موقع الصراط ... الموضوع : الهم الإسلامي في شعر السيد محمد حسين فضل الله-2
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الهم الإسلامي في شعر السيد محمد حسين فضل الله-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 27 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  ردود الفعل:
أولاً: مع الله.. دعاء ومناجاة
لا بد من غذاء للمسيرة، فكان الله رباً وملجأً وملاذاً وموضع شكوى ومناجاة وقوة يستند إليها في حلبة الصراع، وكان لهذه المفردة حقل واسع من ديوان الشاعر بعنوان (مع الله)، جعله في الصفحات الأولى من الديوان، إيحاءً بأنه يستمد قوته منه في الموقف من التحدي الذي يستهدف عباد الله ودين الله، فلا بد والحال هذه من العودة إلى الله ذاته، وإلى دينه وشرعه بعد ذلك.
ويلاحظ على طابع الدعاء في الديوان، أنه ذو شقين: الشق الأول فردي، والثاني جماعي يمثِّل صوت الأمة وصوت الجماعة الرائدة المؤمنة فيها.
في الشقِّ الأول، يبدو العبد المذنب الذي يطلب رحمة الله وغفرانه، ويستمد منه العون على طاعته، حيث يبدو أثر الصحيفة السجادية واضحاً في هذا المجال. وهذا أمر غير غريب، لأن السيد منذ صباه قد ألف أجواء الدعاء هذه، نظراً لصلة أسرته وبيئته بأدعية أهل البيت، ومن أمثلة ذلك:
أنا راجٍ غفران ذنبي وإن ضجَّ بنتن الذنوب مني الفضاءُ
وأنا من أنا؟ سوى الفقر للرحمة والعفو حسب قلبي الرجاءُ
أنت ربي وقد صنعتَ بنعماك كياني.. وفاضت النعماء
وهذا هو الغالب في الديوان، ومعه يكون التوجه الجماعي نحو الله في مسيرة الكدح والجهاد والدعوة والوقوف في مواجهة الأعداء بوجوههم المتعددة، كما يلاحظ في هذا النموذج:
أنت حسبي، يا ربّ إن جُنّتِ الأهوالُ حولي من عاديات الزمان
كل عمري للحقّ، للخير، للإسلام، للنور في ربيع الجنانِ
فليكن ما يكونُ، ماذا يقولون؟ أنخشى ضراوة الأضغان؟
أبداً نحن جند دينك في الساحة نحيا لموعد الإيمانِ
إنها قصة الجهاد إذا اشتدت على الدربِ هجمة الطغيان
فالحس الجمعي الإيماني للجماعة المؤمنة، يجعلها أكثر قدرةً على خوض الصراع في غمرة من الإحساس بالمدد الإلهي والتسديد الإلهي الذي يُستنزل بالدعاء والصدق والوحدة.
ثانياً: الدعوة.. والعمل
مرّ على أمة الإسلام حينٌ من الدهر استمرأت فيه الخمول والكسل والاتكالية، حتى صدقت عليها مقولة (القابلية للاستعمار)، وكان يغذي هذا المرض أناس فهموا القرآن وفهموا الإسلام على أنه عبادة فردية منعزلة عن حركة الحياة، والأقسى من هذا، أنهم يقفون في طريق العاملين والدعاة ويسمونهم بصفات تنفّر الناس منهم، فصاروا عقبةً في طريق العمل لا تقل عن العقبات التي يضعها العدو الأجنبي والعدو المحلي الذي يتمثل بالحكام وأتباعهم.
