موقع الصراط ... الموضوع : القرآن بصائر للناس
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القرآن بصائر للناس  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون * وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون))
(هذا) إشارة تعظيم وتفخيم للقرآن، وبيان لدوره في حياتنا الفكرية والروحية والعلمية، وتنبيه وتذكير بنعم الله الكريم المتمثلة في هذا القرآن، هذا العطاء لنْ يعدلَه عطاء، ولا يُقَيَّم بقيمة، ولا يحد بحدود الزمان والمكان؛ ولذا صار القرآن (غنًى لا فقر بعده، ولا غنًى دونه)
فتعلمه وتعليمه - إذا كان لله- أفضل وأسمى ما يعطى العبد، ورد عن النبي (ص) أنَّه قال: (من قرأ القرآن فظن أنَّ أحداً أعطي أفضل ممّا أعطي فقد حقَّر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله)
وقد وصف الله كتابه كما في الآية المتقدمة بثلاثة أوصاف لا يستغني البشر عن أحدها أبداً مهما كان، ومن كان، وأين ما كان، تلك الأوصاف هي:
1- بأنَّه بصائر: والبصائر جمع بصيرة، وهي القوة التي تدرك الحقائق العلمية، أو هي نور في القلب يدرك الدلائل الإلهية من خلال التفكر في آلاء الله ومخلوقاته؛ ليعتبر بالسنن الإلهية في الكون، فمعنى كون القرآن بصائر أنَّ (هذا القرآن دلائل ظاهرة، وحجج واضحة، وبراهين ساطعة من ربكم، يبصر الإنسان بها أمور دينه)
فالأدلة والبراهين القرآنية دلائل حق وصدق لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقول عِدلُ القرآن الإمامُ علي (ع): (واعلموا أنَّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان في عمى)
فالبصائر إذن هي الإدراكات العقلية مقابل البصر الذي يدرك الأشياء الحسية، روي في العقد الفريد: (دخل عقيل [بن أبي طالب] على معاوية، وقد كُفَّ بصره، فأجلسه معاوية على سريره ثم قال له: أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم! قال: وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم)
فالقرآن بصائر: أي دلائل تهدي إلى سبيل الرشاد في الدنيا والآخرة، فهو نور يكشف ظلمات الدروب أمام البشر، ويميز لنا الحق من الباطل، يقول علي (ع): (كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به) ، فالبصير إذن هو الذي يتلقى الكلمة (يستمع)، ويفكر، ويتأمل؛ ليشخص الحق من الباطل، والهدى من الضلال؛ يقول الإمام علي (ع): (فإنَّما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر)
ويقول (ع): (رحم الله امرأ تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر) فإذن البصيرة تحصل بالتفكر في خلق الله، والاعتبار بمواعظه وسننه.
2- هدى: القرآن كتاب هداية، وإرشاد، وصلاح، وإصلاح يقول الإمام الخميني: (هو كتاب المعرفة، والأخلاق، والدعوة إلى السعادة والكمال... [وهو] كتاب إحياء القلوب بالحياة الأبدية العلمية، والمعارف الإلهية)
( [وهو] كتاب الهداية، وهادي سلوك الإنسانية، ومربي النفوس، وشافي الأمراض القلبية، ومنير طريق السير إلى الله)
فالقرآن الكريم هو السبيل الوحيد لهداية البشر، يقول رسول الله (ص): (وهو الدليل يدل على خير سبيل)
وعنه (ص): (ومن طلب الهدى في غيره أضله الله)
3- ورحمة: أي فيوضات إلهية تغمر عباد الله من حملة القرآن الكريم التالين له، المتدبرين فيه، المتبعين أوامره، الداعين إلى مبادئه بإخلاص وتجرد عن كل غاية غير رضاه ((ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون))
((وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين))
وخلاصة الكلام أنَّ القرآن وصف بهذه الأوصاف الثلاثة: (بصائر تكشف وتنير، وهدى يرشد ويهدي، ورحمة تغمر وتفيض...((لقوم يؤمنون)) )
وبعد هذه الإشارة السريعة الدقيقة يأتي الأمر الإلهي صريحاً بوجوب الاستماع إلى هذا النداء الإلهي الكاشف المنير، والهادي الرشيد، والمفيض للعلم والمعرفة ((وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وأنصتوا لعلكم ترحمون))
اختلفت أقوال المفسرين والفقهاء في هذه الآية إلى عدة أقوال، فمنهم من قال بوجوب الاستماع مطلقاً، ومنهم من قال: يجب الاستماع في الصلاة لقراءة الإمام، ومنهم من قال إلى خطبة يوم الجمعة، والأكثر قالوا بوجوب الاستماع على المأموم إذا قرأ الإمام، وبالاستحباب في غير ذلك، وقد أورد صاحب مجمع البيان عدة روايات في ذلك، منها عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: (يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها، قال: وذلك على وجه الاستحباب)
وفي كتاب العياشي بإسناده عن أبي عبد الله (ع) قال: (قرأ ابن الكوا خلف أمير المؤمنين (ع): ((لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين)) فأنصت له أمير المؤمنين )
وعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: الرجل يقرأ القرآن، أيجب على من سمعه الإنصات له والاستماع؟ قال: نعم إذا قُرئ عندك القرآن، وجب عليك الإنصات والاستماع)
وهذه الرواية صحيحة سنداً، فعبد الله بن أبي يعفور قال عنه النجاشي: (ثقةٌ ثقة، جليل في أصحابنا، كريم على أبي عبد الله (ع) )
وروى الكشي، عن زيد الشحام قال: (قال لي أبو عبد الله (ع): ما وجدت أحداً أخذ بقولي، وأطاع أمري، وحذا حذو أصحاب آبائي غير رجلين رحمهما الله: عبد الله بن أبي يعفور، وحمران بن أعين، أما إنَّهما مؤمنان خالصان من شيعتنا، أسماؤهم عندنا في كتاب أصحاب اليمين الذي أعطى الله محمداً)
ويقول (ع): (ما وجدت أحداً يقبل وصيتي، ويطيع أمري إلا عبد الله بن أبي يعفور)
هذا سند الرواية أما متنها فواضح صريح بوجوب الإنصات والاستماع في قوله (ع): (إذا قرئ عندك القرآن...)
ولا بد أن نشير أنَّ هناك فرقاً بين السماع والاستماع، فـ(الاستماع أبلغ من السمع؛ لأنَّه إنَّما يكون بقصد، ونية، وتوجيه الحاسة إلى الكلام لإدراكه، والسمع: ما يحصل ولو بغير قصد، والإنصات: السكوت لأجل الاستماع حتى يكون شاغلاً عن الإحاطة بكل ما يقرأ... والآية تدل على وجوب الاستماع والإنصات للقرآن إذا قُرئ)
وروايات أهل البيت (ع) المتقدمة تدل على الوجوب.
وقد كان المشركون من قريش يتخوفون من الاستماع إلى كتاب الله تعالى خشية من أن يؤثر فيهم؛ ولذلك لما عجزوا عن معارضته احتالوا على غيرهم، وتواصلوا بترك الاستماع له، واللغو أثناء تلاوته بحيث لا يتمكن أحدٌ استماعه، وهذا نهاية عجزهم لافتقارهم عن مواجهة الحجة بالحجة ((وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون))
(وهي مهاترة لا تليق، ولكنَّه العجز عن المواجهة بالحجة والمقارعة بالبرهان ينتهي إلى المهاترة، عند من يستكبر على الإيمان. ولقد كانوا يلغون بقصص اسفنديار ورستم، كما فعل مالك بن النضر، ليصرف الناس عن القرآن، ويلغون بالصياح والهرج، ويلغون بالسجع والرجز، ولكنَّ هذا كلَّه ذهب أَدارج الرياح، وغلب القرآن؛ لأنَّه يحمل سر الغلب، إنَّه الحق، والحق غالب مهما جهد المبطلون)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com