موقع الصراط ... الموضوع : ثورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-4
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ثورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-4  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 27 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  خصال الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:
كما اعتبر الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسمى الفرائض؛ لأنه بهما تقام الفرائض, ووجوبهما من ضروريات الدين, وإنَّ منكرهما مع الالتفات كافر وسُمي تاركهما بيده ولسانه وقلبه ميت الأحياء, وهما أوفر أعمال البر ثواباً للعامل المخلص, يقول أمير المؤمنين (ع): (وَمَا أَعْمَالُ الْبِّرِ كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر إلا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ)
فترى أنه (ع) (شبه أعمال البر كلها بالنسبة إليهما بالنفثة في البحر اللجي, ووجه الشبه أنَّ كل خصلة من أعمال البر جزئي بالنسبة إليهما كالنفثة بالنسبة إلى البحر, وعموم الخير منهما...)
ولما كان لهذا الفريضة كل هذا السمو فقد أراد الإسلام للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون بمستوى أداء هذه الفريضة من خلال توفره على صفات أساسية ليكون صالحاً لأدائها؛ ولهذا ليس كل إنسان صالح للقيام بهذه المهمة, والسر في ذلك أن الإنسان قد يندفع بدافع الحرص على الدين مع توفر الإخلاص والصدق, ولكن قد لا يُحسن الأداء.
وحينئذ تأتي النتيجة عكسية فيُضل المأمور, أو يزيده إصراراً, وعناداً, وعتواً في الوقت الذي يقصد منه الإصلاح؛ ولهذا نجد روايات السنة الشريفة وصفت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنهما خلقان من خلق الله, يقول الإمام الباقر (ع): (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله، فمن نصرهما أعزه الله, ومن خذلهما خذله الله)، وهنا إشارة إلى قدسيتهما فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتخلق بخلق الله من العلم, والمعرفة، والحكمة, والرحمة, والتجرد عن المصالح الذاتية ليكون عمله مؤثراً وفاعلاً؛ ولهذا فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن يتحلى بثلاث خصال؛ ليكون أهلاً لذلك:
1 – العلم والمعرفة: ما لم يكن الإنسان عارفاً بما يأمر به, وبما ينهى عنه وعارفاً بالأساليب الحكيمة للأمر والنهي لا يصلح لأداء هذه المهمة العظيمة, وبعبارة أخرى إن الإنسان لكي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يعرف المنكر والمعروف, وأن ما ترك معروفاً, وما فعل منكراً, وأن هذا الفاعل أو التارك مصرّاً على فعله محتملاً استجابته؛ ولذلك اعتبر بعض الفقهاء: العلم شرط الوجوب وهو بمثابة الاستطاعة بالنسبة للحج، كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسقطان عن غير العالم العارف بهما كما في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سمعته يقول وسُئِلَ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أواجب هو على الأمة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل له: ولِمَ؟ قال: إنما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ يقول من الحق إلى الباطل...)
وفي حديث آخر عن رسول الله (ص): (لا تأمر بالمعروف ولا تنهَ عن المنكر حتى تكون عالماً وتعلم ما تأمر به)
إذن المعرفة بالمعروف, وبالمنكر, وبأحكامهما شرط أساسي في أداء هذه الفريضة؛ ولهذا أفتى الفقهاء بذلك. يقول الإمام الخميني رحمه الله في ذلك: (أن يعرف الآمر أو الناهي أن ما تركه المكلف, أو ارتكبه معروف أو منكر, فلا يجب على الجاهل بالمعروف والمنكر والعلم شرط الوجوب كالاستطاعة في الحج)
2 - الحكمة: ونقصد بها أن يكون الآمر الناهي مجيداً لأساليب الأمر وأساليب النهي بحيث يضع الأمور مواضعها فيتبع الأسلوب المناسب لكل شخص، ويجيد أسلوب الخطاب, فيخاطب القلوب؛ ليحرك بها العقول, ومثاله كمثل الطبيب الذي يعطي العلاج المناسب للمريض فإنَّ الطبيب لو أعطى دواءاً لمريض لا يلائم مرضه فإنه سيزيده ألماً ومرضاً؛ لهذا جاء في حديث روح الله المسيح (ع): (وليكن أحدكم بمنزلة الطبيب المداوي إن رأى موضعاً لدوائه وإلا أمسك)
وقد لخص الإمام الخميني رحمه الله ذلك مستفيداً من أنوار الأحاديث الشريف قائلاً: (ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في أمره ونهيه ومراتب إنكاره كالطبيب المعالج المشفق, والأب الشفيق المراعي مصلحة المرتكب, وأن يكون إنكاره لطفاً, ورحمة عليه خاصة, وعلى الأمة عامة, وأن يجرد قصده لله تعالى ولمرضاته ويخلص عمله ذلك عن شوائب أهوية نفسانية, وإظهار العلو... فربما كان للمرتكب ولو للكبائر صفات نفسانية مرضية لله تعالى أحبه تعالى, وإن أبغض عمله, وربما كان الآمر والناهي بعكس ذلك, وإن خفي على نفسه)
ولا شك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا لم يكن حكيماً في أدائه فإنه سيضر ولا ينفع والعكس صحيح.