من هذا النمط البشري المثبط، يسخر السيد الشاعر سخرية لاذعة، حين يصور منطقهم في التعامل مع حركة الحياة ومفردات التحدي:
ويظلّون يهمسون تعالوا ننشد الأمن بين ظلٍّ وماءِ
إنها نغْمة الحياة.. اشتهاءٌ أريحيُّ اللّذاتِ فوق اشتهاءِ
ما لنا والدخول بين السلاطين فهذي طريقة الغوغاءِ
نحن لا نفهم السياسة فلنتركْ خطاها لعُصبةِ الزعماءِ
ولنسبِّح لله تسبيحة الخاشع في أريحية الآلاءِ
إننا ها هنا لنعبد في روح النبواتِ خالقَ الأشياءِ
ثم نجري لنحضن الجنّة الخضراء حباً في هدأة الإغفاءِ
وعن الذين يضعون العقبات أمام العاملين للإسلام الداعين دعوة الحق، يكتب السيد قصيدة (علام الضجيج)، ويخاطبهم قائلاً:
علامَ الضجيج؟
وماذا فعلنا؟
وأنتم تثيرون أنى اتجهنا
غبار الطريق علينا
لأنّا دعونا إلى الله فيما دعونا
وأنّا أردنا هنا
أن يظلّ الطريقُ بوحي الهدى يتغنّى
ويعلوَ صوتُ السماءِ الحنونِ
وإن عربد البغي يوماً وُجنّا
ويرى أن هذه سنّة أخرى من سنن الله الاجتماعية، فكلما ظهرت دعوة للحق على ألسنة الأنبياء، انبرى أصحاب المصالح والذين في قلوبهم مرض والذين لا تبصر عيونهم النور، انبروا بشتى الأساليب للوقوف في وجه دعوة الحق. وها هي الأهداف نفسها وإن تغيّرت أساليبها، من نمرود وفرعون وأبي جهل، إلى رموز الكفر والضلال والفساد المعاصرة:
كالأساليب القديمة
كحكايات أبي جهل اللئيمة
عندما لوَّنت الدعوة أجفان الحياة
بالشعاع الوادع السمح، بألطاف الإله
إنهم اليوم مثل أسلافهم، يتفنّنون بالإشاعات وإلصاق التهم ومحاربة عباد الرحمن، ولكن صوت هؤلاء العباد يتحداهم بعنف:
غير أنّا سوف ندعو للأساليب الكريمة
وستندكُّ مع الفجر
الأساليب القديمة
ثالثاً: معنى الإسلام وعظمته
لا بد لحَمَلَة الهم الإسلامي من أن يوضحوا فهمهم القديم الجديد للإسلام، بعدما عمل الغرب وأعوانه من المسلمين، على طمس معالمه، ورسمه بصورة لا تغري بالإيمان به، إن لم تشوهه وتأتي على كل جانب إيجابي بنّاء فيه، فكان أن انبرى حملةُ الرسالة الجدد، من الغرباء الذين يُحيون ما أمات الناس من سنة محمد(ص)، لبيان عظمة الإسلام والخير الذي يبشِّر به البشرية جميعاً، إنْ هي سارت تحت لوائه. وإليك هذا البيان الشعري للإسلام:
الدين لو وعت الحياةَ معاشرٌ * فكرٌ تُحرَّرُ باسمه الآراءُ
يدعو لتحرير الشعوب فليس من * قانونه أن يقهر الضعفاءُ
أو ينحني شعب لسطوة غاصبٍ * أو ينتشي ذئبٌ لتنحرَ شاءُ
ونظام حقٍ تلتقي بكيانه * وبروحه روحيّة وإخاءُ
ومحبة تسمو لتنقذ عالماً * من أن يحطم جانحيه فناءُ
وعدالةٌ تأبى طبيعة وحيها * إلا بأن يتصاغر الإثراءُ
هذا هو الإسلامُ نهجٌ واضح * للمهتدين ودعوة سمحاءُ
وليست هذه دعاوى، بل حقائق ينطق بها تاريخ الحضارة وسجل الأجيال التي قادت البشرية إلى شواطىء العدل والأمن والعلم...
إنه الإسلام دربُ العبقريات السخيّةْ
دربنا المشرق في ظل حياةٍ أريحيةْ
في مدانا حيث يحيا الفكر في أرض نديةْ
حيث يجتاز الطريق الوعر في روحٍ رضيّةْ
ويثير النور في أعماق درب البشريةْ
وشتان بين الروح الشعري حين يؤمن بالمبادىء، فيهبها قلبه وأحاسيسه، وتتفاعل خلاله الذات والموضوع، حتى ليبدوا شيئاً واحداً، (أنا مَنْ أهوى ومن أهوى أنا)، شتان بينه وبين العقل البارد الذي يحلِّل الأشياء بطريقة منطقية محايدة!!
