موقع الصراط ... الموضوع : الزهد-1
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الزهد-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 26 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الزهد لغة: (ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزاهد في الشيء الراغب عنه والراضي منه بالزهيد أي القليل ((وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِين)) (يوسف:20) ونقول : زهد في هذا الشيء أي رغب عنه، ولم يرغب فيه)
واصطلاحاً: هو حالة نفسية تولد القناعة عند الإنسان , فتجعله يرغب عن مطالب النفس، ويستجيب لها بمقدار حد الكفاية .
من أولى منطلقات الفكر الإسلامي في تربية الشخصية الرائدة هو تحريرها من الخضوع للضواغط الداخلية المتمثلة في الأهواء , والميول , والغرائز النفسية لأن الإنسان هو الكائن الوحيد في الكون الذي زوده الله تعالى بقوتين: قوة دافعة ملحة ضاغطة وهي النفس، وقوة مانعة منظمة مميزة وهي العقل؛ وأراد منه تغليب العقل على النفس .
والإنسان في مسيرته اليومية سواء كان في تعامله مع الله، أو مع نفسه، أو مع الطبيعة يقع بين هاتين القوتين، فهو في نزاع وصراع داخلي بين قوة متشعبة الإرادات والنوازع والأهواء والرغبات فهي تدفعه إلى طلب المال والسلطان والجاه والشهرة الواسعة، وتريد أن تنطلق ولا تتوقف عند حد معين، ومرة تدفعه إلى حب الراحة والدعة والركون إلى كل ما تحب وتهوى. وهكذا، هذا من جانب ومن جانب آخر يقف الشرع الداخلي الذي زوده الله تعالى به ليقول له: قف هنا ، وتحرك بهذا الاتجاه، واعمل هذا العمل، واترك ذلك، ولا شك أن أوامر العقل وأحكامه تتعارض مع الرغبة الجامحة في تحقيق الأهواء والميول؛لأن الأهواء والغرائز الحيوانية تريد منه أن يخلد إلى تراب الأرض والعقل يريد أن يسموا إلى أعلى مراتب الكمال. ورعاية لذلك جاء الإسلام كنظام وتشريع إلهي للبشرية أجمع ؛ لتنظيم مسيرة الإنسان، ولخلق حالة التوازن في حياته المادية والمعنوية؛ لذلك لم يحرمه من تحقيق رغباته الفطرية، بل أباح له أن يتمتع بها في حدود معينة ضمن نظام دقيق شرَّعه له، وأمره أن ينتهجه لتتوازن مسيرته الحياتية. ومن هنا حبب للإنسان الزهد في المعاني الدنيوية الزائلة كحب الظهور، والجاه، والسلطان، وكثرة المال، والعقار، وأن يأخذ منها بمقدار كفايته لا بمقدار رغباته. وفي الطرف الآخر رَغَّبَه في نيل الخِلال والصفات الكريمة العالية:كالحكمة, والشجاعة، والعفة، والعدالة، ونيل الدرجات العالية من الإيمان، واليقين، والرضا بأمر الله، والتسليم إليه، وهذه المعاني لا يمكن أن يحصل عليها ما لم يزهد بالمعاني الدنيوية الزائلة، ويتعلق قلبه بالله تعالى فعن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا وفقهه في الدين وبصره عيوبها, ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة، وقال: لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا وهو ضد لما طلب أعداء الحق، قلت: جعلت فداك بماذا ؟ قال: من الرغبة فيها وقال: إلا من صبار كريم، فإنما هي أيام قلائل، ألا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا. قال: وسمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما , و وجد حلاوة حب الله , وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط , وإنما خالط القوم حلاوة حب الله، فلم يشتغلوا بغيره. قال: وسمعته يقول: إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو)

حقيقة الزهد :
لا يعني الزهد في الإسلام هجر الحياة الدنيا بكل أشكالها، وتحريم لذ ائذها ولبس المسوح، والسكن في الكهوف، واعتزال المجتمع البشري بصورة كلية والهيام في الفيافي والوديان، يقول الإمام الصادق (ع): (ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال، ولا بتحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل)
فالزهد إذن ثقة مطلقة بالله تعالى، وإن ما بيد الإنسان من معاني الدنيا هي ملك الله تعالى جعلها وديعة عنده، وإن الله هو المانع وهو المعطي دون سواه، فإذا أيقن الإنسان بذلك بوعي وإخلاص، حينئذ يتحرر من سيطرة أهوائه وميوله ويوجهها حيث يريد الله تعالى فالزهد الحقيقي هو: (التحرر من قيد الشهوة والهوى, والانقطاع النفسي الحقيقي من الدنيا ومعانيها ,وهو بذلك سبب ونتيجة في آن واحد للانقطاع إلى الله تعالى والارتباط بالسماء، أو بالأحرى العبودية الكاملة لله في المشاعر والعواطف والسلوك)
إذن الزهد صفة نفسية تترسخ في النفس بشكل تدريجي ، وتزداد كلما ازدادت المعرفة بالله تعالى، والمعرفة بحقيقة الدنيا، وإنما نقول الزهد معنى نفسي؛ لأنه ليس الزهد سوى التحرر الذاتي من قيود الدنيا وعلائقها بحيث يملكها ولا تملكه، فقد يزهد الإنسان بجانب من جوانب الحياة، ويحاول أن يبرز في جانب آخر من جوانبها كالشهرة والسمعة والجاه وهذا شأن من يترك الدنيا للدنيا، ويخسر بذلك الدنيا والآخرة … أما إذا وعى حقيقة الزهد في الإسلام وآمن به، وامتلك الإرادة القوية , والعزيمة الماضية، وآمن بالنظام الإلهي، وسلكه بوعي واقتدار فلابد حينئذ أن يُحَكِّمَ العقل والشرع في سلوكه، وبذلك تتوازن مسيرته فلا يميل إلى جانب دون آخر .
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com