موقع الصراط ... الموضوع : المرأة في الإسلام-4
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المرأة في الإسلام-4  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 25 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  ( ماذا أبدعه الإسلام في أمرها )
لا زالت بأجمعها ترى في أمر المرأة ما قصصناه عليك، وتحبسها في سجن الذلة والهوان حتى صار الضعف والصغار طبيعة ثانية لها، عليها نبتت لحمها وعظمها وعليها كانت تحيا وتموت، وعادت ألفاظ المرأة والضعف والهوان كاللغات المترادفة بعد ما وضعت متبائنة، لا عند الرجال فقط بل وعند النساء - ومن العجب ذلك - ولا ترى أمة من الأمم وحشيها ومدنيها إلا وعندهم أمثال سائرة في ضعفها وهو أنَّ أمرها، وفي لغاتهم على اختلاف أصولها وسياقاتها وألحانها أنواع من الاستعارة والكناية والتشبيه مربوطة بهذه اللفظة ( المرأة ) يقرع بها الجبان، ويؤنب بها الضعيف، ويلام بها المخذول المستهان والمستذل المنظلم، ويوجد من نحو قول القائل:
وما أدري وليت أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء
مئات وألوف من النظم والنثر في كل لغة. وهذا في نفسه كاف في أن يحصل للباحث ما كانت تعتقده الجامعة الانسانية في أمر المرأة وإن لم يكن هناك ما جمعته كتب السير والتواريخ من مذاهب الأمم والملل في أمرها، فإن الخصائل الروحية والجهات الوجودية في كل أمة تتجلى في لغتها وآدابها.
ولم يورث من السابقين ما يعتنى بشأنها ويهم بأمرها إلا بعض ما في التوراة وما وصى به عيسى بن مريم عليهما السلام من لزوم التسهيل عليها والإرفاق بها.
وأما الإسلام أعني الدين الحنيف النازل به القرآن فإنه أبدع في حقها أمرا ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطن بها قاطنوها، وخالفهم جميعا في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، والغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملاً.
أما هويتها: فإنه بين أن المرأة كالرجل إنسان وأن كل إنسان ذكراً أو أنثى فإنه إنسان يشترك في مادته وعنصره إنسانان ذكر وأنثى ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال تعالى: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)) (الحجرات:13)، فجعل تعالى كل إنسان مأخوذا مؤلفا من إنسانين ذكر وأنثى هما معا وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده، وهو سواء كان ذكرا أو أنثى مجموع المادة المأخوذة منهما، ولم يقل تعالى: مثل ما قاله القائل:
وإنما أمهات الناس أوعية
ولا قال مثل ما قاله الآخر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد
بل جعل تعالى كلاً مخلوقاً مؤلفاً من كل. فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتم ولا، أبلغ من هذا البيان، ثم جعل الفضل في التقوى.
وقال تعالى: ((إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض)) (آل عمران:195)، فصرح أن السعي غير خائب والعمل غير مضيع عند الله وعلل ذلك بقوله: بعضكم من بعض فعبر صريحا بما هو نتيجة قوله في الآية السابقة: إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وهو أن الرجل والمرأة جميعاً من نوع واحد من غير فرق في الأصل والسنخ.
ثم بين بذلك أن عمل كل واحد من هذين الصنفين غير مضيع عند الله لا يبطل في نفسه، ولا يعدوه إلى غيره، كل نفس بما كسبت رهينة، لا كما كان يقوله الناس: إن عليهن سيئاتهن، وللرجال حسناتهن من منافع وجودهن، وسيجئ لهذا الكلام مزيد توضيح.
وإذا كان لكل منهما ما عمل ولا كرامة إلا بالتقوى، ومن التقوى الأخلاق الفاضلة كالإيمان بدرجاته، والعلم النافع، والعقل الرزين، والخلق الحسن، والصبر، والحلم فالمرأة المؤمنة بدرجات الإيمان، أو المليئة علما، أو الرزينة عقلا، أو الحسنة خلقا أكرم ذاتاً وأسمى درجة ممن لا يعادلها في ذلك من الرجال في الإسلام، كان من كان، فلا كرامة إلا للتقوى والفضيلة.