ومن المعلوم أن التبشير بمبادىء الإسلام هذه، كان في بدايات الدعوة إلى الإسلام الحيوي والحركي فكرة غريبة، احتاجت إلى فترة من الزمن كي ترسخ جذورها في أوساط الشباب الذين ألفوا الفهم الغربي عن الدين عامة، وعن الإسلام خاصة.
رابعاً: أمل.. وثقة.. وإصرار
منذ بدايات العمل الجاد، حيث قلّ النصير وقلّ من يعي وظيفة الإنسان المسلم في حياة الصراع المعاصرة، كان هناك أمل يحدو العاملين بغذ السير لتحقيق الحلم؛ حلم أن تكون حرية الإنسان المسلم في ألاّ يعبد إلا الله، وألا يطيع إلا الله أو من سار على هدى الله، وأن يكون همّه تعبيد الناس لله وحده، وأن تكون كلمة الله هي العليا، ورسالته هي الشرع القائم بين الناس، وأن يُدحر الشيطان ويُرغم أنفه. منذ البداية كان هذا الحلم:
ما زالت الأجيال.. في ملاحم الصراع
ولن يزال
هذا الدجى يعتصر الشعاع
ويحطم اليراع
ولم نزل نبحث عن حياةْ
عن أغنياتٍ تنسج الصباح
عقيدة تحضنها الرياح
فتغزل الشروق
حلْماً حريرياً كخفقة العروق
ومنذ البداية، كان هناك الإصرار والتحدي والقوة المستمدة من ربّ القوى وناصر المؤمنين:
وهنا نحن أعين ترمق الفجر وأيدٍ تشلُّ كفَّ الحقودِ
سوف نجري ومشعلُ الحقّ يهدينا إلى نهجكَ العظيم السديدِ
وسيبقى صداك يُبدعُ الوعي بأعماقنا لفجر ولُودِ
كان هذا في ذكرى المولد النبوي، حيث يستمد من الذكرى القوة والأمل والعبر، وهكذا كان الأمر في كل مناسبة تتعلق بميلاد الأئمة(ع)، لأن في حياتهم عبراً، وفي حياتهم قدوة للاستمرار والتضحية والترقب الصابر.
وقد لاحظنا كيف كان الدعاء مناسبة للتزود بزاد الشهادة، والاستعداد لمراقي التضحية، وكيف كان اللقاء بالله في لحظات العبادة الداعية، فرصة للّعب المتشوق من الذات الواهبة القادرة العالمة الموفقة. وسوف نختم هذه المفردة بآخر مقطع من الديوان، وهو يمثل حالة من حالات القوة والتحدي والإصرار الواعد، لأنه مقطع من رحاب الدعاء والتوجه إلى الله،وطلب العون منه،للتوفيق لنيل المرتبة العليا، مرتبة العبودية والعمل على إعلاء شأن الدين ورفع لوائه:
أبداً.. سوف يشهد الكون، في تاريخنا الطهر، مصرع الشيطانِ
وسنبقى في روعه القدس، من وحيك، نحيا انطلاقة الوجدانِ
أنت ربُّ الحياة والموت، منك الخوف، في راحتيكَ سرّ الأمانِ

شعر السيد ومعادلة الهدف والفن
لو عبّر السيد فضل الله عن الهمّ الإسلامي المعاصر بلغة العالم أو السياسي أو المصلح الاجتماعي، لما عُنينا بشعره، لأن الشعر فن له أصوله. وهي أصول لا تسلس القياد إلا لأهل الموهبة القادرين على الإبداع من خلال الكلمة الفنية.
إن هدفاً، مهما سما وعظم، لا يمكن أن نتجاوب معه وننفعل بُرؤاه، إلا إذا كانت الأداة التي تصوره أداة فنية تراعي أصول الفن، شعراً كان أو قصة أو مسرحاً.
وشعر السيد يحافظ على هذه المعادلة (الهدف والفن)، حيث يتعانق الهدف العظيم والفن الأصيل والصدق الشعوري الذي يعشق الفكرة ويذوب فيها.
