موقع الصراط ... الموضوع : النزعة الاجتماعية ذاتية في الإنسان
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النزعة الاجتماعية ذاتية في الإنسان  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
إن مما لا يختلف فيه اثنان أنَّ النفس الإنسانية ذات ميل فطري إلى الاجتماع, ولذلك لا يمكن للإنسان أن يستغني عن المجتمع بحال، فوجود الإنسان في الوسط الاجتماعي حاجة نفيسة، وخاصية ذاتية متأصلة في ذاته، يقول ابن خلدون: (إن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع, أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم)
ويقول العلامة الطباطبائي: (كون النوع الإنساني نوعاً اجتماعياً لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث، فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك، ولم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التأريخ والآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها ويحكم على هذه الأرض)
وقبل هذا وذاك فإنَّ القرآن الكريم أشار إلى ذاتية النزعة الاجتماعية في الإنسان بقوله تعالى:
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))
((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً))
وهذه الحقيقة قد وردت في آثار النبوة بشكل صريح واضح, يقول الإمام الصادق (ع): (إنَّه لا بد لكم من الناس، إنَّ أحداً لا يستغني عن الناس حياتَه، والناس لا بد لبعضهم من بعض)
وعن صعصعة بن صوحان قال: (عادني عليٌّ أمير المؤمنين (ع) في مرض، ثم قال: انظرْ لا تجعلنَّ عيادتي إياك فخراً على قومك, وإذا رأيتهم في أمر فلا تخرج منه، فإنَّه ليس بالرجل غنًى عن قومه، إذا خلع منهم يداً واحدة يخلعون منه أيدياً كثيرة, فإذا رأيتهم في خير فأعِنْهم عليه, وإذا رأيتهم في شر فلا تخذلنَّهم, وليكن تعاونكم على طاعة الله، فإنَّكم لن تزالوا بخير ما تعاونتم على طاعة الله، وتناهيتم عن معاصيه)
كما أكد علماء النفس وجود الروح الاجتماعية في الإنسان وإن اختلفوا هل هذا الميل فطري, أو مكتسب، إلا أنَّ نظرية الاكتساب لم تثبت أمام النقد، فهذا (مكدوجل) وغيره يرى أن الدافع الاجتماعي دافع فطري, وأن الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه, يميل إلى العيش في جماعات, وإلى الاجتماع ببني جنسه، والاشتراك معهم في أوجه نشاطاتهم, ويشعر بالوحشة والضيق إن حيل بينه وبين ذلك.
وعلى كل حال فإنَّ الإنسان اجتماعي بطبعه، لا يستطيع أن يكتفي ذاتياً في سد حاجاته المادية، ولا قدرة له على الوحدة، فهي أثقل شيء عليه، وبها يكون في غاية الوحشة، بل يستحيل استمرار وجوده بدون الاجتماع إذن الاجتماع ضرورة لسعادة الإنسان, وشرط في استمرار وجوده، فهو يستأنس بوجود أبناء جنسه وَيُقوِّم حياته فيهم من جميع نواحيها المادية والمعنوية.
وخلاصة الكلام: لا يمكن للإنسان أن يعتزل الجماعة، ويعيش وحده وهذه حاجة ذاتية - كما أسلفنا - ويمكن ذكر جملة من الأسباب لذلك، منها:
1- لأنَّه لا يستطيع تحقيق لوازم حياته الأساسية بدون جماعة.
2- من خلال انضوائه للمجتمع يحس بالأمان، والأهمية، والارتباط, وبدون ذلك لا يجد الإنسان معنى لحياته.
3- إنَّ المجتمع يهيئ للإنسان فرص النمو، والتكامل النفسي، والفكري، والمهني، وبذلك يسد حاجاته من خلال المجتمع، ويستمر وجوده بهم, وتلك حكمة الله في خلقه حيث فطرهم على روح التجمع، وما أجمل ما يقوله فيلسوف الرومان شيشرون: >لو أن الآلهة رفعت إنساناً من بين قومه ووضعته في روض أريض بعيداً عن منازل الناس، وجعلت تحت أمره الشيء الكثير من كل ما تشتهيه النفس ويسر الخاطر، ثم حتمت عليه أن لا يرى بشراً، ولا يساكن إنساناً لتخيَّر الفقر المدقع بين قومه على نعيم مقيم لا يكلم فيه إنساناً<
وقال آخر: (لو أن إنساناً صعد إلى السماء، وشاهد من هنالك عجائب الأرض وجمال الكواكب لتبرم، وضاق صدره؛ لأنَّه لم يجد من الناس من يخبره بما شاهد من عجائب الأرض وبدائع السماوات)
ويقول أبو العلاء المعري:
ولو أني حُييتُ الخلد فرداً *** لما أحببت في الخلد انفرادا
وقد انتبه إلى هذه الحقيقةِ الطغاةُ عِبْرَ التأريخ؛ ولذا نراهم إذا أرادوا أن يعذبوا إنساناً، ويحطموا نفسيته عزلوه في سجن انفرادي؛ ليشعروه بالوحشة، والوحشة قاتلة لروح الإنسان.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com