موقع الصراط ... الموضوع : برمجة العلاقات الإسلامية
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  برمجة العلاقات الإسلامية  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 25 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الإسلام رسالة عالمية عامة, لا تنحصر في إطار الزمان والمكان والجنس إنما هي لكل زمان, ولكل مكان, ولكل إنسان, يقول تعالى:
((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ))
((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))
((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا))
وجاء في الحديث الشريف: (حلال محمد حلالٌ أبداً إلى يوم القيامة, وحرامه حرامٌ أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره)
ومن أجل هذا بذلت جهود جبارة, وأريقت دماء زكية من دعاة الله وعلى مختلف مستوياتهم. رسلاً, وأنبياء, وأوصياء وعلماء, ومجاهدين, بلا حصر ولا عدد. كل ذلك من أجل تبليغ رسالة الله إلى الناس كافة, ولا يزال هذا الأمر سارياً والصراع مستمراً ولن يتوقف.
وبما أن الدعوة, والتبليغ, والهداية, والإرشاد وسيلة لا غاية بذاتها فلابد أن تتطور بتطور الزمن ، ولكن في إطار الشرع المقدس, فالوسيلة لابد أن تستنبط من أصل المبدأ الذي تريد تحقيقه وتحكيمه. فلكل زمان أسلوب خاص، وبما أن الإسلام لم يتجمد على طريقة معينة، وإنما ترك اختيار طريقة الدعوة إلى المكلف بعد أن حدد له الخطوط العريضة إذن يمكن للداعية أن ينهج الأسلوب الأصلح الذي يتلاءم مع الزمان والمكان.
ونحن اليوم بحاجة ماسة إلى تخطيط مؤسساتي شامل متقن على المدى البعيد يعم الأمة الإسلامية خاصة والبشرية عامة. ونحن نسمع بين الحين والآخر صيحة من هنا, وصرخة من هناك، وحركة في هذا البلد، وجمعية في ذلك البلد دون أن يفكر أحد بتخطيط شامل يعم الأمة ويجمع كلمتها, فنرى كثيراً من الحركات الإسلامية تتأطر بإطار إقليمي لا تتعداه, أو تتقولب بقالب مذهبي يتسم بالعصبية والانغلاق, أو تتحرك على شريحة خاصة من المجتمع, ومعلوم أن هذا يتنافى مع التصور الإسلامي الشامل لكل الأقطار ولكل الأقوام. ولا نجحف حركات إسلامية وضعت هذا التصور أساساً لتخطيطها، وقطعت شوطاً جيداً في تحركها إلا أنها لاقت عراقيل عسيرة أوقفتها فترة من الزمان. ثم عادت إلى الميدان ولا زالت تواصل سيرها ولكن دون المستوى المطلوب. من هنا يتحتم على المؤسسات, أو الحركات والشخصيات الإسلامية أن تضع برنامجاً موحداً أو برامج متعددة تصب في مصب واحد كي تستطيع أن توصل كلمة الله إلى أعماق الجماهير, وتخلق تياراً توحيدياًَ يقلب الواقع الفاسد إلى واقع سليم، ومما يجعل هذا الأمر ممكناً أن الإسلام بعقيدته التوحيدية, وبأحكامه الإلهية يمتلك رصيداً بشريا واسعاً في جميع أرجاء المعمورة من أبناء الإسلام تجمعهم عقيدة واحدة, وأهداف واحدة. إذا تجاوزنا الدواعي الذاتية وكان همنا خدمة الإسلام وتجردنا لله وفي الله في جهادنا. ومن فضل الله أن أمتنا تمتلك وعلى مستوى عال علماء, ومفكرين أطبقت شهرتهم الدنيا, وأصبح الارتباط بهم ارتباطاً فكرياً وعقائدياً، ولكن بما أن هناك حواجز سياسية واجتماعية فرضتها طبيعة الظروف السياسية القائمة، يجعل الاتصال والوصول إلى المراكز العليا أمراً متعسراً؛ لذا ينبغي التفكير من قبل العلماء الواعين الحريصين على امتداد رسالة الله إلى جميع البشرية أن يفكروا في وضع برامج دقيقة مدروسة ومخططة؛ لتوصيل صوت الإسلام إلى كل زاوية من زوايا العالم, وخلق الارتباط الروحي والفكري بين أبناء الأمة الإسلامية بجميع أوطانهم وألوانهم وقومياتهم كي نجعل من الأمة بناء متراصاً يشد بعضه بعضاً, ويتحسس كل مسلم بآلام جميع المسلمين.
