موقع الصراط ... الموضوع : العزة في الإسلام-3
 
الأحد - 18 / ربيع الثاني / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العزة في الإسلام-3  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 25 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  الإنسان الطيب أطيب من عمله:
قلنا أن العمل الصالح يرفع الكلمة الطيبة إلى الله، وله الدور الأول في سمو الإنسان، وصعود للكلمة الطيبة، لأنها هي التي تفرز العمل الصالح من الإنسان الطيب، فالعمل الصالح أقل قيمة من فاعله والعامل أطيب من العمل، والخبيث أخبث من فعله، لأن الفعل أثر من آثار ذلك الإنسان الخبيث ولأجل إثبات الحجة فإن الله يستدرجهم حتى يبرز ما في نفوسهم من خبث وإجرام . فيحق عليهم العذاب فالاستدراج هو عملية إبراز للخبث إلى العالم الخارجي؛ ليكشف سرائر الإنسان فالحسن الفعلي أفضل من الحسن الفاعلي، والقرب الذي تكشفه الصفات في الإنسان أفضل من القرب الذي يكشفه الإنسان بلسانه .

الصعود حركة امتداد لا حركة تخلي:
الصعود ضرب من ضروب الحركة وهو على قسمين:
1- صعود فيه تفريغ مكان، وإشغال مكان آخر كصعود الطير من الأرض إلى آفاق السماء.
2- صعود امتداد: كماء البحر عندما يمتد من البحر إلى الساحل، نقول امتدت الشجرة أي كبرت فمن هذا القسم امتداد دون تخلي فهو لا يؤدي إلى حيز، وإنما يمتد منه إلى مكان آخر... والحركة في الآية (الصعود) والامتداد دون التخلي (النوع الثاني) فالإنسان عندما تصعد الكلمة منه إلى الله لا يجتث من الأرض، وإنما يبقى جسده في الأرض، ويمتد إلى الله بروحه وقلبه، ومثال ذلك امتداد الفكر من بعض إلى بعض آخر، ونحن في هذه الدنيا نعرج إلى الله بالكلمة الطيبة لكن بشرط أن تكون الدنيا بقبضتنا، ولا نكون نحن في قبضتها، وهذا هو الصعود الذي يريده الله تعالى. إذن الصعود ليس حركة تخلي، وإنما هي حركة امتداد روحي.

