موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-3
 
الثلاثاء - 7 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-3  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 27 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  2 ــ الاجتماع الإنساني وبواعث التأسيس:
يرى النراقي أنّ لزوم إقامة المجتمع وتكوينه ينبع من طبيعة الإنسان الاجتماعية والمدنية، إلاّ أنّه لا يصُرّ على مقولة أنّ الانسان مدني أو اجتماعي بطبعه، كما يؤسّس لهذه المقولة أرسطو، بل يكتفي بأن السلوك العملي للإنسان سلوك اجتماعي، وليس مهمّاً أن يكون السبب في ذلك هو ((الفطرة)) أو ((العقل)) أو((العادات))، بل المهم هو أنّ ثمة حاجة تدفع النوع الإنساني إلى أن يسلك سلوكاً اجتماعياً، كما توجب أن يعيش الناس بشكل اجتماعي.
((اعلم يا صاحب البصيرة أنّ الخالق الحكيم قد خلق النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع الكونية مدنيّاً بطبعه، بمعنى أنّه محتاج في حياته ومعاشه إلى المدنية والاجتماع والانضمام مع الآخرين، لاستلزام الحياة للوازمها من المأكل، والملبس، والمسكن، والسلاح لدفع ضرر الأعداء، والدواء مركبه وبسيطه لرفع الأسقام والآلام، وتحصيل هذه الأمور يستلزم الاجتماع والمعايشة مع الآخرين، بل إن مدنيّته ظاهرة وثابتة حتى مع قطع النظر عمّا ذكر، فكلّ جماعة تستقرّ في مكان معين، سواء كان السبب الكامن وراء ذلك توقّف بقاء النوع البشري، أو مقتضى المدنية في الطبع الإنساني، أو جريان العادة الربانية بذلك)).
ويمكن إيجاز رأيه في موضوع إقامة المجتمع وكيفية تكوينه بما يلي: إنّ أفراد النوع البشري بحاجة إلى الحياة الاجتماعية، سواء كان المنشأ في ذلك هو العقل أو الفطرة أو العادة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتفاوت أفراد البشر في طاقاتهم وقابليّاتهم، لذا، وبناءً على انحصار الطبيعة الإنسانية بهذين العنصرين: ((الحاجة إلى الحياة الإجتماعية وتقسيم القابليات بين أفراد البشر))، من المحتمل أن يقوم الإنسان بممارسة الحياة الاجتماعية وإن لم يكن ثمّة قانون اجتماعي خاصّ ونظام سياسي مكمّل وداعم لذلك القانون، كما لو كانت من نوع الحياة الاجتماعية الغريزية، كحياة بعض الكائنات الأخرى كالنحل والنمل، ولا شكّ أنّ مقتضى الطبيعة والغريزة يساعد على ديمومة هذا النمط من الحياة.
بيْدَ أنّ ما ينطوي عليه وجود الإنسان من طبائع متضادّة، وما تستدعيه هذه الطبائع من نزعات وميول ((من شأنها أن تجعل مملكة النفس ميداناً لصراعها ومنازعاتها))، فإن هذه العوامل يمكن أن تحول دون ديمومة الحياة الاجتماعية للإنسان فيما لو لم تكن قائمةً على نظام اجتماعي متْقَن.
3 ــ البنية التحتيّة لتكوين الدولة وإقامة الحياة السياسية في المجتمع:
إنّ ملاحقة رأي النراقي حول الإنسان تقودنا ــ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العوامل الثلاثة المتقدّمة: البعد الاجتماعي في حياة الإنسان، وتوزيع القابليات والطاقات، ووقوع التضادّ بين الـنـزعات والرغبات الإنسانية لتنظيم الحياة الاجتماعية ــ إلى ضرورة إقامة نظام اجتماعي في ظل قانون متقن وصحيح يحقّق آمال الإنسان وحاجياته. وفي ضوء هذا الفهم والتحليل، يغدو تشكيل المجتمع السياسي أمراً ضرورياً لا محيد عنه، وأهم ما يمتاز به المجتمع السياسي اعتماده على ركيزتين أساسيتين هما: الحاكم، فرداً كان أو أكثر، والرعية أو الشعب. ولكلّ وظائفه وواجباته المختصّة به، ويعبّر اليوم عن المجتمع السياسي بالدولة، وعناصرها الأساسية المقوّمة لها هي: الأرض، الشعب، السلطة، الحاكمية.
