موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-4
 
الثلاثاء - 6 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-4  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 29 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  نظريّة الحكم في عصر الغيبة:
الدولة الفاضلة ــ كما يراها النراقي ــ هي الدولة التي شاد أسّها النبي الأعظم (ص) في الصدر الأول من تاريخ الإسلام، وقد أنزلت في تلك البرهة المباركة من عهده المبارك مختلف التكاليف والأحكام الكفيلة بسعادة الإنسان. لكن ما هو البديل في الفترة اللاحقة التي حُرمت الأمّة فيها من وجوده الكريم؟ فهل تنتفي ضرورة الحكم والنظام السياسي؟ أم هل تنتفي إمكانية إقامة الحكومة الإسلامية في غير عصر الحضور وتفقد شرعيّتها؟
يرى النراقي أنّ الأسباب التي دعت إلى ضرورة تشكيل الحكومة والنظام السياسي في الصدر الأول للإسلام هي نفسها اليوم تبرّر وتدعو لقيام الحكم في زمان الغيبة، ولذا يندفع ــ جاهداً ــ للتأسيس لمجتمع يتمتّع بالحدّ الأعلى من السعادة، فيقرّر ــ بوصفه العالم والمفكّر ــ مقولته الداعية إلى: ((أنّ سلامة البدن ونظام الحكم تمنع من بروز الأمراض والأسقام، وتُصلح جميع الطوائف والأفراد في جميع الأزمنة))؛ لأنّ السعيد هو ((الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير في الأوصاف والأفعال)).
ويستلهم النراقي من دولة النبي (ص) لبناء النظام السياسي الذي ينظر له، فهو يرى أنّ المجتمع الأنموذجي هو الذي يتألّف من طبقتين: الأولى هي الحاكم، أو الطبقة الحاكمة التي تتمتع بـ((النصّ الإلهي)) و((يلزم اتّباعها))، والثانية: هي الرعية ذات الأهواء والآراء المختلفة، وهي مطيعة على الإطلاق للطبقة الأولى (الأنبياء).
وهذه الطاعة المطلقة لازمةٌ عقلاً، والحكم القطعي العقلي في الأمور التكليفية محقّق للتكليف.
وينبغي الالتفات إلى أنّ الطبقة الثانية ــ على اشتراكها في لزوم الطاعة والإنقياد ــ تنقسم باعتبار الفروق الطبيعية فيها إلى طوائف وأقسام، وهذا التقسيم ضروري بلحاظ حاجة المجتمع الإنساني إلى تنوّع الأعمال وتقاسم الوظائف والأدوار، وهو ــ أي النراقي ــ وإن كان يرى في الفوارق الطبيعية بين النوع الإنساني عاملاً مهمّاً في إفراز حالةٍ من التعارض بين طبقات المجتمع على اختلافها، بيْدَ أنّه يرى أن ثمّة ضمانة قوية في المجتمع تضمن نظم المجتمع وتحفظ تعادله، وهذا التضامن الاجتماعي ــ والذي قلنا: إنّه الطاعة المطلقة من قبل الفئات جميعها للحاكم الذي يلزم الاقتداء به ــ يصطلح عليه بالعدالة.
إذن، فالعدالة في المجتمع المثالي ــ الذي يراه النراقي متمثلاً فيما أسّسه الرسول الأعظم (ص) ــ عبارة عن انقياد الناس للنبي (ص)، وبعبارة أخرى هي طاعة الجميع لأفضل إنسانٍ في الوجود، فإذا كانت العدالة بهذه المثابة من الأهمية الاجتماعية، ويبتني عليها النظم الاجتماعي، وتترتب عليها جميع هذه الفوائد، فكيف يمكن إقامة مجتمع سياسي في ظلّ غيبة الإمام، وما هي الصياغة المناسبة التي يقدّمها النراقي؟
وبعبارة ثانية: مع الأخذ بالاعتبار عنصري ((لزوم العدالة في قوام المجتمع)) و((فقدان فيض حضور المعصوم في زمان الغيبة))، كيف يمكن بناء النظام السياسي عند النراقي؟ علماً أنّه يرى عدم تكامل أي نظام سياسي مع فقد المعصوم، إلاّ أنّ هذا لا يعني فساد ذلك النظام وعدم شرعيّته؛ إذ يمكن لعامل العدالة أن يلعب دوراً في إصلاح الأمور وسدّ الثغرات والنواقص، وبالتالي رقّي الإنسان وتعاليه.
وقد أشرنا فيما سبق إلى دور العدالة في بناء الفرد والمجتمع معاً، وهذه القضية تمثّل الحجر الأساس في نظرية النراقي لإقامة النظام السياسي، فالنراقي يرى الدولة قريبة الشبه بالإنسان، فهي بالدقّة تشبه بدنه، فكلّ ما يلزم للروح الإنسانية يحتاجه النظام السياسي أيضاً، والعكس صحيح أيضاً، إنّ تشبيه الإنسان بالدولة وبالنظام السياسي أمر واضح لكلّ من راجع كتاب معراج السعادة.