وهذا لا يتحقق بجهود فردية متفرقة, كأن نوجه خطاباً أو نطبع كتاباً, أو نرسل مرشداً واعظاً. وإنما لابد من إيجاد وتكوين مؤسسة متشبعة الدوائر والمهام تعمل ضمن تخطيط شامل يستوعب أكبر مساحة ممكنة؛ لتوعية الناس ونشر رسالة الله تعالى؛ ولهذا أقترح عدة مقترحات منها:
أ- أن تشكل دائرة عليا للدعوة والتبليغ والهداية والإرشاد تتكون من علماء عاملين أصحاب دراية اجتماعية وخبرات إعلامية؛ ليرسموا الخطط والمناهج, ويحددوا المهام الرئيسية للعاملين؛ ويفتحوا آفاقاً أوسع؛ لنشر وتعليم أحكام الله تعالى شريطة أن يكون عملهم خاضعاً لإشراف المرجعية الدينية الرشيدة، لتكون الخطط والمناهج نابعة من روح الشرع المقدس.
ويتفرع عن تلك الإدارة لجان متعددة فكرية, واجتماعية, واقتصادية وسياسية, وفنية وتتولى كل لجنة المهام المرسومة لها من الإدارة بعد عرضها على المراجع العليا؛ لمطابقتها مع الشرع المقدس. ومن المهام الرئيسية لها دراسة أوضاع كل منطقة من المناطق الإسلامية دراسة مستوعبة. من حيث حاجاتها ومشاكلها, وطبيعة تركيبتها الاجتماعية, وأعرافها, وتقاليدها, وظروفها السياسية والفكرية, والاقتصادية, ومراكز القوى المؤثرة فيها؛ ليتسنى لها اختيار الأسلوب الأمثل لتلك المنطقة، وإرسال الداعية المناسب القادر على تنفيذ البرامج المرسومة .
وهذا العمل الجبار يتطلب أن يكون العاملون خصوصاً في الإدارة العليا وما يتفرع عنها من لجان على دراية واسعة في علوم الدين والعلوم العصرية كالبحوث الاجتماعية، وتنظيم المجتمع, وعلوم الإحصاء, والاجتماع, والنفس والاقتصاد، وأسلوب خدمة الفرد والجماعة.... وخبرات أخرى ذكرناها فيما تقدم من مواصفات رجل العلاقات المسلم.
فالمسألة ليست مسألة عالم يذهب إلى منطقة، ويحل في مسجد، ويؤم الجماعة, ويلقي المواعظ وكفى, وإنما هذا العمل يحتاج إلى تظافر جهود مختلفة كثيرة.
وقد يقال بأن هذا العمل يتطلب موارد مالية جبارة فمن أين نأتي بذلك ونحن لسنا دولة - وقلما طرحت فكرة جديدة، ولم تلق معارضة، ولم توضع في طريقها العراقيل- ونجيب على ذلك:
إن الحقوق الشرعية من زكوات, وأخماس, وكفارات, وغيرها لو استثمرت استثماراً صحيحاً ووضعت حيث ما أمر الله, ونظم صرفها وفق الموازين الشرعية لزادت على ذلك, إضافة إلى أن هذا الامتداد بطبيعته سيوجد موارد كثيرة. ولو لم تدفع الأمة إلا خمس دخلها القومي لكفى, كيف والأمة تدفع الزكاة والكفارات, ورد المظالم, والصدقات, والتبرعات, وغير ذلك. فالحركة وسط الأمة هي التي تستدر الأموال بعد توعيتها بأحكام دينها. وثقتها بعلمائها وقادتها.
