موقع الصراط ... الموضوع : أدب الأنبياء-1
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أدب الأنبياء-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)) (الأنعام:90)
لم تطرح قصص الأنبياء (ع) في القرآن كي نقضِ بها وقتاً مُمتعاً، ونتسلى بها كما نتسلى بالقصص الأخرى، بل جاءت؛ لترسخ دعائم التوحيد في نفوسنا، ولتعبدنا لله تعالى، ولنتخذ من رسل الله تعالى أسوة وقدوة، ونتخلق بأخلاقهم، ونتأدب بآدابهم، ونحمل أعباء الدعوة إلى الله تعالى، ونضع أقدامنا حيثما وضعوا أقدامهم ونقتبس من حياتهم الشريفة الدروس والعبر ((وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) (هود:120)
ويقول تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (يوسف:111)
(لقد كان هذا القصص ينزل على رسول الله (ص) في مكة، والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها، والدعوة مجمدة فيها، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون النهاية. فكان هذا القصص يكشف لهم عنه نهاية الطريق ويريهم معالمه في مراحله جميعاً ويأخذ بأيديهم... وينقل خطاهم في هذا الطريق)
إذن في قصصهم العبر والدروس التي تعمق الإيمان في القلوب، والصبر على المشاق المرة التي يواجهونها في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، والتصديق لما سبقهم من الرسالات السماوية، وتفصيل وبيان كل ما نحتاجه في حياتنا من الهداية والرحمة.. وهذا لا يدركه إلا ذوي العقول السليمة من المؤمنين الذين يتدبرون تلك القصص ويعرفون ما فيها من الأسرار والعبر التي ترسم للمؤمن مسيره إلى الله.
(وقصص الأنبياء في القرآن يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل، ويعرض قصة الدعوة إلى الله، واستجابة البشرية لها جيلا بعد جيل، كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة المختارة من البشر، وطبيعة تصورهم للعلاقة بينهم وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم.. وتَتَبع هذا الموكب الكريم في طريقه اللاحب يفيض على القلب رضى ونور وشفافية، ويشعره بنفاسة هذا العنصر العزيز - عنصر الإيمان - وأصالته في الوجود. وكذلك يكشف عن حقيقة التصور الإيماني، ويميزه في الحس من سائر التصورات الداخلية... ومن ثم كان القصص شطراً كبيراً من كتاب الدعوة الكريم)
ولما كانت حياتهم واسعة متشعبة بسعة الرسالة الإلهية التي تشكل جميع جوانب الكون والحياة مبتدأ ومنتهى، غاية وهدفا إذن فلنقف على الجانب الأدبي من حياتهم أدبهم مع الله، وأدبهم مع الناس، وأدبهم مع أنفسهم.
وقبل ذلك لابد أن نعرف معنى الأدب.
لا نقصد بالأدب المعنى المتعارف اليوم من تزيين الأقوال بالألفاظ والعبارات الرنانة، والجمل المنمقة، لسحر القلوب، وجذب النفوس لا سيما بعد أن دخلت الآداب المسالك المبتذلة من القصص الخليعة الفاحشة، والأفلام المفسدة والمسرحيات الفاحشة المدمرة للقلوب والنفوس. وإنما نقصد بالأدب ترويض النفس وحملهما على التخلق بمكارم الأخلاق، وتطهيرها من مذام الصفات والأفعال، والتخلي عن الرذائل كلها.
