موقع الصراط ... الموضوع : ثورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-5
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ثورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-5  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 3 / رجب / 1433 هـ
     
  مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : قال رسول الله (ص): (من رأى منكراً فلينكره بيده إن استطاع, فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم الله من قلبه إنَّه لذلك كاره)
وقال أمير المؤمنين علي (ع): (فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبهِ, فَذلِكَ الْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الْخَيْرِ, وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ، فَذلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةً، وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَذلِكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلاثِ، وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ, وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ, فَذلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ, وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سِبِيلِ اللهِ عِنْدَ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ...)
إذن لا يمكن لمؤمن أن يتهاون, أو يترك الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر بأي حالة من الأحوال.
وللأمر والنهي مراتب حسب الظرف المناسب, وحسب قدرة المكلف؛ ولهذا جعل الشارع تقدير الأهم والمهم للمكلف, كما إن الناس يختلفون في التأثر بما يواجَهُونَ به فبعضهم يؤثر فيه الصدود والإعراض عنه، ويلفت نظره, ويزجره, وبذلك يرجع عن موقفه غير المرضي عند الآخرين, والبعض الآخر يحتاج النصيحة والموعظة اللينة, أو إلى الكلام الخشن الرادع, فلابد من اختيار الكلام المناسب لطبيعة الشخص, وموقفه, ومزاجه بما يؤثر فيه ويرجعه إلى جادة الصواب.
والقسم الثالث لا ينفع معه لا هذا, ولا ذاك, وإنما يحتاج إلى قوة رادعة توقفه عند حده, فالمكلف إذن عليه أن يدرس الحالة بدقة؛ ليشخص من خلالها ما يناسب المأمور, أو المنهي كي يؤثر فيه, وتأتي النتيجة إيجابية .
ولهذا أفتى بعض الفقهاء بعدم جواز الانتقال من المرتبة الأولى إلى الثانية, إذا كانت المرتبة الأولى كافية, يقول السيد الإمام الخميني رحمه الله: (يجب الاقتصار على المرتبة المذكورة (القلبية) مع احتمال التأثير, ورفع المنكر بها، وكذا يجب الاقتصار فيها على الدرجة الدانية فالدانية والأيسر فالأيسر سيما إذا كان الطرف في مورد يهتك بمثل فعله، فلا يجوز التعدي عن المقدار اللازم, فإن احتمل حصول المطلوب بغمض العين المفهم للطلب لا يجوز التعدي إلى مرتبة فوقه)
وهكذا بقية المراتب فالمكلف يتصرف ضمن المرتبة القادر على خوضها شريطة أن تكون مناسبة لحال المأمور, أو المنهي, ومؤثرة فيه, وإلا فلا, وقد قسم الفقهاء المراتب إلى ثلاث الأولى: إظهار الانزعاج والاستنكار القلبي كالعبوس, والإعراض والصدود, وترك الكلام معه, وغيرها .
الثانية: مرتبة الأقوال: وتشمل كل أنواع القول حسب ما يناسب الشخص كالموعظة بإرشاد, وتذكير, وتخويف من الله, وترغيب بثوابه, وإذا لم ينفع يستعمل الخشونة, والغلظة, والتهديد, والردع. وعلى كل حال يتدرج من الأيسر إلى الأشد حسب درجات التأثير .
(والقاعدة العامة في ذلك هي التدرج من الأيسر إلى الأشد, والاقتصار على محتمل التأثير, وعدم تجاوزه, والمدار في ذلك على تقدير المكلف واطمئنانه بما يلائم الشخص, أو الأشخاص, أو الحالة, ولابد له أن ينظر من الجهات المتعددة, ويوازن في الأمر, أو يستعين بمن له معرفة وخبرة يحتاج إلى استعانة)
المرتبة الثالثة: استعمال القوة, وهي كذلك على درجات (والقاعدة العامة في ذلك الموازنة بين الأهم والمهم بنظر الشرع الشريف, وتغليب الأهم على المهم, فهناك أمور ذات أهمية مطلقة, وأمور ذات أهمية نسبية)
وهذه المرتبة هي العلاج الأخير بعد أن تستنفد المرتبتين السابقتين, ولها أحكام تراجع في مضانها.
ولهذا رأينا أن الحسين (ع) بعد أن نصح, ووعظ, وأرشد ,وذَكَّّرَ بالمسؤولية الشرعية أمام الله تعالى, وكشف الحقائق, ورغّب, ورهّب ... ولما لم يجد لذلك أثراً في نفوس القوم, رأى أن آخر الدواء الكي وتقدم نحو القوم مصلتاً سيفه آيساً من الحياة, ودعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل جمعاً كثيراً ثم حمل على الميمنة, وهو يقول:
(الموت أولى من ركوب العار* والعار أولى من دخول النار
وحمل على المسيرة وهو يقول:
أنا الحسين بن علي * آليت أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي * أمضي على دين النبي
قال عبد الله بن عمار بن يغوث: ما رأيت مكثوراً ًقط قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه اربط جأشاً منه, ولا أمضى جناناً, ولا أجراً مقدماً, ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شد فيها ولم يثبت له أحد.
فصاح عمر بن سعد بالجمع: هذا ابن الأنزع البطين, هذا ابن قتّال العرب, احملوا عليه من كل جانب فأتته أربعة آلاف نبلة، وحال الرجال بينه وبين رحلة فصاح بهم: يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرُباً كما تزعمون.
فناداه شمر: ما تقول يا ابن فاطمة؟ قال: أنا الذي أقاتلكم, والنساء ليس عليهن جناح, فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً.
قال اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي * قد حان حيني وقد لاحت لوائحه
فقال الشمر: لك ذلك.
وقصده القوم, واشتد القتال, وقد اشتد به العطش, فحمل من نحو الفرات... وأقحم الفرس في الماء... و لما مد الحسين (ع) يده؛ ليشرب ناداه رجل: أتلتذ بالماء, وقد هتكت حرمك؟ فرمى الماء ولم يشرب وقصد الخيمة)
ومضى لهيفاً لم يجد غير القنا * ظلاً ولا غير النجيع شرابا
ظمآن ذاب فؤاده من غلة * لو مست الصخر الأصم لذابا
لهفي لجسمك في الصعيد مجرداً * عريان تكسوه الدماء ثيابا
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com