ولكن السؤال المهم هو: من له الحقّ في تأسيس الدولة، ومن يجب عليه تولّي ذلك؟
ذهب بعض المفكّرين إلى أنّ ذلك يمكن أن يتمّ من خلال عقد اجتماعي بين الشعب والطبقة الحاكمة، فتأسيس الدولة ــ كما يرى هؤلاء ــ يكون من قبل الشعب، وذهب أفلاطون إلى أنّ تأسيس الدولة من حقّ الفيلسوف، لأنه ــ كما يقول افلاطون ــ قادر على فهم حقائق الأمور وإدراكها أكثر من غيره، الأمر الذي يعينه على إدارة المجتمع وسياسته.
ولكن النراقي ذهب إلى خلاف ذلك، حيث يرى ــ وهو ينطلق من منطلقات دينية ــ أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق ثمّ ((رحّلهم وأهبطهم مع أقوامهم إلى قلب العالم والربع المسكون من الأرض)). وهو المحيط بحاجات الإنسان وطبائعه، وعليه، فإنّ إقامة النظام الاجتماعي وتشريع القوانين ليس من صلاحياته فحسب، بل ممّا يجب عليه فعله عقلاً، كما يجب ذلك على كلّ راعٍ عندما يصون ماشيته ويرعاها، فكذا فعل الباري سبحانه في إرسال الرسل وبعث الأنبياء الذي هو عبارة عن سنّ القوانين وتأسيس النظام السياسي.
يقول النراقي: ((... لمّا كان تركّب هذا النوع (البشر) من قوى مختلفة ــ هي السبعية، والبهيمية، والشيطانية، والملكية ــ واضح وظاهر، واختلاف الأمزجة والآراء والمشتهيات من شخص إلى آخر بيّن وباهر، فإن اجتماع أفراده في صقع واحد موجب ــ بلا شك ــ للنـزاع والجدال والقيل والقال، وسبب لوقوع الاقتتال، وتعارض الآراء وتزاحم الأهواء، مما يوجب الهلاك والإتلاف، بل لو صرفنا النظر عن ذلك فإنّه سبب لوقوع ما هو أكثر من ذلك، من وقوع الحروب والمنازعات، والقتل والضرب، ونهب الأموال وأسر الأطفال، وقتل الرجال والنساء، ووقوع جميع ذلك فيما لو لم يكن ثمّة رادع ووازع أمر ملحوظ ومشهود، سواء كان السبب في ذلك اختلاف القوى أو اختلاف الأهواء أو وساوس الشيطان أو جريان العادة الإلهية بذلك)).
((ومزيداً على ذلك فإنّ كثيراً ما يقع الخلاف في أمور المعاش بين أفراد البشر، وكلّ يدعي الحقّ إلى جانبه، ولا يتيّسر فضّ النـزاع ورفعه من دون التحاكم، فيتوجّب على الخالق الحكيم الرؤوف الرحيم أن يجعل للمحاربة والاقتتال رادعاً، وللاختلاف والنـزاع رافعاً؛ ليمنع وقوع الاختلال والوهن الحاصل جرّاء ذلك، وليرجع إليه في حلّ النـزاعات ومواطن الحيرة والتردّد)).
((ولا يصحّ على الحكيم سبحانه ــ بالحكم العقلي والقطعي ــ أن يدع النوع الإنساني، مع اختلاف الأهواء والآراء، مطلق العنان، لم ينصّب له من يتولى أمره، فإنّ هذا قبيح ومذموم عند العقلاء)).
((وقد عرفت أن الحكم القطعي في الأمور التكليفية يوجب تحقّق التكليف، فلا بد أن نكون إذاً مكلّفين بطاعة الرئيس [المراد بالرئيس هنا هو النبي (ص) ))
ثم يواصل النراقي، استدلاله بالتعرّص لسيرة الملوك والسلاطين من الروم وإيران والهند والإفرنج، فإنّهم عندما يستولون على بلاد جديدة يسارعون في نصب الحكّام والولاة معتبرين ((عدم المبادرة الى ذلك وإهماله أمراً غير جائز ولا مسموح به في إدارة الأمور والرعية)).