متى يتم الصعود إلى الله؟
الصعود إلى الله تعالى يتم بالطريقة الثانية والله تعالى هو الذي يجذبنا، وبؤرة الانجذاب هي الفطرة، وهذه الفطرة هي التي تجعل الإنسان قابلاً للانجذاب إلى الله تعالى، بعد إزالة العوائق التي تعيقه عن الصعود كالهوى، والشهوات، وسيئات الأعمال... فإذا أنشد الإنسان إلى الدنيا وربط نفسه بحبالها من نساء، وأموال، وبنين، وجاه، وكراسي، وسلطان، وسمعه بين الناس، وحظوة عند السلطان فإنه يصبح ثقيلاً، ويبقى مُخلِداً إلى الأرض... إن (البالون) من الطبيعي أن يصعد إلى أعالي الجو ولكن بشرط أن لا يكون مربوطاً إلى الأرض كذلك الإنسان ما لم يتحرر من أثقال الدنيا فلا يستطيع التحليق في رحاب الله.
فحبال حب الدنيا هي التي تحجب الإنسان عن السفر إلى الله كلما قطع الإنسان حبلاً يرتفع درجة، ويستطيع أن يتحرك بمقدار خفته، ولا يحتاج إلى عامل رفع( إن الشوق والإنس بالله هو الذي يدفعه إلى الله)، وهذا هو الموت الاختياري وهو يختص بأولياء الله، يقول صدر المتألهين: (الموت على ضربين أحدهما: الإرادي كقوله (ع): (موتوا قبل أن تموتوا) والآخر الموت الطبيعي ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْت)) وكل من مات موتاً إرادياً أي انقطع قلبه عن الشهوات، ونهى النفس عن الهوى فقد حيى بالحياة السرمدية الطبيعية كقول أفلاطون: مت بالإرادة تحي في الطبيعة)
والموت القهري يشترك فيه المؤمن والكافر على السواء حيث يجتث الإنسان عن كل شيء وحالة النزع تمثل حالة انتزاع من كل العلائق الدنيوية بكل أشكالها، أما أولياء الله فيقومون بتحقيق الموت الاختياري بتقطيع جميع علائق الدنيا في جميع حقولها، فهو يفعل باختياره ما يصنعه الموت وهذا الموت في الإسلام هو الحياة، يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ)) (الأنفال:24) وهذه الحياة التي يدعوا إليها هي الخلاص من عبودية الأهواء واللذات فالحياة الحقيقية هي التحرر من نوازع الهوى والشهوات بجميع أشكالها يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم)
الحياة تساوي التخلص من العوامل الضاغطة والمؤثرة على الإنسان. والذي يسير وفق الضغوط المؤثرة في حياته لا يفهم معنى الحياة، يقول تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)) (الشمس:9-10) فالذي يدفن نفسه تحت أنقاض الهوى والشهوات لا يعيش الحياة الحقيقية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُم))
إذن الحياة أمران:
1- حركة صعود وارتقاء في عوالم الكمال.
2- وعي، وانفتاح، وتلقي، واستقبال، وأخذ، وعطاء، وتعامل مع الله هذه هي مقومات الحياة الحقيقية إن تمكن منها الإنسان فهو حي، وإن فقدها فالحياة التي يعيشها لا تزيد على الحياة البهيمية.
فالحياة حركة وعروج إلى الله تعالى، وإذا كان الإنسان مشدوداً بهذه بحبال التعلق بالهوى والشهوات، والوجاهة، والسلطان، فكيف يستطيع العروج والارتفاع بروحه إلى الله؟
فأول ما يتطلبه هذا العروج أن يخفف من الثقل، وهو التعلق بالدنيا ؛ ولذا قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)) (التوبة:38)
فالتغيير انطلاق، وله بعد مادي،وبعد معنوي، وهي الهجرة من الذات ومتعلقاتها إلى الله تعالى وجرس هذه الكلمة (التغيير) يعبر عن معناها الدقيق، وتؤنب المترهلين المنشدين إلى تراب الأرض فكأنه يقول : فما أشد جهلكم، وغيكم، وخسارتكم في الحياة، فكل ما في الحياة لا يستحق أن يتثاقل الإنسان عن الانطلاق منه إلى معارج الكمال، فهو متاع زائل فلا تعطوا حياتكم ثمناً له.
والحياة الثانية: انفتاح، وتلقي، واستقبال، وأخذ،وعطاء من الله ولله، فالحياة الحقيقة انفتاح على الله، وسير في صراطه المستقيم ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (يوسف:108)
فإذا انفتحت النفس، وأخذت، وأعطت فهي حية، وإلا فهي ميتة. وهذا الجهاز إذا فقد قدرة التلقي أصبح عاطلاً لا قيمة له؛ لأن قيمته في القدرة على التلقي، والاستقبال، والاستيعاب، ثم العطاء، فإذا انغلقت النفس تصبح مصداقاً لقوله تعالى: ((خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ)) (البقرة:7)
((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)) (البقرة:171)
((لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) (الأعراف:179)
((وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً)) (الأنعام:25)
فإذا انطبقت هذه الآيات على إنسان أصبح جهازاً عاطلاً لا يأخذ ولا يعطي.
إن القرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة وهي: أن الحياة الإنسانية الحقيقية هي الانفتاح والانشراح لدين الله تعالى، يقول تعالى: ((فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)) (الأنعام:125)
فحالة الانفتاح هي الإمارة الأولى للحياة، وهي تستتبع الأخذ والعطاء مثلاً جهاز (الرادو) إذا كان متصلاً يأخذ، وإذا كان مغلقاً لا يأخذ، فالجهاز المغلق ميت، كذلك الصدر المغلق لا يأخذ الجاذبية الإلهية والنور ((وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)) (النور:40) وحالة الأخذ يستتبع أيضاً حالة العطاء للآخرين، فما عنده من علم، ونور، وبصيرة يصبح كالعين المنفجرة من أعماق الأرض تسقي ما حولها، والذي يأخذ من الله يعطي لله من نفسه مما آتاه الله، وهذه درجة عليا من العطاء، يقول تعالى: ((مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ)) (البقرة:245)
وعطاء الإنسان لله، يضاعفه الله له، وهكذا تكون العملية أخذ وعطاء بين الإنسان وربه، وتلك تجارة لن تبور فيتنامى رأس مال الإنسان، وهذه هي تجارة العبد مع الله تعالى، وتلك أقصى درجات الصعود، ولنتفكر كيف يكرم الله الإنسان بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) (الصف:10-11)
ويقول تعالى: ((إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ...)) (التوبة:111) وهذه هي أقصى درجات القرب لله، عندما يبيع الإنسان نفسه لله تعالى، وتلك تجارة لن تبور، فمن الناحية الكمية تجارة كبيرة، والناحية الكيفية أهم من الناحية الكمية، وهي العلاقة المنعقدة مع الله تعالى. إن الذي لا يأخذ لا يستطيع أن يعطي شيئاً.
بكت عيني بيوم البين دمعاً*وأخرى بالبكاء بَخِلت علينا
فعاقبتُ التي بَخِلت بدمع* بأن أغمضتها يوم التقينا
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com