ب- تكوين حلقات اتصال وسطى: وهذه الحلقات إدارية أيضاً, ولكنها تكون بمثابة همزة الوصل بين الإدارة العليا, وبين الجمهور, وتضم مستوى أدنى من العاملين في الإدارة العليا, يدخل فيها شخصيات تتمتع بصفات فكرية وأخلاقية على مستوى جيد كالشجاعة الأدبية, والأصالة الفكرية, وقوة الإرادة وسعة الصدر, وبعد النظر, والخبرة التنظيمية, والقدرة الإدارية، ودقة التقييم للأشخاص.
وهذه الإدارات مسؤولة أمام الإدارة العليا عن جميع الأعمال التي يقوم بها العاملون في وسط الجمهور. وتدخل في أعمالها المتابعة والتسجيل, والتقويم والتوجيه الفني, وهي تتلقى توجيهاتها وخطط عملها من الإدارة العليا, وتحاسب على التنفيذ.
ج- إيجاد قواعد شعبية: من خلال حركة الحلقات الوسطية يتم التعرف على المؤمنين في كل منطقة عن طريق الاتصال المباشر, وتوثيق العلاقة معهم وتمتد بشكل أفقي في جميع المجالات، وتوضع برامج عامة تستقطب أكثر المؤمنين النشطين, ولا يحصر هذا النشاط على فئة معينة، وإنما يضم من جميع أصناف المجتمع, وكل يكون مسؤولاً في دائرة تواجده عن التبليغ والهداية والإرشاد وتمتين العلاقة مع القيادة أو الإدارة العليا, فالطالب يتحرك في مدرسته أو جامعته، وكذلك التاجر، والعامل, والفلاح, والنجار, والموظف في دائرته وكذلك المهندس، والطبيب ،والجندي في معسكره, شريطة أن يوضع برنامج موحد ينزل من الإدارة العليا يحدد الخطوط العريضة للعمل؛ ليستطيع أن يخلق تياراً موحداً ومجالات الاتصال واسعة بسعة المجتمع, وما من مجال من المجالات إلا ويمكن من خلاله إيجاد علاقة اجتماعية إذا أحس المؤمن بمسؤوليته أمام الله تعالى وَوِجه التوجيه الصحيح ضمن خطة شاملة تقررها المراجع الدينية العليا، وفق القاعدة الكلية في الإسلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ونحن نقطع بأن أي جهة سياسية أو مذهبية لا تمتلك ما نمتلكه من رصيد واسع في المجتمع على المستويين الفكري والجماهيري لو طبقنا ما أمرنا الله به، وأخلصنا النية له تعالى. كما أن مرونة التشريع الإسلامي في أساليب العمل والدعوة عامل آخر مهم في بناء العلاقات.
وهناك مجالات واسعة تتمتع بالقدسية عند جميع المسلمين يمكن من خلالها توسيع دائرة العلاقات الإسلامية ، وهذا ما حث عليه الإسلام كثيراً في الكتاب والسنة, فصلاة الجمعة، والجماعة ،وصلاة العيد, والاختلاف إلى المساجد, وإحياء الذكريات الدينية المهمة كولادات ووفيات أهل بيت العصمة والطهارة (ع) وموسم الحج أكبر دائرة عالمية للتجمع الإسلامي بين المسلمين من كل أقطار الأرض, يتلاقون, ويتعارفون, ويتبادلون الآراء والأفكار، ويطلع المسلم على مشاكل إخوانه في معظم بقاع الدنيا، ويبدي الرأي في المعالجة على أقل تقدير، وعند الشيعة وسيلة أخرى مهمة بأهمية صاحبها، وهي مجالس العزاء الحسيني التي لا تخلو منها منطقة, وتجمع من جميع طبقات المجتمع، وهذه الدائرة المباركة لو أُحسن توجيهها فستبنى من خلالها قاعدة عريضة تربط الأمة بدينها ربطاً ثورياً، كما تشد الأمة إلى علمائها وقادتها. وتوثق روح الولاء بين المؤمنين، ورحم الله الإمام الخميني إذ يقول: (ونرى ذكر الأولياء ومقاماتهم دخيلاً في تصفية القلوب وتخليصها وتعميرها؛ لأن ذكر الخير بالنسبة إلى أصحاب الولاية والمعرفة يوجب المحبة والتواصل والتناسب, وهذا التناسب يوجب التجاذب, وهذا التجاذب يسبب التشافع الذي ظاهره الإخراج من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية والعلم وباطنه الظهور بالشفاعة في العالم الآخر؛ لأن شفاعة الشافعين لا تكون من دون تناسب, وتجاذب باطني، ولا تكون عن جزاف وباطل)