ومن أمثلة الحكمة في ذلك قصة الحسن والحسين (ع) مع ذلك الشيخ الذي كان يتوضأ خطأ فقد روى المجلسي عن عيون المحاسن عن الرُّوياني: (أنَّ الحسن والحسين (ع) مرّا على شيخ يتوضأ, ولا يحسن, فأخذا في التنازع, يقول كل واحد منهما: أنت لا تحسن الوضوء, فقالا: أيها الشيخ كن حَكماً بيننا يتوضأ كل واحد منا، فتوضئا ثم قالا: أينا أحسن؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء, ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن, وقد تعلم الآن منكما, وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على أمة جدَّكما)
نعم هذا هو الأسلوب الحكيم الذي يجعل الإنسان يحس بخطئه من دون مس لكرامته بل بحفظ ماء وجهه ويرجعه إلى سبيل الرشاد... أما لو لم يستعمل أسلوب الحكمة فينقلب الأمر على عكس مراد الأمر.
ينقل الشهيد المطهري عن أحد الخطباء: (إنَّه كان لديه صديق في (مشهد المقدسة) ممن لا يعرفون الصلاة, أو الصوم أبداً, بل إنَّه لم يكن يعتقد بأي شيء في الدنيا, ويمكن القول باختصار إنه كان رجلاً مناهضاً للدين من أساسه.
يقول الخطيب: ولكن بعد فترة لا بأس بها من الحديث, والحوار مع هذا الرجل، وتبيان معالم الدين له, تغيّرت شخصيته بالفعل, وصار شيئاً فشيئاً يتوجه نحو التمسك بأداء الفرائض، حتى صار رجلاً مؤمناً، وملتزماً حقاً, وتغيّر كلياً عن واقع حياته السابق، ولم يَعُد يكتفي بأداء الفروض اليومية, وهو الرجل صاحب المنصب الإداري الحسّاس في الدولة آنذاك, بل صار مُقيّداً في مغادرة دائرته الحكومية للحضور إلى صلاة الجماعة في المسجد, ويصلّي خلف إمام المسجد آنذاك - المرحوم النهاوندي- بل ويلبس العباءة الخاصة بالصلاة, ويشترك في الجلسات الدينية التي كانت تُعقد في المسجد.
ولكن فجأة يقول الخطيب: انقطعت أخبار الرجل, ولم نَعُد نشاهده في المسجد...
يقول الخطيب: اكتشفنا أنَّه, وبعد مضي فترة بسيطة على تردد الرجل المذكور إلى المسجد, ليُصلي الجماعة, وفي الصفوف الخلفية تقريباً, وإذا به يوماً يأتيه أحد المشايخ المُقدّسين, من أصحاب اللحى الطويلة, وأهل المسواك والسبحة, وغير ذلك من الالتزامات الجانبية، التي يركز عليها مثل هؤلاء (المؤمنين) جداً, والذين يريدون التمنن حتى على الله سبحانه وتعالى في صلواتهم وعباداتهم.
نعم يأتي إليه مثل هذا الرجل وسط الصلاتين, وفي, غمره اجتماع المصلّين تاركاً الصف الأول الذي يصلي به، متوجهاً إلى الصفوف الخلفية؛ ليواجه أخانا مورد الحديث فيجلس أمامه, ويقول له: أريد أن أسألك سؤالاً.
فيقول له الرجل: تفضل.
