موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-23
 
الجمعة - 22 / ذي الحجة / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-23  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 27 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  هجرة الرسول (ص) إلى المدينة:
بعد أن هاجر أغلب أصحاب رسول الله (ص) إلى المدينة، وأصبحوا في مأمن من سطوة قريش، وتسلطها، ولم يبقَ من المؤمنين في مكة إلا القلة القليلة من المستضعفين الفقراء الذين لا حيلة لهم، وهكذا أصبحت الهجرة واجبة على المؤمنين من تخلف عنها ظلم نفسه، واستحق العقاب، يقول تعالى: ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً))
يقول ابن هشام: (وأقام رسول الله (ص) بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حُبس أو فُتن، إلا علي بن أبي طالب (ع)، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق)
ولما عرفت طغاة قريش أنَّ الأمر سيفلت من أيديهم بعد أن أصبح للمسلمين قاعدة يتجمعون فيها، وينطلقون منها اتخذت قرارها الحاسم بقتل رسول الله (ص) ، وتضييع دمه بين القبائل وفق مخطط إجرامي كبير تشترك به معظم قبائلها؛ لئلا يستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه.
ولهذا اجتمعوا في دار الندوة، وتداولوا الخيارات الممكنة التي يستطيعون من خلالها اجتثاث الدعوة المباركة من جذورها، ومن خلال التداول طرحت خياراتهم، فمن قائل منهم: (احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به) إلى أن يدركه الموت، ورُدَّ هذا الرأي بأنَّهم إذا حبسوه ؛ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلق عليه , ويمتد أمره، فالمسألة عندهم ليس شخص رسول الله (ص) وإنما عقيدته، وفكره، ورسالته الإلهية التي يجب أن يستأصلوها، ثم طُرح خيار آخر، وهو: إخراجه من بين أظهرهم، وتغييبه بعيداً عن مكة وأهلها، فإذا أخرج من بينهم فلا يبالون به أين ذهب، ولا حيث وقع، وبذلك يتخلصون منه، ويحافظون على كيانهم المهدد بالخطر من قبله، وفُنِّدَ هذا الرأي: بأنَّه إذا أخرج، ولجأ إلى بعض أحياء العرب، فإنَّه سيؤثر فيهم، ويجذبهم إليه بما يتمتع به من حسن الحديث، وحلاوة المنطق، وقدرته على جذب القلوب إليه، وتحريك العقول بقدرته الفائقة، وبرهانه النيرة، وحينئذٍ ستجتمع حوله الرجال، ويجعل منهم جيشاً قوياً، ثم يسير إلى مكة وأهلها، ويطأ رقابهم، ويسيطر على بلادهم، ويُحَكِّم ما يريد من شريعته، ويهدم ما سواها، وكان الخيار الحاسم هو رأي أبي جهل، وهو أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسبياً وسيطاً فيهم، ثم يعطوا كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، ويستريحوا منه، فإنَّهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يَقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، وحظي هذا الرأي بالتأييد من الجميع، وتمت الموافقة على تنفيذه على الفور بعد أن خططوا له بإحكام؛ لئلا يفلت من قبضتهم، وبينما هم يتذاكرون ؛ لتنفيذ مؤامرتهم، ويمكرون، ويمكر الله تعالى، ينزل جبرئيل (ع) على رسوله (ص) ، يأمره بالهجرة، وأن لا يبيت الليلة على فراشه، وفاتح رسول الله (ص) علياً (ع) في الأمر، وأمره أن ينام على فراشه هذه الليلة، وهنا تتجلى الروح المبدئية الذائبة في الله تضحية وفداء لرسول الله (ص) ولإسلامه العزيز، وكان جواب علي (ع) مذهلاً، فلم يسأله ماذا يعمل؟ وهل يقتل أم لا؟ أم هل يؤسر من قبلهم أم لا؟ كل تلك التساؤلات واردة في أمر يكتنفه الخطر بأفظع أشكاله إلا أنَّ علياً لم يسأل شيئاً من هذا القبيل، وإنما كان سؤاله عن سلامة رسول الله (ص) ، يقول المؤرخون: لما حسم طغاة قريش أمرهم بقتل رسول الله (ص) (سبقهم الوحي بما كان من كيدهم، وهو قوله تعالى: ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين))، فدعا رسول الله (ص) علياً (ع)، وأخبره بذلك، وقال له: أوحى إليَّ ربي أن أهجر دار قومي، وأنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي هذه، وأن آمرك بالمبيت على مضجعي ليخفي بمبيتك عليهم أمري، فقال علي (ع): أَوَتَسْلَمَنَّ بمبيتي هناك يا نبي الله؟ قال: نعم، فتبسم عليٌّ ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً شاكراً لله لما بشره (ص) بسلامته، قال رسول الله: ارقد على فراشي، واشتمل ببردي الحضرمي، وكان له برد حضرمي أحمر، وقيل اخضر ينام فيه، ثم ضمه النبي (ص) إلى صدره، وبكى، وجْدَّا به، فبكى عليٌّ جزعاً لفراق رسول الله (ص)، فأنزل الله عز وجلّ في عليٍّ: ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)) )
