موقع الصراط ... الموضوع : أدب الأنبياء-4
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أدب الأنبياء-4  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 3 / رجب / 1433 هـ
     
  الآداب الاجتماعية في حياة الأنبياء:
لم يكن لأنبياء الله ورسله في حياتهم إلا هدفين:
الأول: توحيد الله ، وكسب رضاه.
الثاني: هداية الناس، وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، من خلال تعبيدهم لله تعالى، وإخضاعهم لأحكامه تعالى.
ومن أجل هذين الهدفين تحملوا العناء الكثير، والعذاب الشديد، والمحاربة المستمرة، والإعراض والصدود طيلة حياتهم، ورغم ما يلاقونه من الناس فلم يثنهم عن مواصلة دعوتهم أو يوقفهم عن تحركهم ، والأعجب من ذلك أنهم كانوا يعاشرون من يؤذيهم بالحسنى ، ويدفعون السيئة بالحسنة. فلم يواجهوا الكلام المقذع إلا بالكلمة الطيبة، يقول العلامة الطباطبائي: (فإنك لا تجد فيما حكى من شذرات أقوالهم مع العتاة والجهلة أن يخاطبوهم بشيء مما يسوؤهم أو شتم أو إهانة أو إزراء ، وقد نال منهم المخالفون بالشتم، والطعن والاستهزاء، والسخرية كل منال فلم يجيبوهم إلا بأحسن القول، وأنصح الوعظ معرضين عنهم بسلام، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
لقد كان المخالفون يرمونهم بأقذع الألفاظ وأشنع التهم فما يسمعوا إلا الرد الجميل، كان قوم نوح (ع) يقولون له: ((مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إَِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)) (هود:27) ماذا كان رد نوح (ع) على هذا الافتراء، والاتهام والتوهين؟ لقد رد بالدليل المنطقي، والقول الجميل بهدوء ووداعة: ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)) (هود:28)
كما هددوا إبراهيم (ع) بالرجم والهجر: ((قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً)) (مريم:46) رَدَّ إبراهيم بِرَدٍّ يشع سمواً، ورفعةً، وأدباً: ((قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً)) (مريم:47)
وأما قوم شعيب (ع) فقد رموه بالسفاهة : ((إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)) (الأعراف:66-68)
لله درهم كيف واجهوا التهم، والسباب والشتائم بالكلمة الطيبة بقلوب رقيقة طافحة بالحب والألم على انحراف الناس، وهذا يدلنا على سعة الأفق لديهم، وقوة الصبر والثبات على الدين، والرغبة الشديدة في هداية الناس، ولا عجب فإنهم رسل الله الذين اختارهم؛ ليحملوا رسالته في الأرض.
وأكثر من تحمل ذلك خاتم الرسل (ص) فقد رموه بالكهانة، والسحر والجنون، وهجروه ،وضربوه ،وسَخَروا منه، وأجمعوا على قتله، وقتلوا عمه ومثلوا به وكسروا رباعيته، وشجوا جبينه حتى أوذي ما لم يؤذ نبي من قبله، ورغم ذلك كله كان يرفع يده داعيا: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ولما مكنه الله منهم وسيطر عليهم، وكسر شوكتهم ما كان منه إلا أن قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)
ومن آدابهم في معاشرة الناس: معاملتهم بدرجة واحدة مع الأقوياء والضعفاء على حد سواء. ويحترمون الفقراء كما يحترمون الأغنياء رغم طلب الأغنياء منهم أن يقدموهم على الفقراء، بل كانوا يطلبون طردهم كما يحكي القرآن عن نوح (ع) حين قال له قومه: ((وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا)) (هود:27) فأجابهم بأنهم يجهلون حقيقة الدين الحق رسالة الله ، وقيمة الإنسان ((وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) (هود:29-30)
وهكذا كانت سيرة الأنبياء والمرسلين في الناس سيرة الاستيعاب، وتكليم الناس على قدر عقولهم دون تميز لا يزهدون بأحد، بل يحسنون إلى الجميع. وأعظم من جد ذلك في أقواله وأفعاله رسول الرحمة محمد (ص) يقول أمير المؤمنين (ع): (كان رسول الله (ص) مُكَفَراً، لا يُشَكر معروفه، ولقد كان معروفه على القرشي والعربي والعجمي، ومن كان أعظم معروفا من رسول الله على هذا الخلق؟)
ونذكر بعض آدابه (ص) في الناس:
1- سلامه ولقائه: كان (ص) يسلم على من يلتقيه صغيراً كان أو كبيراً، حراً أو عبداً، غنياً، أو فقيراً بلا تمييز، وحتى على النساء، يقول الإمام الصادق (ع): (كان رسول الله (ص) يسلم على النساء ويردَّن عليه)
وكان (ص) إذا صافح الرجل لا ينزع يده من يد مصافحه حتى ينزعها هو، ورد عنه (ص) إنه: (كان يصافح الغني والفقير، ولا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها هو ويسلم على من استقبله من غني وفقير، وكبير وصغير، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف التمر)
ولا ينصرف ممن يلتقي به حتى ينصرف هو وكان يتجمل لأصحابه. ورد عنه (ص): (أنه كان ينظر في المرآة، ويرجل جمته، ويمتشط، وربما نظر في الماء وسوى جمته فيه، ولقد كان يتجمل لأصحابه فضلا على تجمله لأهله، وقال: إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل)
