موقع الصراط ... الموضوع : الهم الإسلامي في شعر السيد محمد حسين فضل الله-1
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الهم الإسلامي في شعر السيد محمد حسين فضل الله-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  الدكتور شلتاغ عبود
مقدمة:
صلة السيد محمد حسين فضل الله

بالعقيدة الإسلامية صلة حميمة منذ نعومة أظفاره، فهو من أسرة دين وعلم وأدب. رضع مفاهيم الإسلام وشبّ عليها، سواءٌ في بيئته اللبنانية الجنوبية، أو في نشأة التحصيل العلمي في النجف الأشرف، وهي نشأة طالت آمادها، واستوعبت بعمق تيارات التحرك الفقهي والفكري والسياسي التي كانت تتفاعل وتمور في تلك البيئة التي امتازت بالحركة والحيوية المستمدة من تاريخها العريق في الصراع والمعرفة، ومن حاضرها المحاصر والمتحدي.
وعلى الرغم من أن كلّ شيء في بيئته الأولى أو الثانية كان يستحثّه على التحصيل العلمي الديني بجهد ودأب، فقد كان يستجيب لدواعي موهبته الشعرية المبكرة، فكان يقرأ ويطّلع على القديم والجديد مما يُنشر ويطبع، وكان كما يبدو من شعره شديد الولع بالتجارب الجديدة من الشعر الرومانسي ومن الشعر الحر بعد ذلك.
ومع تلك القراءات، كانت الكتابة والنشر في الصحف والمجلات اللبنانية والبغدادية والنجفية، وكان له حضور شعري في المناسبات والحفلات التي كانت تقام في بيئة النجف ذات الحساسية الشعرية العالية، وهي مناسبات يغلب عليها الاهتمام بإثارة الوعي الديني منذ مراحله المبكرة الأولى في الخمسينات.
وعلى الرغم من عدم تبلور الوعي الديني السياسي في السنوات المبكرة من العقد الخمسيني، فإن شعر السيد فضل الله يُنبىء بنباهة ووعي معمّق يصحبه حسّ شعري مرهف، لعلّ السيد اكتسبه من قراءاته في الاتجاه الرومانسي خاصة في الوجه الإيجابي الثوري منه، فضلاً عن الظروف الشخصية والسمات الذاتية لدى الشاب آنذاك، وهي ظروف لا نملك الوثائق التي تساعدنا على فهم التجربة الشعرية التي بين أيدينا، ولا نملك حتى المعرفة الشخصية القريبة التي تساعد على هذا الفهم. وسيكون اعتمادنا في هذه الدراسة على ديوان السيد الذي بين أيدينا، وعلى فهمنا للظروف السياسية والاجتماعية العامة في بيئة العراق ولبنان، إضافةً إلى فهمنا لظروف الصراع الحديث بين الإسلام وبين أعدائه في الخارج وفي الداخل من بين أبنائه والمنتمين إليه.
والذي يلفت انتباه الباحث في شعر السيد، هذا الحس الشعري الجديد الذي لم يُؤْلَف في البيئات الدينية العلمية، التي غالباً ما تنشدُّ إلى التراث الشعري القديم. والذي يؤكد هذا التوجه، ما نقرأه من شعر العلماء أو شعر الشعراء الذين نشأوا في بيئاتهم أو تأثروا بتوجيهاتهم، وإن لم يكن هذا الأمر عاماً، بل قد تشذُّ عنه بعض المواهب التي تخضع لدواعٍ ذاتية أو لدواعي التأثر بالتيارات الشعرية المعاصرة. والظاهر أن السيد، مع انتمائه إلى المؤسسة الدينية، اتجه اتجاهاً فنياً يغاير إلى حدٍ ما الاتجاه الشعري الذي كان الجو الديني يباركه ويغذّيه، مثله مثل شاعر عراقي من معاصريه في بيئة النجف، وهو الشيخ علي الشرقي، الّذي غلبت على بعض أشعاره المسحة الوجدانية، وكتابة المقطوعات ذات الطرافة والجدة بالنسبة إلى ما هو مألوف في البيئة العلمائية.