وكذا الأمر عند والي كلّ بلد، فإنّه يحرص على نصب من يتولّى الأمور ويحسن تدبيرها في أطراف بلده والمناطق التابعة لها، ثم يضيف النراقي قائلاً: ((فكيف يصحّ للملك الحقّ والحكيم المطلق... أن يترك هذا الجمع الكثير والجمّ الغفير ــ مع اختلاف أهوائهم وآرائهم ــ بلا رئيس ولا حاكم يجب اتّباعه والاقتداء به؟ وكيف يجوز أن يدع هذا القطيع في هذه الدنيا بلا راع، تحوطه مخالب الوحوش المفترسة الطباع؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)).
وقد يثار هنا إشكال عن ضرورة أن يتصدّى النبي للرئاسة، بعد تسليم ضرورة أصل أن يكون هناك تشريع وقانون يتكفّل إقرار رئيس لدفع النـزاع وحفظ النظام.
ويجيب النراقي عن ذلك بأنّ إقامة النظام السياسي تتطلّب مجموعةً من القوانين المشرّعة من الله سبحانه؛ وذلك أولاً: باعتباره الخالق لهذا الإنسان العالِم بمكنون وجوده، وثانياً: لحكم العقلاء بقبح ترك هذا الموجود وإهماله بهذه الصورة. فالصحيح أن يصطفي سبحانه من خلقه من يمتازون ويتمتّعون بصفات متميّزة ويؤيّدهم بالوحي، لكي يقوموا بتنظيم حياة البشرية بنحو تتعرّف على أحكام الله وقوانينه من جهة، وتصلح أمورهم وتستقيم حالهم من جهة أخرى.
وعليه، فإنّ وظائف الأنبياء لا يمكن أن يقوم بها السلاطين والحكماء؛ لعدم اتّصالهم بالمصدر الذي يشرّع القانون الصحيح الذي هو عبارة عن الوحي. بل حتى على فرض إمكانية أن يقوم السلاطين والحكماء بذلك بذكائهم وفطنتهم، فإنّ ذلك لا ينفي أيضاً الوجوب العقلي لوجوب نصب الرئيس على الله سبحانه، وفي هذا الشأن يقول النراقي: ((فإذا اعترضت قائلاً: نعم لا محيد عن تأسيس قواعد وسنّ قوانين تتكفّل برفع النـزاع والمفاسد وحفظ النوع (الإنسان) من القتال والجدال بنصب رئيس مدبّر وحاكم عالم وماهر، ولكن ما هي الضرورة في كون هذا الرئيس نبياً؟ فإنّ ذلك يمكن أن يتحقّق بتصدّي حكماء نبهاء وسلاطين واعين ومقتدرين، قلنا: إنّه لا يجدي تصدّي السلطان أو الفيلسوف في بيان (التكاليف) التي أشرها إليها، لذا عرفنا أن نصب شخص مثل النبي لهذه المهمّة لازم وواجب...)).
وبذلك استعرضنا رأي النراقي في ((إبلاغ التكاليف)) وتأسيس النظام السياسي من قبله سبحانه وبواسطة الأنبياء، كما أنّ ما ذكرناه كان يرتبط بصلاحيات النبي وإمام الأصل (ص).
إذن، ما يراه النراقي هو عدم إمكان وصول الإنسان إلى هدفه ــ وهو السعادة ــ بدون الهداية الإلهية ووجود القادة الإلهيين، وهذا هو الفارق الأساس بين رأي النراقي ورأي أفلاطون، فليست الفلسفة ــ عند النراقي ــ ولا الرياضات العقلية أو الإشراقية بقادرة على هداية البشرية إلى هدفها اللائق والمنشود، كما أنّ نظرية العقد الاجتماعي عنده هي الأخرى ليست بالصياغة الصحيحة لنظام الحكم أيضاً، وأقوى الحجج التي يطرحها لإثبات مدّعاه: أنّ الرئاسة بحاجة إلى مؤهلات ذاتية ونصّ إلهي خاص، فكلّ انتخاب خارج عن هذه الدائرة يكون فاقداً للاعتبار.
ليس المرشد [الهادي والمربي] من اعتبره الناس مرشداً
أو دعي بذلك من غير استحقاق
إذا أراد المرء أن يتّخذ شخصاً مرشداً.