يقول النراقي في هذا الصدد: ((تعتبر القوى الأربع ــ وهي العقل، والغضب، والشهوة، والوهم ــ بحكم القوّاد والرؤساء وعمّال البلاد، وما عداها فتعمل تحت اختيارها وأمرها... وأحد هؤلاء القوّاد هو العقل، وهو وزير الملك الذي هو عبارة عن (الروح) الذي لا يتجاوز ما يراه العقل ويستصوبه، ولا يتخلّف عن أوامره ونواهيه لتنظيم المملكة)).
((والقوّة الثانية، الشهوة التي هي كعامل الخراج طمّاع متّهِم للآخرين بالكذب، فضولي ومخلّط، وتسعى هذه القوة دائماً للسيطرة على الروح، لتجعل الإنسان ــ كالبهائم وذوات الأربع ــ غارقاً في بحر الشهوات، فيمتثل بكلّ ما تأمره غريزة الأكل والشرب والجماع والمركب والملبس والمسكن وغيرها... والقوة الثالثة، الغضب الذي هو كرئيس الشرطة متهوّر شرير متعجّل، وهي ــ أي القوة الثالثة ــ تتطلب القتل والضرب والإيذاء والبغض والعداوة))، ((والقوة الرابعة، الوهم وشغلها المكر والخديعة والحيلة والفتنة والخيانة، ويخطّط الوهم للاستحواذ على سلطان المملكة ليجعله تابعاً له))
فإذا استبعدنا ــ بشكل مؤقت ــ من بين هذه القوى القوة الواهمة والتي تتجسّد فضيلتها في العدالة، فإنّ القوى النفسانية المهمّة الباقية عبارة عن:
1 ــ القوة العاقلة، وفضيلتها في الحكمة.
2 ــ القوة الغضبية،، وفضيلتها في الشجاعة.
3 ــ القوة الشهوية وفضيلتها في العفّة.
وفي ضوء التطابق الموجود بين نفس الإنسان والنظام السياسي، تغدو أهم الطبقات والفئات في النظام السياسي عبارة عن:
1 ــ الحاكم أو الحكّام، وفضيلتهم الحكمة.
2 ــ العسكر والحرس، وفضيلتهم الشجاعة.
3 ــ أرباب الأعمال والحرف، وفضيلتهم العفّة.
وينبغي الالتفات إلى أنّ تركّب النظام السياسي والنفس الإنسانية من هذه القوى والعناصر لا يعني تأطّرهما بها خاصّة دون غيرها من القوى والمؤثرات، بل بمعنى أنّ هذه القوى هي أهمّ القوى وأبرزها، فالعدالة ــ وهي أعلى الفضائل الخلقية والاجتماعية، والضامن لسعادة الفرد والمجتمع ــ يعتبرها النراقي المنسّق بين هذه العناصر والقوى، بمعنى أنّ أعلى جزء ــ في المجتمع أو نفس الإنسان ــ يحكم الأجزاء جميعها التي دونه، كما أنّ كلّ جزء من هذه القوى يعمل في دائرته الخاصّة به، والتي تعتبر تجسيداً لكماله، فالعدالة ــ إذاً ــ أن تعمل كلّ قوّة أو فئة بوظيفتها وواجبها، ولذا كان لكلّ قوة فضيلتها الخاصة بها.
من هنا، ينظر النراقي إلى العسكر والشرطة من جهة وإلى أرباب المهن والحرف من جهة أخرى بعين المساواة من حيث انقيادهم وطاعتهم للحاكم، فكلاهما تابع بشكل مباشر لأوامر الرئيس، فلا حكومة للعسكر على أصحاب الحرف والأعمال، وثمّة في الوقت نفسه فوارق ذاتية في القابليات، تدعو بعضهم إلى اختيار المهن العسكرية، وبعضهم الآخر إلى امتهان أعمال أخرى، فنسبة العسكر إلى غيرهم من ذوي الحرف والمهن كنسبة ذوي الحرف والمهن بعضهم إلى بعض.
وعليه، لا يرى النراقي ــ وخلافاً لأفلاطون ــ سلطةً لطبقةٍ على أخرى، بل الذي يراه طاعة طبقات المجتمع كافّة للحاكم أو للهيئة الحاكمة الذين يتمتّعون بخصوصيات تميّزهم عن غيرهم، وهذا هو المقصود بالعدالة.
وقد أسلفنا سابقاً أنّ النراقي ذكر ــ في معرض حديثه عن أهمية تأسيس النظام السياسي ــ ضرورة بعث الأنبياء وإرسال الرسل المنصوبين من قبل الله سبحانه وتعالى، مستدلاً لوجوب ذلك عليه سبحانه من ناحية عقلية بما سبق من البراهين عليه، ويمتاز الأنبياء ــ إضافةً لأفضليتهم وتقدّمهم على أفراد النوع الإنساني عموماً ــ بارتباطهم بمصدر الوحي الإلهي، وهم الحكّام على المجتمع.