لقد استطاع السيد فضل الله بالشكل الشعري الذي كان يعد من الحديث، أن يعبّر عن الهم الإسلامي في مرحلة مبكرة، كما أشرنا، على الرغم من أن هذا الشكل بلغته الشفافة وصوره المجنحة، غالباً ما يناسب الأجواء الذاتية، وخاصة الطابع الحزين الذي يتغنى بالألم ويستمرئه وينعزل عن واقع الحياة ومشكلاتها إلى عالم الغاب والطبيعة والبحر والمرأة، وما يشب معها من عواطف وتأملات. بينما حرص شاعرنا على توظيف لغة الشعر الوجداني (الرومانسي) وصوره، لخدمة أغراضه وهمومه الإسلامية التي سنقف عند ملامحها في الصفحات التالية بشيء من الإيجاز.
على أنه من الملاحظ أن هذه الهموم أخذت تتّسع مع التطور الفكري والسياسي للسيد، إذ إن الهم الإسلامي كان فيه شيء من الحسّ القومي العربي، خاصة في السنوات الأولى من الخمسينيات في أوج الثورة المصرية. ولا غرابة في أن يكون الهم الإسلامي ملتصقاً بالهم العربي، لولا أنّ الهم العربي اتّخذ أو أُريد له أن يتخذ وجهةً أعطت ظهرها لعقيدة الأمة ومقوّمات حضارتها.

مفردات الهمّ الإسلامي:
الحق أنه من الصعب أن يتسع صدر هذه الصفحات للحديث عن اهتمامات الشاعر كما تبدّت في الديوان، ولكننا سنكتفي بالوقوف عند المفردات التالية.
أولاً: واقع المسلمين في العصر الحديث:
الناس أصناف من حيث النظر إلى واقع المسلمين وفهمه وعلاجه، ويهمّنا هذا الصنف الذي ينتمي إليه شاعرنا، وهو الصنف الذي يحترق ويتحوّل احتراقه إلى بركان وثورة، حين يتملى مشاهد هذا الواقع وهو يحسّه ويندكّ به في كل لحظة.
نجد هذا الاحتراق المتولد من النظر في الواقع في شعر السيد في مراحله الفكرية كلها، ولكننا نجده على أشدّه في مرحلته الأخيرة، وهي مرحلة الثمانينات التي كتب فيها يومياته الشعرية، كما ترى في هذا المقطع من يوم الثلاثاء:
ربِّ هبْ لي مع الثلاثاء، أن أحمل همّ الإنسان روحاً وفكرا
فتعود الحياةُ في خاطري معنىً يضمُّ الرسالةَ الطهرَ طُهرا
وتثور الخطى بدنيايَ تاريخ جهادٍ، أحياهُ سراً وجهرا
أن أهزَّ الأحلام حولي بروحٍ تدفع الحلمَ أن يحطم كفرا
أن تكون انطلاقة العمر في دنياي أن أعيش عمريَ حُرّا
وما الإنسان الذي يحمل همّه الشاعر، إلا الإنسان المسلم الذي تريد القوى التي تسيطر على العالم اليوم أن تسحقه مادياً، وأن تسلب روحه وفكره وحضارته. على أن هذا الحمل يريد له السيد أن يكون في الروح والفكر والممارسة الجهادية اليومية، حتى يتجسّد معنى الحرية عبر هذه الحركة والعطاء الدائم.