ومقصوده رضوان الله عليه أن التجاذب بين المؤمنين وأهل البيت (ع) يوجب صفاء القلوب، وتطهيرها من أدران الآثام، وإذا طهرت القلوب أصبحت لها شفافية وجاذبية مؤثرة في الوسط الاجتماعي، ولا شك أن الانفتاح على الله تعالى وأوليائه يؤدي إلى فتح القلوب أمام الدعاة إلى الله يقول أمير المؤمنين (ع): (من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس) و(من صلح مع الله لم يفسد مع أحد)
وتتوسع دائرة العلاقات كلما توسعت المشاريع الخدمية العامة سواء كانت مادية أو معنوية, كإنشاء الجمعيات لمساعدة الفقراء والمحتاجين, وفتح المكتبات العامة, ونشر الكتب والكراسات الإسلامية التي يمكن تداولها بين الجميع, كذلك فتح المؤسسات الصحية الخيرية وسيلة أخرى, وهكذا آلاف المشاريع يمكن أن توجد لو خلصت النية لله, وارتفعت الهمم لتطبيق أحكام الله.
إن من أهم الوسائل التي تعمق الثقة بين القيادة الإسلامية وبين الجمهور أن تتوجه أنظار المتصدين للعمل الإسلامي إلى تقديم الخدمات إلى الناس كافة وفق برنامج مدروس يتصدى لحل مشاكل الناس. وتقديم الإرشادات والمعونات للمحتاجين. ومواساة المنكوبين والسعي الدائم لقضاء حوائجهم وفتح المشاريع العملية. وهذا إضافة إلى أنه عامل مهم في كسب ثقة الجمهور فهو عمل عبادي حث عليه الإسلام كثيراً عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (إن الله عز وجلّ خلق خلقاً من خلقه إنتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا؛ ليثيبهم على ذلك الجنة فإن استطعت أن تكون منهم فكن).
وقال (ع): (لقضاء حاجة إمرءٍ مؤمن أحب إلى الله من عشرين حجة كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف)
ومن الضروري أن نشير إن المؤسسة الإسلامية يجب عليها معرفة ما يدور حولها في المجتمع المحلي, والإقليمي, والدولي من تغيرات وتطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية فهي ليست بمعزل عن الواقع, وإنما تريد أن تغير الواقع ولهذا يجب أن تضع في حساباتها جميع الاحتمالات المستقبلية, وتضع خطط المواجهة لجميع ما يطرأ في المجتمع من تغيرات ومشاكل، وهذا يوجب الدراسة المتواصلة للواقع من خلال الملاحظة الدقيقة والتتبع للأحداث وتحليلها لمعرفة خطط التيارات المعاكسة, وأخذ الاحتياطات اللازمة, واختيار أفضل السبل؛ لتحقيق التفاهم والتكيف والمحافظة على الثقة المتبادلة بين الأمة والقيادة الإسلامية.
ثم لا بد أن نشير إلى أن أمثال هذه المشاريع لا يمكن أن تنجح إلا إذا فهم جمهور المسلمين شرعيتها. فالمسلمون بطبيعة الحال بحاجة إلى تفهم ما تقوم به المرجعية الدينية من مشاريع, وأنها إذا فهمت ذلك تشارك مشاركة فعالة فيها.