وفي معنى الآية السابقة وأوضح منها قوله تعالى: ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)) (النحل:97)، وقوله تعالى: ((ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب)) (المؤمن:40)، وقوله تعالى: ((ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً)) (النساء:124).
وقد ذم الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات بمثل قوله وهو من أبلغ الذم: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)) (النحل:59)، ولم يكن تواريهم إلا لعدهم ولادتها عارا على المولود له، وعمدة ذلك أنهم كانوا يتصورون أنها ستكبر فتصير لعبة لغيرها يتمتع بها، وذلك نوع غلبة من الزوج عليها في أمر مستهجن، فيعود عاره إلى بيتها وأبيها، ولذلك كانوا يئدون البنات وقد سمعت السبب الأول فيه فيما مر، وقد بالغ الله سبحانه في التشديد عليه حيث قال: ((وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت)) (التكوير:9).
وقد بقي من هذه الخرافات بقايا عند المسلمين ورثوها من أسلافهم، ولم يغسل رينها من قلوبهم المربون، فتراهم يعدون الزنا عاراً لازماً على المرأة وبيتها وإن تابت دون الزاني وإن أصر، مع أن الإسلام قد جمع العار والقبح كله في المعصية، والزاني والزانية سواء فيها.
وأما وزنها الاجتماعي: فإن الإسلام ساوى بينها وبين الرجل من حيث تدبير شؤون الحياة بالإرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما تحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لوازم البقاء، وقد قال تعالى: ((بعضكم من بعض)) (آل عمران:195)، فلها أن تستقل بالإرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجهما كما للرجل ذلك من غير فرق، ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)).
فهما سواء فيما يراه الإسلام ويحقه القرآن والله يحق الحق بكلماته غير أنه قرر فيها خصلتين ميزها بهما الصنع الإلهي: إحداهما: أنها بمنزلة الحرث في تكون النوع ونمائه فعليها يعتمد النوع في بقائه فتختص من الأحكام بمثل ما يختص به الحرث، وتمتاز بذلك من الرجل. والثانية أن وجودها مبني على لطافة البنية ورقة الشعور، ولذلك أيضا تأثير في أحوالها والوظائف الاجتماعية المحولة إليها.
فهذا وزنها الاجتماعي، وبذلك يظهر وزن الرجل في المجتمع، واليه تنحل جميع الأحكام المشتركة بينهما وما يختص به أحدهما في الإسلام، قال تعالى: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليماً)) (النساء:32)، يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به من الفضل، وان من هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث، وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، فلا ينبغي أن يتمناه متمن، ومنه ما لم يتعين إلا بعمل العامل كائنا من كان كفضل الإيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنها الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واسئلوا الله من فضله.
وأما الأحكام المشتركة والمختصة: فهي تشارك الرجل في جميع الأحكام العبادية والحقوق الاجتماعية فلها أن تستقل فيما يستقل به الرجل من غير فرق في إرث ولا كسب ولا معاملة ولا تعليم وتعلم ولا اقتناء حق ولا دفاع عن حق وغير ذلك إلا في موارد يقتضى طباعها ذلك.
وعمدة هذه المورد: أنها لا تتولى الحكومة والقضاء، ولا تتولى القتال بمعنى المقارعة لا مطلق الحضور والإعانة على الأمر كمداواة الجرحى مثلاً، ولها نصف سهم الرجل في الإرث، وعليها: الحجاب وستر مواضع الزينة، وعليها: أن تطيع زوجها فيما يرجع إلى التمتع منها، وتدورك ما فاتها بأن نفقتها في الحياة على الرجل: الأب أو الزوج، وان عليه أن يحمي عنها منتهى ما يستطيعه، وأن لها حق تربية الولد وحضانته.
وقد سهل الله لها أنها محمية النفس والعرض حتى عن سوء الذكر، وان العبادة موضوعة عنها أيام عادتها ونفاسها، وأنها لازمة الإرفاق في جميع الأحوال.
يتبع....
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com