ينظر الشاعر الرسالي الغيور إلى الأمة، وهو الذي يحمل همّها، فيراها تنتهبُها الأفكار الوافدة الحقودة، ولكنها تتلبّس بالمفاهيم المغرية والشعارات التي تستهوي الشباب وترسم لهم الطريق مفروشة بالتقدم والازدهار، دون أن يدركوا إلى أية هوة سحيقة هم سائرون:
كلّ يوم لنا طريق يُمنّينا بأفقٍ يسمو عن التحديدِ
ومبادٍ تصارعت في حنايا نا.. فكلٌّ يُومي لنا بالمزيدِ
وجريْنا في البحر..والأُفق يقْتا دُ شعاعَ الصباحِ نحو الخُمودِ
وهدير الأمواج يقتحم الزورق والريحُ في هَياجٍ شديدِ
هكذا مآل هذا الرحيل غير الواعي نحو أوهام الغرب والمبادىء الوضعية التي عرضت علينا بوجوه مجمَّلة، تخفي القبح الحقيقي لأحقاد الغرب ونواياه، هكذا اقتادت الأمواج والرياح الشديدة زورقنا إلى الحيرة والذهول والضياع دون الوصول إلى ساحل الأمان الذي وُعدنا به ومُنّينا به خلال قرنين من الزمن، ونحن نركض وراء سراب الحضارة الأوروبية.
كنا نفعل هذا ونترك وراءنا زورق الإسلام وهَدْيَ رسوله ونور شريعته، ولم ندرِ أننا نسير في زورق من وعود خلّب ومعاهدات من ورق ليس وراءها ضمير أو ذمة:
وتركْنا في البرِّ زوْرقك الها دي، وسرْنا بزورقٍ من وُعود
هكذا.. نحنُ مسلمون.. ولكنْ بين كأسِ الهوى وحُمْر الخدود!!
ليس ندري من أمرنا غيْر أنا نملأُ الأفقَ ضجّةً بالعديد
والشاعر لا تمرّ به مناسبة من مجد، أو ذكرى من تاريخ الرسل والأئمة، إلا اغتنمها فرصةً لتذكير الأمة بحالتها الخاملة التي لا ينبغي أن تكون عليها أمة ذات شموخ وماضٍ عظيم في رحاب الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله(ص). ففي حديثه عن بطل الإسلام وإمام الأحرار علي بن أبي طالب(ع)، يعرض للمفارقة الصارخة التي عليها حالة الأمة، وهي تغذّ السير في ركب الرسالة وركب روّادها الأوائل، وحالتها المعاصرة التي استلبت منها كل طاقات الحيوية والطموح والريادة، فلم تعد للابن وظيفته التي أرادها الله له، ولم يعد المسلم مُسلماً كما أراد له هذا الدين، بل دان الخمول والقابلية للاستعمار والاستلاب في كل مظهر من مظاهر الحياة:
يا إمام الأحرار.. لم يعد الدين * بأعماقنا انطلاق شعورِ
يُلهبُ الشوط بالحياة ويقتادُ * السرايا إلى النضال المريرِ
إنه عاد باهتاً.. لا نرى فيه * سوى خفقة النزاع الأخيرِ
وهو وحي النضالِ في كلِّ * دربٍ وهو نور الحياة في الديجورِ
وهو تاريخُ أمةٍ لم يحرّرها * سوى زهوِ مجدهِ المأثورِ
إنه زورقُ الحياة إلى الشا * طىء..إن دَمْدمتْ رياحُ الشرور
إنه الكوكب الذي ينثر النو * رَ حياةً على الجناحِ الكسير
ولكنّ العيون لم تعد تبصر هذا النور، بل تغبّشت لديها الرؤية، وصارت تألف الظلام ووحشة الخرائب وريح السموم القادم من الغرب.
هذا واقع الأمة بعد مرحلة طويلة من العسف والتغريب الاستعماري المباشر، أسلمها بعده إلى أيدٍ أمينة مخلصة للغرب.. وهذا موضوع المفردة التالية.
ثانياً: حكام.. وظلم.. وفساد:
لا يُعد ما عانته أمة الإسلام على أيدي الحكم العربي المباشر شيئاً إزاء ما قام به الحكام العرب والمسلمون الذين نصّبهم الاستعمار بعد اختفائه وراء الستار. فالقتل والإبادة والتدمير وسرقة التراث ومحاربة مظاهر الوعي الديني، تتم هذه المرّة عبر الغيرة والوطنية وبأيدي عربية مسلمة، والناس لا يفهمون اللعبة ما دام الدستور يقول: (الإسلام دين الدولة الرسمي) وما دامت الإذاعة تخصص دقائق لقراءة القرآن، وربما ذهب الحاكم العربي أو المسلم إلى صلاة الجمعة، وربما ذكر اسم الرسول (ص) في حديثه. ولو بقي الحكم الأجنبي المباشر، لاستمرّت المقاومة، ولاستعادت الأمة حريتها الحقيقية، ولسارت على هدى شريعة بارئها لو اختارت الطريق.