فيسأله الشيخ قائلً: هل أنت رجل مسلم!؟
فيُدهش صاحبنا المسكين, ولا يدري كيف يرُد عليه, ولكن يقول له: ما معنى هذا السؤال الذي توجهه إليَّ؟
فيُصرّ الشيخ على سؤاله, ويطلب إليه ويرجوه التفضل بالإجابة, هل هو مسلم حقاً أم لا؟
فينزعج كثيراً صاحبنا المسكين, ويُجيبه قائلاً: أنا مسلم يا مولانا, ولو كنتُ غير مسلم فما بالي والصلاة جماعةً في مسجد (گوهرشاد) هنا؟
فيردُ عليه الشيخ: إذا كنت مسلماً حقاً, فلماذا إذاً هكذا وضع لحيتك؟
فما كان من صاحبنا, يقول الخطيب إلا أن جمع سجّادة صلاته وغادر المسجد على الفور وهو يقول للشيخ: تركتُ لك صلاة الجماعة هذه, وهذا الدين, والمذهب أيضاً والسلام, ولم يَعُد منذ ذلك اليوم يتردد على المسجد أبداً.
[ثم يعلق الشهيد المطهري قائلاً:] نعم فهذا أسلوب آخر من أساليب النهي عن المنكر! لكنه ينبغي إخراج نعته بأسلوب إخراج الناس من الدين، وتنفيرهم منه، لأنَّه ليس فوق هذا العمل عمل باستطاعته خلق المعارضين والأعداء للدين)
ومن أمثلة الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما نقله لي أحد المؤمنين يقول: زرت مع مجموعة من المؤمنين سماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم رحمه الله فنظر السيد إلى أحدنا, وكان في إصبعه خاتماً من الذهب, فقال السيد لذلك الشخص: أعطني هذا الخاتم, فخلعه من يده, ودفعه إليه, فأخذه السيد وقام ودخل غرفة, ثم رجع وبيده خاتماً من الفضة, فقال للرجل: البس هذا الخاتم الفضي فإن فيه ثواب, ودفع له خاتمه الذهبي, وقال: أهده إلى زوجتك, فاستَّر الرجل, وفهم أن الذهب حرام...
3 - الالتزام: ونقصد بذلك أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ملتزماً بما يأمر به تاركاً لِما ينهَ عنه, أي أن يطابق قولُه فعلَه؛ لأنَّ من المستحيل أن يستجيب الناس لمن يخالف فعلُه قولَه, يقول أمير المؤمنين علي (ع): (أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي وَاللهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ, إِلا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا, وَلا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا)
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (إنما يأمر بالمعروف, وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالم بما يأمر به, تارك لما ينهى عنه, عادل فيما يأمر, عادل فيما ينهى)؛ لأنَّه ليس من العدل أن يخالف الإنسان ما يأمر به, ويرتكب ما ينهى عنه فيكون مصداقاً لقوله تعالى: ((لِمَ تقولون ما لا تفعلون)) ويستحق مقت الله تعالى.
وبلا شك أنَّ مصيبةَ المسلمين الآن أنَّ الكثيرين ممن يتزينون بزي أهل العلم والدين يخالفون بين أقوالهم وأفعالهم, ولو أنهم راعوا هذا الأمر لصلحت الأمة إلا من أضلَّه الله على علم منه, فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولقد رأينا العلماء العاملين بصدق وإخلاص ممن طابقوا بين القول والعمل كان أثرهم على الناس كبيراً, وهنا تبرز عظمة العالم العامل.
يقول الإمام الخميني رحمه الله: (من أعظم أفراد الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر وأشرفها, وألطفها، وأشدها تأثيراً, وأوقعها في النفوس سيما إذا كان الآمر, أو الناهي من علماء الدين, ورؤساء المذهب أعلى الله كلمتهم هو الصادر عمّن يكون لابساً رداء المعروف واجبه ومندوبه, ومتجنباً عن المنكر, بل المكروه وأن يتخلق بأخلاق الأنبياء والروحانيين, ويتنزه عن أخلاق السفهاء, وأهل الدنيا, حتى يكون بفعله وزيِّه وأخلاقه آمراً وناهياً, ويقتدي به الناس)
وهذا ما أراده أئمة أهل البيت (ع) وأكدوا عليه من خلال وصاياهم لشيعتهم فعن ابن أبي يعفور قال: (قال أبو عبد الله (ع): كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الورع, والاجتهاد, والصلاة, والخير, فإنَّ ذلك داعية)
وفي وصية الإمام العسكري (ع) لشيعته: (اتقوا الله, وكونوا زيناً, ولا تكونوا شيناً، جروا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل قبيح)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com