإذا ظهر سلطان العقل بدت آثار الملائكة في مملكة النفس، وانتظمت أمورها ودخل صاحبها في صفّ الملائكة، وإذا كان الظهور لغير قوّة العقل خربت مملكة النفس، واختلّ أمر المعاش والمعاد، ودخل صاحبها في زمرة البهائم أو السباع أو الشياطين))
من هنا، يسعى النراقي إلى تعديل هذه القوى الأربع في النفس الإنسانية، فيحاول التعرّف على الحالة المرجوّة ــ وهي الحالة الوسط ــ في كلّ واحدةٍ من هذه القوى، ويركّز النراقي على مفاهيم ((الاعتدال والوسطية)) في الفكر اليوناني، فكلّ حسن وشرف لا ينال إلاّ بالاعتدال، وفضيلة كلّ واحدة من هذه القوى يكمن في الوسطية والاعتدال فيها، فـ((الحكمة)) إفراز للاعتدال في القوّة العاقلة، كما أنّ ((الشجاعة)) إفراز لاعتدال القوّة الغضبية، وهكذا ((العدالة)) إفراز للقوّة الوهمية، وأخيراً ((العفّة)) ثمرة اعتدال القوّة الشهوية.
ثم يضيف النراقي: أنّ المقصود بالعدالة إطاعة القوّة الوهميّة للقوّة العاقلة وتبعيتها لها في جميع تصرّفاتها، أو توقّف تداعيات القوة الغضبية والشهوية تحت سيادة العقل والشرع، فالعدالة تستلزم اجتماع القوى واتفاقها تحت لواء القوّة العاقلة.

العدالة أفضل الفضائل الإنسانية:
ألمحنا إلى أن النراقي يرى الصفات الأربع التي تشكّل بمجموعها قوام الفضيلة عبارةً عن الحكمة، والشجاعة، والعفّة، والعدالة، فكلّ واحدةٍ من هذه الصفات إذا اشتمل عليها شخص فقد تحقّق له من الفضيلة بقدرها، وإذا اجتمعت له كلّها فقد أصاب الفضيلة بتمامها وكمالها، ومن هنا تستدعي العدالة الاعتدال في القوى النفسانية جميعها، فالعدالة أفضل الفضائل وأشرف الكمالات.
يقول النراقي: ((اعلم أنّ العدالة هي أفضل الفضائل وأشرف الكمالات؛ لأنّها تجمع ــ كما عرفت ــ جميع الصفات الكمالية، بل هي عينها. كما أنّ الجور الذي هو ضدّها مجمع لجميع الرذائل، بل هو عينها. كيف وقد علمت أنّ العدالة ملكة في النفس تقدر على تعديل الصفات وضبط الأفعال ورفع النـزاع والخلاف بين القوى الإنسانية المتضادّة على نحو يحصل بينها الاتحاد والانسجام)).
((فجميع الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة متفرّعة على العدالة، ولذا قال أفلاطون بأنّ العدالة إذا حصلت للإنسان صار نورانياً، وتنوّرت جميع أجزاء نفسه، واكتسب كل جزء من الجزء الآخر نوراً وضياءً...)).
((إنّ من خاصيّة العدالة أن تؤلّف بين الاُمور المتباينة وتسوّي بين الأشياء المتخالفة، فتزيل غبار النـزاع والجدل والخلاف عن قوى النفس المؤثّرة، وتعود بها من حالات الإفراط والتفريط إلى الحدّ الوسط الذي هو أمرٌ واحد لا تعدّي فيه، بخلاف الأطراف التي تتّصف بالكثرة... وكلّما ابتعدت من التركيب والكثرة واقتربت من الوحدة كان ذلك أشرف وأحسن... بل التحقيق يثبت أنّ كلّ شرف وحسن فإنّه ثابت بطريق الاعتدال)).
((.. أجل إن (الوحدة) وإن كانت عرضيةً إلاّ أنّها تحمل في طيّاتها رائحة قميص المعرفة به، وتراب ارتسمت على صفحته أثر قدم الحبيب.. كما أنّ نور وجود كلّ موجود منها، فكلّ وحدة في هذا الوجود هي ظلّ للوحدة الحقّة، كما أنّ كلّ اتحاد بين المتباينات هو من تلك الوحدة)).