ولعل أوضح عناصر التجربة الشعرية عند السيد، هي اللغة المتفردة التي توظف الطبيعة المتحركة، وتستقي منها مفرداتها المأنوسة الهامسة. وهي لغة اعتمدها الشعراء الرومانسيون الأوروبيون والشعراء العرب الذين تأثروا بهم من أصحاب مدرسة الديوان والمهجر وأبولو. وتأثر السيد في هذا المجال باللغة الرومانسية تأثراً لا يجعل السيد شاعراً ورومانسياً، لأن الرومانسية موقف من الحياة والمجتمع، وهو موقف يختلف عن موقف الإسلام الذي يعتنقه السيد. ولكن اللغة حيادية يمكن أن يوظفها أصحاب الرؤى والنظرات المتفاوتة عن الكون والحياة.
وتتعانق مفردات الطبيعة مع مفردات الوجدان والأحاسيس والمشاعر، ومفردات الموسيقى وأدواتها في لغة السيد، شأنه شأن شعراء الاتجاه الوجداني.
وحصيلة هذا، تقريب الفكرة والهمّ الذي يحمله الشاعر إلى نفوس المتلقين، ما يجعل هذه اللغة عنصراً محبّباً إلى الشعر الهادف، لأن اللغة الصائتة الحادة، واللغة التي تعتمد كلياً على القاموس القديم، ربما لا تساعد على خدمة الفكرة وتقريبها إلى الإنسان المعاصر.
والعنصر الآخر من تجربة الشاعر هي الصورة، وهي عنصر أساس في قيمة التجربة وأصالتها وعمقها. والحق أن مخيلة السيد فضل الله مخيلة خصبة ومكثفة، إذ قلّما تجد قصيدة أو مقطعاً من شعره يخلو من التصوير، ولكنه في الواقع تصوير جزئي عبر الاستعارة أو التشبيه أو التركيب المعبر عن صورة مستحدثة. ويقل في ديوان السيد الصورة القصصية أو المشهد التركيبي، وهو المشهد الذي تمثله صورة واحدة متنامية، كما يقل في الديوان مشهد الحوار أو الاستفادة من الفنون الأخرى.
ولكننا نجد السيد يستثمر الرمز الموضوعي، وهو الذي يستثير التراث بما فيه من طاقات تفجر الوعي لدى الجمهور المسلم، خاصة الرموز الحية في نفوس أنصار أهل البيت، من مثل رمز الحسين والرموز التي تمثل واقعة كربلاء، وما صاحبها من رموز للشر والحقد، من مثل رمز يزيد بن معاوية والشمر بن ذي الجوشن.
وقد يعمد السيد إلى الرموز اللغوية من مثل: الدرب والذئاب والكلاب والزورق والضباب والظلام والنور والمستنقع والرياح، وهو يلتقي بهذا مع كثير من الشعراء المعاصرين والوجدانيين منهم خاصة.
وموسيقى السيد موسيقى هادئة رخية، وهذا الهدوء متأتٍ من اللغة الهامسة، ومن البحور ذات النبر الرخي، مثل البحر الخفيف الذي يستأثر بالكثير من قصائد السيد.
وبشكل عام، فإن السيد يوفق بين عناصر الكيان الإنساني في تجربته الشعرية بشيء من التوازن، فلا يطغى العقل على العاطفة، كما لا تطغى العاطفة على العقل، بل يؤدي كل مكوّنٍ من مكوّنات الذات الإنسانية وظيفته، وهذا يتسق ونظرية الأدب وفق المفهوم الإسلامي، في الوقت الذي تغلو مذاهب الأدب في أوروبا، فيتجاوز العقل أو العاطفة أو الشعور أو اللاشعور على غيره من مكوّنات الوجود الإنساني، ما يجعل التجربة الفنية غير واقعية وغير معبّرة عن الكيان الإنساني ذي النسب المتزنة.
وفي الختام، يمكن القول إن الشاعر أعطى لهدفه العقائدي حقه، كما أعطى للفن حقه من العناية والصدق والانفعال، وبهذا يتحقق المطلب المنشود في التعادل بين الهدف والفن.
المصدر: موقع البينات
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com