وشاعرنا فضل الله ذو حساسية خاصة من هؤلاء الحكام، فهو يعرف أسرار اللعبة، وهو يعرف أنهم موظفون بدرجة ملوك أو رؤساء جمهوريات أو وزراء، فتراه ينبري لتعريتهم وتعرية الحاشية التي تجمّل وجوههم القبيحة، فيقول:
ويعيش سفّاحُ الشعوبِ وخلفَهُ * زُمرٌ تعبُّ من الدماء وتسجُدُ
يئد المبادىء كيف شاء، وإن يشأ * ديناً، فخلفَ الستر دينٌ يُولدُ
والمالُ للطاغين خير تجارةٍ * يُدنى بها هذا، وذاك يُبَعَّدُ
يهمي، فتنهلُّ الشفاهُ مدائحاً * بالعرش، إن العرش ربٌّ يُعبَدُ
وبهذا تكون الأمة هي صانعة الفراعنة، والممكنة للظالمين من رقابها، والممهدة لهم بالاستحواذ على مقدراتها، وسوقها سوق البهائم إلى حظائرها أو مذابحها. وهذا المعنى يردّده السيد الشاعر في شعره، ويشرك الأمة نفسها بالجرم ومساعدة الظالم، حتى لتكون الحقيقة أننا نحن الظلمة الحقيقيون:
أيُّ ظلم لم تنتصرْ فيه للظالم منّا أسِنَّةٌ ونُضُولُ؟
من هم الظالمون؟ من أين جاؤوا؟
أين كانوا؟ ومَن هو المسؤول؟
نحن سوط الطغيان، نحن سيوف البغي يستلُّها الدعيُّ الدخيل، وما الظالم إلا فرد عادي من الناس، فجاء زيدٌ وعمرو فكالا له المديح، وأغرى بالمال زيداً وعمراً آخرين، فكانا سوطه ويده التي يبطش بها، وأداته إلى الاستعباد والتنكيل بالناس. وهذا ما يصوغه السيد شعراً ينبض بالإدانة والتبكيت
ويعرض السيد الشاعر إلى حيل الحكام المحليين وأساليبهم في شراء الضمائر في هذا النموذج من شعر "التفعيلة"، حيث يجري الحديث على لسان الحاكم "الوطني"، فيقول:
تعالوا إليَّ.. فبالمالِ كلُّ شعاراتنا * تداعبُ أخيلة الناشرين
وبالمال كلُّ قطاعاتنا * تجمّع "ثورية" الرافضين
وبالمال نخرس من كلّ رأي * صداهُ.. بفلسفة الصامتين
تعالوا إلينا وفوداً وفوداً * فإنا نرحّب بالوافدين
لنا النفط ثروتنا.. فليكن* لنا باسمها قوةُ الواهبين
وإلا فنحن هنا.. بالرصاص * نُمارِسُ ألعوبة الحاكمين
حيث نوجه الاتهامات للأبرياء والمستضعفين، فنتهمهم بالجاسوسية والعمالة للأجنبي، ويصدق الناس الأوباش، لأنهم لا يسمعون وجهة نظر المظلوم ولا صوته، فمن أين له المنبر الإعلامي الذي يستطيع أن يعلن رأيه من خلاله؟!
سنقضي عليهم.. ألسنا هنا * لنخنقَ حرية الثائرين؟!
لنُخرسَ أصواتَهم.. إننا* نخافُ الصدى من فم الهادرين
وماذا علينا.. إذا كذّبتنا * الحقائقُ.. في ثورة الصادقين
لأن المال في يد والسلاح في يد، والكذب والتزوير والتمويه الإعلامي يظهر المجرمين أبطالاً أسطوريين، ومنقذين عماليق!!