إنّ الخواص المذكورة للعدالة كما هي عظيمة الآثار بالنسبة للأفراد، كذلك هي عامل ثبات واتحاد على الصعيد السياسي والاجتماعي، بحيث تفوق فضيلتها سائر الفضائل الاجتماعية الأخرى، وسنشير لاحقاً إلى دور العدالة وأثرها في الحياة الاجتماعية عند النراقي، مكتفين بالإشارة إلى أنّه يرى أن كلّ فُرقة سيئة وكلّ وحدة حسنة؛ لأنها ((أثر لوحدته سبحانه))، وعليه فالدولة أو المجتمع الصالحين والناجحين هما اللذان يحتلّ فيهما الفرد موقعه المؤهّل له، والذي لا يتجاوزه إلى غيره من المواقع. فينبغي لأفراد المجتمع والأصناف والمجموعات كافّة أن تنقاد لأمر القائد المطلق لتحقيق الثبات والوحدة في المجتمع، ومن ثمّ تحقيق العدالة فيه.
ويرى النراقي تساوي القوانين التي تسهّل الحياة الاجتماعية مع المقرّرات والتعاليم التي تسعى لتهذيب الأخلاق وتطييب المحتد والأعراق، فلو أراد الإنسان أن يستثمر مواهبه جميعها لينال الكمال فعليه أن يجعلها في طريق القانون الذي تكفّل هداية الناس كافّة، ولكن أيّ قانون هذا؟ إنّه القانون الإلهي الذي يجمع بين مختلف أبناء الأسرة البشرية في إطار سياسي واحد، ومصدر هذا القانون هو الوحي الإلهي بواسطة الأنبياء (ع).

الفروق الطبيعية بين البشر:
لكلّ إنسان بالقسر طبيعة ومسؤولية ملزم بها، وممّا يذكره النراقي ــ علاوة على ما ذكره سابقاً في بحثه حول تكوين الإنسان من كون الإنسان موجوداً مركباً وذا رغبات وميول عديدة، وأنّه بحاجة إلى صفة العدالة والاعتدال لتعديل هذه الرغبات ــ أنّ أفراد البشر ليسوا متساوين في مواهبهم وقدراتهم الذاتية لتحمّل وظائفهم الاجتماعية.
يرى النراقي ــ في نظرةٍ للنظام العام ــ أنّ انعدام الإمكانات المتكافئة بين الأفراد أمر مراد للخالق، فالمصلحة العامّة في النظام تستدعي أن يكون لكلّ فرد مسؤوليته وواجبه، ومن جهة أخرى، كل فعل يستدعي اقتضاءً خاصّاً، لذا فإنّ اقتضاءات الأفراد وقابليّاتهم تقع في طريق المصلحة العامّة للنظام.
أجل إنّ لكلٍّ عمله ومهارته الخاصّة به
ولكّل شخص ما يناسبه من السياسة
إن عمل صانع جلّ الحمار هو صناعة الجلال حسب
فأنى له خياطة الثوب المرصّع بالديباج والذهب
إذا أراد تولّي قيادة السفينة.
أدّى ذلك إلى غرقه وغرق غيره
إن ترك الحقّ سبحانه الإنسان وما يعمل ولم يشغله بعمل خاص
فإنه سوف تُترك أعماله ولا يتولاها أحد
فيؤدّي ذلك إلى اختلال النظام
وبهذا الطريق فإنّ الله الظاهر الباطن
قد يسّر لكلّ عمل عاملاً
فإذا تجاوز الإنسان ما خُلق لأجله
خسر رأس المال والربح معاً
كل من يترك عمله فقد عرّض نفسه للخسارة والضرر
كل من يدّعي العقل والتفكّر
امتدت أيدٍ من الغيب لتلطمه على فيه.
ويخلص النراقي في تحليله لطبيعة الإنسان إلى نتيجتين مهمّتين لهما دور مهم في فهم ما سيأتي له من آراء:
النتيجة الأولى: يختلف سلوك الناس ونزعاتهم فيما بينهم لاختلاف طبائعهم وتضادّها، وعلى رأسها الطبائع الأربع.
النتيجة الثانية: يختلف الناس فيما بينهم اختلافاً أساسياً فـ((كلّ قد يسّر لعمل ما)).
وهنا بقيت نقطة مهمة أخرى في فكر النراقي لا يمكن إغفالها والإغماض عنها، لعدم إمكان ديمومة فكره بشكل منطقي بدون لحاظها، وهي استشراف رأيه في طريقة تكوين المجتمع البشري وضرورته.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com