فلا بد أن يهيئ نفسه لقبول إرشاداته
كلّ من تعتبره أنت مرشداً
فإنّ إرشاده يليق بك فحسب
إنّ من تجعل منه إماماً يا صاحب الأهواء
سيتبعك ويقتفي أثرك
كيف تصبح إماماً والإمامة غير لائقةٍ بك
متى أصبح ما يفضل من طعام الآخرين طعاماً لك
إنّ المرشد هو من يكون من قبل الحق
يهديه نور الحقّ في كل مكان
وإمامته ثابتةٌ بالنصّ الإلهي
وعلمه بإلهام رباني
المرشد هو من نصب من قبل الدين للإمامة
ليست (المرشدية) بالشيخوخة الظاهرة.
والدليل الذي يسوقه النراقي لإثبات ضرورة تأسيس النظام السياسي، وضرورة أن يكون هذا النظام المطابق للقانون الإلهي بيد شخص (ملهم من السماء) ورئاسته ثابتة بـ(النص الإلهي) هو: أنّ الانسان ليس بمقدوره أن يستغني عن نوعه البشري، أو ينكفئ على ذاته وقدراته الذاتية، ولذا فإنّ علاقته بالمجتمع علاقة الجزء بالكلّ، وقد أودع الله سبحانه فيه جملةً من الميول الاجتماعية، كما زوّد ــ في الوقت عينه ــ بميول ورغبات متضاربة، بعضها طالب للخير والصلاح، وبعضها طالب للشر والفساد، إلاّ أنّه سبحانه قد خلع عليه (كسوة الاختيار) ليخرج عن مصافّ المخلوقات المسيّرة والمجبورة.
في ضوء ذلك، يغدو الإنسان أفضل المخلوقات وأشرفها إذا استطاع بلوغ الكمال بالسلوك والاعتدال الخُلقي، أمّا لو تخلّى عن المبادئ والخُلق، واختار طريق التحلّل فقد هبط إلى أسفل ممّا عليه الحيوان، وكما يقول أرسطو: الظالم مسلّح، والظالم المسلّح يفوق خطرُه خطرَ كلّ شيء.
يقول النراقي: ((لقد تمّ تجهيز الإنسان منذ خلقه الأوّل بعدّة وسائل، وزوّد بها فقط ليسخّر عقله وفضائله في عمارة آخرته))، مع قدرته على تسخيرها في أهبط المقاصد وأحطّ الأغراض.
إنّ الميول والرغبات المتضادّة هي التي توصل الإنسان إلى منصّة (التكليف الإلهي)، إذ ليس بمستطاعه إدراك الفضائل ونيلها بدون التكليف، وإذا تجرّد عن الفضائل تحوّل إلى وحشٍ لا تضارعه الوحوش، ونزل بنفسه أنزل الدركات الحيوانيّة.
وعليه، يعتبر إرسال الرسل ووضع أوّل لبنة في بناء الدولة أكبر النِعم الإلهية، وأجسم المنن الربانية على الإنسان.
ولا يتسنّى للإنسان نيل السعادة إلاّ في ظلّ هذا القانون وهذا النظام الصالح، فهو القادر على إقامة العدل، وكما تقوم الدولة بتأمين النظم الاجتماعي فإنها تأخذ على عاتقها أيضاً أمر تربية المجتمع وتهذيبه، فتصبح بذلك الدولة المربية، ويساعد عنصر الاختيار عند الإنسان على الالتزام بقوانين الدولة فيما تشرّعه من قوانين وتسنّه من أحكام، ممّا يضمن ويسرّع في رقيّه الأخلاقي والعقلي:
يقول النراقي بهذا الصدد:
لمّا أضحى الاختيار والجهل والظلم عند البشر
أموراً مقترنةً بعضها ببعضها الآخر
فقد صار أهلاً للتكليف الرباني
ومورداً للأمر السلطاني
لو لم يكن الاختيار موجوداً في طبيعة الإنسان
لما صحّ الأمر والنهي والوعد والزجر...
إنّ الإنسان المغرور الجهول
قد قبل حمل تلك الأمانة الثقيلة
قَبل بهذه المسؤولية العظيمة
غافلاً عمّا سيؤدي إليه هذا الاختيار
كلّ ما يتحمّله الإنسان في العالمين
إنّما هو بسبب ذلك القبول
صار الاختيار سبباً لبلاء الإنسان
يا حبّذا عدم الاختيار يا حبذا
كلّ من يكون نصيبه من الاختيار أكثر
كان بلاؤه أكثر وأكثر
الأخيار أكثر اختياراً
فهم أشدّ الناس محنةً وبلاءً.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com