ولا شك أن هذا الطرح سيثير استغراب، وتعجب كثير من الناس ويعتبرونه ضرباً من الخيال خصوصاً الذين ألفوا الخنوع تحت نير الظالمين الطغاة، أو الذين اتخذوا من الدين مهنة يعتاشون بها، ولا يعيشون لها، وتلك هي (آفة رجال الدين حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة) وهؤلاء أخطر على الإسلام من أعدائه يقول الإمام الخميني قدس سره: (قد قلت من قبل إن المتلبس بلباس العلماء الذي لا يكون مهذباً، ويسير في غير خط الإسلام أخطر على الإسلام والجمهورية الإسلامية من السافاكي)
ومن الطبيعي أن أولئك هم ذوو الهمم الهابطة, والذين فهموا الدين على أنه طقوس تقليدية يؤدونها بحكم العادات المتوارثة والتقليد الأعمى, ولم يتخذوه رسالة إلهية، ومنهج حياة واجب التبليغ، والنشر، والتحكيم.
والحقيقة أن هذا ليس وهماً، ولا خيالاً عند من فَهِمَ حقيقة الدين، ووعي أنباء الرسل وتأمل جيداً فيما قاموا به، ولاقوا أشد العذاب من أجله، وحجتنا في ذلك السيرة العملية للرسول الأعظم (ص) وأهل بيته الأطهار (ع) وسيرة العلماء الرساليين الذين بذلوا مهجهم من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وفوق كل ذلك ما صرح به القرآن بقوله تعالى:
((خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة:63)
((خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا)) (البقرة:93)
والأخذ بقوة هو التمسك بدين الله بجد ويقين وعزيمة ماضية كاملة، ونبذ التغافل والتكاسل، والتبرير، والتواني. قوة في القلب لا يشوبها شك، ولا تردد وقوة في البدن تحمل روح التحدي والرفض للواقع الفاسد مهما بلغت قوته, فإن إرادة الله أقوى, وهي الغالبة على كل حال ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)) (فاطر:10)
((أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)) (النساء:139)
أما ما يواجه ذلك من عقبات فإنه أمر طبيعي لمن وعى سنة الله في الصراع بين الحق والباطل منذ انبثاق الرسالة إلى يوم القيامة، وهذا أمر يهون إذا خلصت النية لله, وفهم الدين الفهم الذي أراده الله، وهو أنه ليس طقوساً تقليدية جامدة وإنما هو منهج حياة متحرك ومُتَّحِدٍ ورافض لكل هوى باطل وطاغوت, وهو دستور حياة شامل للفرد والمجتمع والدولة لازم التطبيق والتحكيم. ذلك هو دين الله. ولكن مع الأسف الشديد بعد أن تشوهت الحقائق, وخارت الهمم كثرت التبريرات، وانطلقت الأعذار الواهية التي قطعها القرآن ،وردها على المعتذرين بعنف وشدة ((يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) (التوبة:94)
يقول الشهيد الصدر (ص) في معرض تعلقيه على الآية الكريمة: (إن القرآن يقطع في هذه الآية الملتهبة العذر على المعتذرين، ولا يسمح للنبي (ص) بوصفه التعبير الأعلى عن الداعية للإسلام أن يستمع بعد رجوعه من إحدى معاركه الجهادية إلى اعتذار المعتذرين الذين تخلفوا عن موكب الدعوة، ونكصوا عندما دقت الساعة، وأزف الخطر مهما كان لون الاعتذار وأسلوبه)
(ونحن حين نستعرض الأعذار يكشف القرآن الستار عن زيفها، ويفضح سر جذورها, نجد أن الأعذار بالأمس هي الأعذار اليوم لا تختلف في جوهرها ومضمونها الروحي، وميوعتها ودوافعها الأنانية, كما أن الدعوة اليوم كالدعوة بالأمس في محنتها بذوي الأعذار والمثبطين ومصيبتها بهم في كلا الحالين), حالة النصر أو حالة الهزيمة.
وملخص الكلام إن منهجة العمل في سبيل الله أمر ممكن, ولكن ذلك أمامه عقبات وأشواك لا بد من تحملها، وعلى المؤمن أن يؤدي واجبه المكلف به، والنصر والنتيجة النهائية على الله تعالى ((قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)) (التوبة:52)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com