فالمعنى المقصود للأدب (عبارة عن رياضة النفس على التخلق بمكارم الأخلاق والتجنب عن مساوئها، والتحلي بمحامد الأوصاف والتخلي عن رذائل السجايا والأدب عندهم هو الملكة الحاصلة من الرياضة المذكورة)
وبعبارة أوضح: أن الأدب المقصود هو الهيئة الحسنة في الأمور المشروعة والمستحسنة عند العقلاء والشارع المقدس فالأدب هنا فيما أقره الشرع والعقل ولا أدب في ما خالفهما كالظلم والخيانة والكذب والمكر يقول العلامة الطباطبائي:
(الأدب - على ما يتحصل من معناه - هو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليه الفعل المشروع إما في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم كآداب الدعاء، وأدب ملاقاة الأصدقاء، وان شئت قلت: ظرافة الفعل)
وتختلف الآداب من مجتمع إلى آخر حسب معتقداته، وأفكاره، وأعرافه وتقاليده، فلرب أدب حسن عند مجتمع قبيح عند مجتمع آخر، ولكن الموقع الأساس بين جميع المجتمعات هو الحسن (فلا أدب في الظلم والخيانة والكذب، ولا أدب في الأعمال الشنيعة والقبيحة ولا يتحقق أيضاً إلا في الأفعال الاختيارية التي لها هيئات مختلفة)
وأما الاختلاف: (فهو بحسب المقاصد الخاصة في المجتمعات انتج ذلك ضرورة اختلاف الآداب الاجتماعية الإنسانية فالأدب في كل مجتمع كالمرآة يحاكي خصوصيات أخلاق ذلك المجتمع العامة التي فيهم مقاصدهم في الحياة)
ولما كان الأدب يتبع المقاصد والغايات فإن الأدب الإلهي النبوي (الذي أدب الله سبحانه أنبيائه ورسله (ع) هو الهيئة الحسنة في الأعمال الدينية التي تحاكي غرض الدين وغايته) وهو تعبيد الناس لله تعالى وتخليقهم بأخلاقه، وانتهاج منهجه السليم والإسلام لما كان دين ذات نظام شامل لجميع نواحي الحياة الإنسانية من دون استثناء شأن من شؤونها على حد سواء في الأمر اليسير أو الخطير؛ لذلك قد وضع لكل عمل أو سلوك أو علاقة أدبا خاصا به ورسم له هيئة حسنة تحاكي غايته فللدعاء والأكل والصداقة، والأخوة، والفتوة، والمعاشرة العائلية والاجتماعية، واللباس، والسير واللقاء.. الخ، أدبا خاصا به.. والغاية الأساسية هي بناء الحياة الاجتماعية على أساس التوحيد في مرحلتي الاعتقاد والعمل، ونقصد بمرحلة الاعتقاد هي تحديد وجهة النظر إلى الحياة والكون والإنسان،بحيث يدرك بالبرهان والوجدان أن له رباً واحداً وإلهاً لا يعبد سواه، منه بدأت حياته، وإليه تخضع أفكاره، وشعوره، وعواطفه، وسلوكه وإليه يرجع في مآبه. هذا على مستوى التوحيد النظري.وأما مرحلة العمل فإنه يخضع حياته لقواعد التوحيد إلى ظاهر سلوكه وباطن شعوره، وتبرز عبوديته لله في حركة من حركاته.
والأنبياء (ع) كانوا يجسدون الأدب الإلهي في أفكارهم وسلوكهم فكل حركة من حركاتهم، وكل سكنة من سكناتهم تمثل التوحيد الكامل وبلا استثناء ولذلك أمر الله نبيه الأعظم أن يقتدي بهداهم رغم كماله وسموه عليهم جميعا.. والإقتداء بالهداية يعني بالعمل لا بالاعتقاد، لأن الاعتقاد أمر اختياري...
وهذا الاقتداء ليس بشخصياتهم وإنما بأعمالهم فيستوحي منهم الصبر والثبات على طريق ذات الشوكة (فأمره تعالى أن يقتدي بهداية من سبقه من الأنبياء عليهم السلام لا بهم والاقتداء إنما يكون في العمل دون الاعتقاد فإنه غير اختياري بحسب نفسه أي أن يختار أعمالهم الصالحة المبنية على التوحيد الصادر عنهم عن تأديب عملي إلهي)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com