أمّا من هم ((الحكّام في زمن الغيبة))؟ فقد كتب النراقي عن هذا الموضوع قائلاً: ((... لمّا وقفتَ على شرف العدالة وفضلها، وعرفت أنّها التسوية بين الأمور المختلفة والاعتدال بين الإفراط والتفريط بالتزام الحدّ الوسط، فاعلم أنّ العدالة إمّا هي في الأخلاق والأفعال، أو في العطايا وقسمة الأموال ومعاملة الناس، أو في سياستهم وإدارة أمورهم، وفي كلّ هذه الموارد فإنّ العادل هو من يميل عن الإفراط والتفريط إلى الاعتدال، فيسعى إلى المساواة ووضع الأمور في الحدّ المتوسط لها، ولا شكّ أن هذا يتوقف على معرفة (المتوسّط) في هذه الأمور وطرفي الإفراط والتفريط فيها، ومعرفة كلّ ذلك أمر شاقّ وعسير ولا يقدر عليه كلّ أحد، فهو يتوقّف على معرفة ميزان العدل الذي تقاس به الأمور وتوزن زيادةً ونقيصة، كما أنّ معرفة الزيادة والنقيصة في كلّ أمر تتوقف على ميزان يوزن به ذلك الأمر، والميزان العدل الوسط في كل أمر ليس هو إلاّ ميزان الشريعة الحقّة الإلهية، وطريقة السنّة النبوية النابعة من مصدر الوحدة الحقيقية، فـ(ميزان العدل) هو النافذ في جميع الأمور والمتكفّل ببيان جميع مراتب الحكمة العملية، فيجب على (العادل الحقيقي) أن يكون حكيماً عالماً بقواعد الشريعة الإلهية، عارفاً بالنواميس النبوية)).
ويعتبر هذا المقطع من كلامه غايةً في الأهمية، حيث يعتبر العدالة فضيلةً فوق الفضائل يتحلّى بها الفرد والمجتمع معاً، وتكون مصدراً لسعادة الجميع، والعدالة عند النراقي ــ كما سبق وأسلفناه ــ عبارة عن الطاعة المطلقة من قبل قوى النفس عمومها للعقل، وهي عبارة أيضاً عن انقياد الناس جميعهم والطبقات عمومها للحاكم العادل، ولكن ينبغي إضافة أمر جديد في ضوء النصّ المتقدّم، وهو عبارة عن أنّ تحديد المعيار للحدّ الوسط وملاك العدالة يتطلّب من الحاكم ومن الناس المعرفة بقانون الشريعة الربانية والسنّة النبوية، باعتبار أنّ الشريعة هي ميزان العدل الوحيد في الأمور جميعها، والمتكفّل لبيان مراتب الحكمة العملية كافّة، فإذاً التزام الحدّ الوسط والعدالة الحقيقية تستلزم ــ عند النراقي ــ معرفة الشريعة.
ومن الجليّ أنّ تطبيق النظام الصحيح في المجتمع يتوقّف على تحلّي الطبقة الحاكمة بالعدالة الحقيقية، ليكونوا عدولاً حقيقيين، أو أن يتصـدّى لأمـر الحكومة من هو عادل واقعاً وحقيقة.
والحاصل: إن أمر الحكومة في عصر الغيبة منحصر بالطبقة العادلة من المجتمع؛ وذلك لأنّ الأكثرية غير قادرةٍ على درك الشريعة بشكل كامل، فلا بد أن يكون ذوو الصلاحية والأهلية لأمر القيادة والحكومة معدودين بعدد الأنامل، وأهمّ ما يمتاز به العادل الحقيقي ــ في مفهوم النراقي ــ معرفته بقواعد الشريعة التي تمكّنه من تحصيل ميزان العدالة، فيكون بذلك الأجدر بإصلاح قواه وتهذيب صفاته وسجاياه، كما أنه هو المؤثر الوحيد القادر على إصلاح نفوس الآخرين، لأنّه قادر على إصلاح نفسه.
يقول النراقي: ((اعلم أنّ من لم يتمكّن من إصلاح نفسه، ولم تظهر العدالة في مملكة بدنه، فهو عاجز عن إصلاح غيره وبسط العدالة بين الناس، وليس له أهلية إدارة منـزله كما ليس له القدرة على سياسة الناس وإدارتهم، فلا يليق لرئاسة بلد ولا سيادة مملكة، أجل كيف يقوى العاجز عن إصلاح نفسه على إصلاح غيره؟.. فإذاً كلّ من يتمكّن من إصلاح نفسه وقواه والتنـزّه عن الإفراط والتفريط.. والأخذ بالجادّة الوسطى، فإنّه قادر على إصلاح غيره، وخليق بالرئاسة والخلافة عن الله سبحانه وتعالى في الأرض، فإذا تولّى مثل هذا الشخص أمور الرعية وأمسك بزمام أمرها صلحت بذلك جميع المفاسد، وعمرت البلدان، واستنارت الأقطار، وسالت الأنهار وأغدقت بالمياه، وجرت العيون، وكثرت الزروع والثمار، وازداد نسل بني البشر، وعمّت بركات السماء الأرض، وهطلت الأمطار)).
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com