يقول العلامة السيد هاشم معروف الحسني: (وهنا تبدأ قصة من أروع ما عرفه تأريخ الفداء والتضحية، فالشجعان والأبطال يثبتون في المعارك في وجه أعدائهم يدافعون بما لديهم من سلاح، وعتاد مع أنصارهم وأعوانهم، وقد تضطرهم المعارك إلى أن يثبتوا في مقابل العدو منفردين، أما أن يخرج الإنسان إلى الموت طائعاً مطمئناً بدون سلاح، ولا عتاد، وكأنَّه خرج ليعانق غادة حسناء، فينام على فراش تحف به المخاطر والأهوال أعزل من كل شيء إلا من إيمانه ، وثقته بربه، وحرصه على سلامة القائد كما حدث لعلي (ع) حينما عرض عليه ابن عمه محمد (ص) أمر المبيت على فراشه؛ ليتمكن هو من الفرار , والتخلص من مؤامرة قريش، فهذا ما لم يحدث في تأريخ البطولات، وما لم يعرف من أحد في تأريخ المغامرات في سبيل المبدأ والعقيدة، لقد أخبر الرسول (ص) ابن عمه علياً (ع) الذي آخى بينه وبينه حينما آخى بين المهاجرين قبيل هجرتهم إلى يثرب، لقد أخبره بما اتفقت عليه قريش من اغتياله ليلاً وهو في فراشه، فبكى علي (ع) خوفاً على الرسول، ولما أمره بالمبيت على فراشه أجابه على الفور: أَوَتَسلم يا رسول الله إن فديتك بنفسي كما جاء في بعض الروايات، قال له الرسول: نعم بذلك وعدني ربي، فرحب علي (ع) بالأمر، وتبدل حزنه فرحاً وسروراً، وتقدم إلى فراش الرسول مطمئن النفس، واتشح ببرده الحضرمي الذي كان يتشح به، وأحاط القوم بالدار، وهم من خيرة فتيان قريش الأشداء، وجعلوا ينظرون إلى المكان الذي اعتاد النبي (ص) أن ينام فيه، فرأوا على فراشه رجلاً قد التحف ببردته، وهم لا يشكون أنَّه محمد بن عبد الله، فلما كان الثلث الأخير من الليل، وكان قد اختبأ في مكان من الدار خرج من خوخة في ظهرها، وانطلق جنوباً إلى غار ثور، وكمن فيه)
وتم المخطط القريشي بإحكام حسب تدبيرهم، ومكرهم، ولكنَّ إرادة الله غالبة على أمرهم، لدقة حركة الرسول في مواجهة الأحداث سابقة، ومتقدمة على كل ما يخططون، ويمكرون حيث حاصروا بيت رسول الله (ص) من جميع جوانبه، وطافوا به علَّهم يظفرون برسول الله (ص)، ويتخلصون منه، ولكنَّ رسول الله (ص) وبتدبير إلهي دقيق خرج من البيت، وهو يتلو: ((وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون))
ويقول المؤرخون بأنَّه نثر التراب على رؤوسهم, ثم انصرف إلى حيث أراد، إنَّها لحظة حاسمة حرجة يمكن أن تقف بها حركة الزمن الرسالي، فما بينهم وبين قتل رسول الله (ص) إلا خطوات قليلة إلا أنَّ إرادة الله هي الغالبة حيث بقوا إلى أن (أغلق الليل أبوابه، وانقطع الأثر، أقبل القوم على علي يقذفونه بالحجارة، ولا يشكون أنَّه رسول الله، حتى إذا قرب الفجر هجموا عليه، وكانت دور مكة يومئذٍ لا أبواب لها، فلما بصر بهم علي (ع) قد انتضوا السيوف، وأقبلوا بها إليه أمامهم خالد بن الوليد، وثب علي (ع)، فهمز يده، فجعل خالد يقمص قماص البكر، ويرغو رغاء الجمل، وأخذ سيف خالد، وشدَّ عليهم به، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار، وبصروه فإذا هو علي فقالوا: إنَّا لم نردك، فما فعل صاحبك؟ قال: لا علم لي به)
وبعد خروج رسول الله (ص)، وانصرافه حيث أراد أن يذهب، يقول ابن هشام: (فأتاهم آتٍ ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا: محمداً، قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم ؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب)
ولا عجب من ذلك فإنَّ إرادة الله تعالى غالبة، ولا تعجب أخي القارئ من ذلك، فإنَّه رسول الله (ص)، وقد رأينا أيام حزب العبث، والكفر، والإلحاد في عهد صدام الملحد خلال المداهمات من ذلك الكثير، فكيف لا يكون ذلك، وهو خير خلق الله، وأكرم رسله، وأنبيائه.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com