ثالثاً: دماء الشهداء
ضحايا هذا الظلم هم الشهداء الذين يؤجّجون اللهب في روح الشعر، ويجعلون منه أداة بناء وتثوير، ويرسمون غد الأمة الذي يقتصّ من الظالمين في "تغابن" الدنيا قبل الآخرة. والسيد الشاعر العالم أقرب إلى هذا الجو، لأنه يشهد المظالم عن قرب، ويتحسسها بعمق، فرفاقه هم هؤلاء الضحايا والقرابين، فهم الشيخ عارف البصري، وهم الشيخ عبد العزيز البدري، وهم السيد محمد باقر الصدر وغيرهم كثير كثير، في جحافل تترى وترقى إلى معارج الرضوان الإلهي المنشود.
والشاعر هنا لا يبكي لهذه القرابين، بل تراه يستمدُّ منها قوّته، ويراها مصابيح هدى لمسيرة الأمة، ومعالم طريق من الصراع طويل. فهو يرى في هذه الشهادة سنة إلهية مستمرة. فما زالت في كل يوم كربلاء، وما زال في كل يوم يزيد وحسين، وشمر وحسين. فهو يخاطب الشهيد الصدر بهذه اللهجة الواعدة:
لأنك قوّة
لأن بعينيكَ سرَّ ائْتلاق النجوم
وفي روحك اليقظة الثائرة
وفي قلبك الحب للمتعبيين
لكل عيون الأسى الحائرة
لأن العيون التي حدّقت
بعينيكَ في الثورة الهادرة
رأت فيك روحاً كمثل الربيع
يرشّ الضحى في الخطى السائرة
هكذا كان الشهيد زاد الأمة في مسارها اللاحب... وسيبقى جرحها الفاغر الذي يبحث عن ثأر حتى يقال: يا لثارات الشهيد!!!
والسيد يُنطق الشهيد منذ مراحله الشعرية الشابة التي تفتحت على عالم من الشعارات الوطنية والقومية، وذلك في عام 1371ه، حيث يقول:
لا لن أموت.. ولن يجفّ دمي * حتى يرفَّ على المدى علمي
لا لن أموت.. وفي دمي شعل * من ثورةٍ مشبوبةِ الضرم
وعلى بلادي نيرُ مضطهدٍ * وعلى الخواطر نيرُ محتكم
وللشهداء والشهادة نصيب من اليوميات الإسلامية التي كتبها السيد في مرحلة العطاء الثرّ من الدماء في الثمانينات بعد الثورة الإسلامية المباركة في إيران، فقد ألهبت هذه الدماء الروح الشعري المتوقّد في الأساس لدى السيد، فصاغها أبياتاً من اللهب المقفّى في مرحلة من العمر متأخّرة، في خضمّ العمل الجهادي والفكري الدائب، ولكنه هاجس الشعر ونوازعه، فتراه يقف عند مقبرة الشهداء الذين كانوا وقود الثورة الإسلامية ونسغ الحياة فيها، فيقول:
يا جنان الزهراء هل ينبتُ الدم اخضراراً مورّداً في الشهادة؟
يا لمجد الشهيد، يبني الرسالات حياةً على دروب السعادة
ويثير الدنيا ويدفع بالتاريخ حتى يعيش فيها جهاده
ويهز العروش حتى يخرّ التاجُ من عرشه ويُلقي قياده
وعلى اسم التكبير عاشت سرايا الحقّ تبني لجيلنا أمجاده
رابعاً: في الصراع الحضاري
صراع الحقِّ ضد الباطل صراع قديم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما دام هناك بشر، وما دامت هناك مبادىء يؤمن بها البشر ويكافحون بها الأعداء. وصراع الإسلام ضد الكفر والظلام، كان منذ اللحظات الأولى من ولادته حتى يوم الناس هذا، ابتداءً من الشرك الوثني، ثم الضلال والحقد اليهودي، حتى العداء الصليبي اليهودي المعاصر، ولعله من أقسى حالات الصراع وأكثرها استهدافاً للقضاء على الإنسان والفكر والتاريخ، لأن الوسائل التي امتلكتها أوروبا المعاصرة، وسائل تدميرية رهيبة على شتى المستويات، وهي تستغلها في حقدها على الإسلام والمسلمين.