2 – وأما مجلسه (ص) فقد كان حلو الحديث عذبا يسر السامع، ولا يمل حديثه أبداً، وكان يبتسم في حديثه، ويكلم الناس على قدر عقولهم ومعرفتهم، ويقول: (إنا معشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) كما كان (ص) يشعر الجميع باهتمامه وبرعايته حتى كان كل منهم يحسب أنه هو وحده مهتما به. عن الإمام الصادق (ع): (كان رسول الله (ص) يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا، وينظر إلى ذا بالسوية)... وكان لا يجلس ، ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتى يكون المنصرف عنه، و(كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب، ولا مزاح ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى فلا يؤيس منه، ولا يخيب فيه مؤمليه... إذا تكلم اطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير. يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المسألة والمنطق. ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوزه فيقطعه بنهي أو قيام)
3 – كان يتفقد أصحابه ويسأل عنهم فـ(إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائبا دعا له، وإن شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده)
4 – وكان يحترم أصحابه وجلسائه فيخاطبهم بكناهم، وإن لم يكن للرجل كنيه كناه، يقول المؤرخون: (ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم، ويكني من لم يكن له كنية. فكان يدعى بما كناه به، ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد، واللاتي لم يلدن، ويكني الصبيان، فيستلين به قلوبهم)
5 – وكان لا يتميز على جلسائه حتى أن الغريب لا يستطيع أن يعرفه من بين أصحابه فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله (ص) يجلس بين ظهراني أصحابه فيجئ الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى النبي أن يجعل مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له دكانا من طين فكان يجلس عليها، ونجلس بجانبيه)
6 – وكان (ص) يتعامل على السجية، فلا يتكلف في قول، ولا فعل، ويقول: (نحن معشر الأنبياء ، والأمناء ، والأتقياء براء من التلكف)
7 – إذا رأى أحداً مغموماً داعبه؛ ليسره، ويذهب غمه، فعن الحسين بن زيد رضي الله عنه عن أبي محمد عن أبيه علي عن أبيه الحسين عن أبيه علي (ع): (كان رسول الله (ص) ليسر الرجل من أصحابه إذا رآه مغموما بالمداعبة. وكان (ص) يقول: إن الله يبغض المعبس في وجه إخوانه)
8 – وكان لا يفرض على جلسائه حديثا معينا بل كان يسايرهم بأحاديثهم، ويوجههم من خلال ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (كنا إذا جلسنا إليه (ص) إن أخذنا في حديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا)
9 – وكان رسول الله (ص) إذا أوعد لا يخلف موعده لازمانا، ولا مكانا عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن رسول الله (ص) واعد رجلاً إلى الصخرة، فقال: أنا لك هنا حتى تأتي، قال: فاشتدت الشمس عليه، فقال له أصحابه: يا رسول الله لو أنك تحولت إلى الظل، قال: وعدته هاهنا، وإن لم يجئ كان منه الجشر)
وعنه (ع) قال: (قال رسول الله (ص): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد)
10 – كان لا يواجه أحدا بسلبياته ، ولا يُذَكره بذنوبه، بل يبدي له حبا ومودة، وقد كان الإمام الصادق (ع) يقول لأصحابه: (لا تطعنوا في عيوب من أقبل إليكم بمودته، ولا توقفوه على سيئة يخضع لها فإنها ليست من أخلاق رسول الله (ص) ولا من أخلاق أوليائه)
11 – وقد كان يقبل عذر من يعتذر إليه جاء في وصفه (ص) يقبل معذرة المعتذر. عن علي بن الحسين (ع) قال: إن شتمك رجل عن يمينك، ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك فاقبل منه، و عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): اقبلوا العذر من كل متنصل محقا كان أو مبطلا، ومن لم يقبل العذر منه فلا نالته شفاعتي.
آدابهم مع أنفسهم:
لقد كانت آدابهم مع أنفسهم مبنية على التنزه عن الشهوات، والترفع عن المطالب الدنيوية، ورفض كل زخارفها الفانية،وأخذوا أنفسهم بأشد الرياضات واختيار الشديد من الأمور، وأدق بيان لهذه الحقيقة ما جاء في نهج البلاغة، يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (ولقد كان في رسول الله (ع) كافٍ لك في الأسوة، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها ، وفطم عن رضاعها، وزوي عن زخارفها. وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " والله ما سأله إلا خبزا يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه . وإن شئت ثلثت بداود صلى الله عليه وسلم صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه آيكم يكفيني بيعها. ويأكل قرص الشعير من ثمنها. وإن شئت قلت في عيسى بن مريم، فلقد كان يتوسد الحجر، ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب، وكان إدامة الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله. دابته رجلاه، وخادمه يداه. فتأس بنبيك الأطيب الأطهر (ص) ، فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزى ، وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه، والمقتص لأثره. قضم الدنيا قضما ، ولم يعرها طرفا. أهضم أهل الدنيا)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com