وشاعرنا على وعي تام بأهداف هذا الصراع وأدواته، لذلك تراه يستحثّ الأمة على الوعي، ويستنفر طاقتها في الرد للحفاظ على البقاء والدفاع أولاً، ثم الانتقال إلى مرحلة العطاء والتأثير...
وهو يرى أن الأمة بكل قطاعاتها وشبابها، خاصة إذا لم تدرك هدفها في الحياة، ورسالتها في هذا الوجود، سوف تكون طعماً سائغاً في حلبة الصراع الحضاري، وسوف ينتهي إنسانها وفكرها لتسود الأمم القوية الغالبة:
ليس يدري أنّ الشباب إذا لم * يُلهبُ الشوط بالصراع العنيدِ
سوف يهوي إلى قرارات دنيا * هُ جريحاً في أفقه المحدود
وصراع اليوم، وعداء الغرب اليوم للإسلام، قد يكون مقنَّعاً بأقنعة من الودّ والتعاون أو التلاقح الثقافي، ولكن غاياته النهائية هي الاستلاب والتغريب والمسخ، انطلاقاً من الحق القديم، ومن منطق القوي الذي يستأثر بمصير الضعيف ويعبث بمقدراته:
لا يزال الصراعُ تلعبُ دور الشرّ فيه عصابة الشيطانِ
في مجالٍ تجري السياسة فيه في سباق الأشكالِ والألوانِ
وعلى اسم الكفر المقنّع بالإسلام تسمو عبادة الأوثان
ويعيش الفقير في لعبة القوة في القهر في مدى الأشجان
وليس من مجال الشعر أن يخوض في تفاصيل الأساليب الاستعمارية القديمة أو الحديثة، ولكنه ينبه بلهجة عاطفية إلى الخطوط العامة للتوجه الذي يسير عليه أعداء الأمة. ومن هنا، تجد الشاعر ينبّه إلى اللعبة الاستعمارية التي سميت ب(الحماية) في الحرب العالمية الأولى، حتى لكأن الأمم مجموعة من الأيتام تحتاج إلى وصاية أوروبا إلى أن يحين سنّ رشدها!!
ومن عجبٍ أنّ هذه اللعبة تتم في غفلة من المسلمين، لأنها زُيّنت بلباس الاستقلال والحرية والازدهار الذي كان الغرب يعدُ العالم الإسلامي ويمنّيه بها، حتى إذا تمكن من قتل أبطاله وتشريدِ ثواره والسيطرة على عقول شبابه، من خلال تحكمه بمناهج التعليم ووسائل الإعلام والثقافة، قلب له ظهر المجن، وأعلن عن نواياه التي سبق أن تفوه بها الجنرال الفرنسي (غورو)، حين وقف على قبر صلاح الدين وقال: (ها قد عدنا يا صلاح الدين)(15). وهي الكلمة التي قال مثلها القائد الإنجليزي (اللنبي)، حين دخل القدس: (الآن انتهت الحروب الصليبية)!!
وإلى لعبة الحماية أو الوصاية هذه يشير السيد:
خدعوها باسم الحماية وامتدت يدٌ بالسلاسل الصمّاءِ
ترهق الشعب بالقيودِ وتهوي بسياط اللظى على الأبرياءِ
ثم هادت باسم التحرّر تدعونا.. لأحضانها وراء غطاءِ
وربحنا استقلالنا.. وملأنا الأُفق بالشعر والهوى والغناءِ
وتوارى الدخيلُ خلف ستارٍ من نفاقِ الحكام والزعماءِ
ثم كان التعبيد التدريجي لحضارة الغرب، وكان معه التدمير التدريجي لحضارة الإسلام وتاريخه وخلقه وبنائه خلال خمسة عشر قرناً... ومن المحزن أن اللعبة انطلت على كثير من الناس حتى يومهم هذا.
يتبع...
المصدر: موقع البينات
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com