موقع الصراط ... الموضوع : التخصص ضرورة يقرها الإسلام ويفرضها الواقع
 
الخميس - 7 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التخصص ضرورة يقرها الإسلام ويفرضها الواقع  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 3 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
لما كان الإسلام رسالة عالمية تستوعب جميع شؤون الإنسان المادية والمعنوية، فلابد أن تمتد إلى جميع الناس لأجل هداية الإنسان، وإرشاده وتعبيده لله تعالى؛ لينال السعادة في الدنيا والآخرة. وهذا العمل الضخم لا يحدث ارتجالاً، وإنما لابد من وضع سياسة عامة وفق برنامج مرسوم مستوحى من تعاليم الشرع المقدس، تخطيطاً وتنفيذاً بشكل منظم، والإسلام دين التنظيم والتقنين لا دين الفوضى والارتجال، يقول أمير المؤمنين (ع): (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه إلا أن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي ودواء دائكم، ونظم أمركم)
ويقول (ع) في وصيته لولديه الحسنين (ع): (أوصيكما وجميع ولدي وأهلي، ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم)
ويقول (ع) في نصيحته لعمر بن الخطاب: (ومكان القَيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه، ويضمه فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً)
فكل هذه النصوص تؤكد أن الإسلام يبني العمل كله على أساس التخطيط والتنظيم لا الارتجال.
وبما أن المسؤولية كبيرة بكبر الرسالة، والمجالات العلمية واسعة بسعة الحياة، لهذا لم يَعُد الأمر بهذه السهولة أن يقوم به شخص واحد أو أشخاص بتنجيز جميع المهمات، وإنما لابد من تخصص يتوزع على العاملين كل وفق اختصاصاته ومهاراته وقدرته على إنجازه ففي الوقت الذي يحكم الإسلام بوجوب وجود المجتهد؛ ليستنبط الأحكام الشرعية من مداركها المقررة، ويقنن الأحكام الشرعية بلغة العصر، لتكون في متناول الجميع. كذلك نجد الحاجة ماسة إلى مختصين في جميع المجالات الأخرى النظرية والعملية فالإسلام إذن يحتاج إلى:
المفكر الإسلامي الذي يطرح عقائد الإسلام طرحاً فكرياً وعلمياً معمقاً ليركز في الأمة أسس الرسالة ومبادئها، ويدافع عنها، ويهاجم بها العقائد الفاسدة وإلى الأستاذ القدير؛ ليعد العلماء للأمة، ويهيئهم لتبليغ رسالة الله، وإلى الكاتب الإسلامي الذي يعرض مفاهيم الإسلام ومبادئه وينشرها وسط الجمهور، وإلى الخطيب المتفنن في أسلوب الطرح الجماهيري لمفاهيم الإسلام ومبادئه، ويعالج من خلال ذلك المشاكل الاجتماعية من على منصة الخطابة. وهكذا الحاجة إلى رجل الإعلام، والمنظر الاقتصادي الخبير بشؤون إدارة واستثمار الأموال وتنمية الثروة القومية . وهذا ليس غريباً على الإسلام فهو دين النظام والإدارة السليمة لجميع شؤون الحياة الإنسانية. وقد كان أئمة أهل البيت (ع) يوجهون أصحابهم كل حسب اختصاصاته وقدرته ومهارته؛ ليكون العطاء أكبر والطريق إلى خدمة الرسالة أخصر. وقد برز هذا النوع من العمل في عصر الإمام الصادق (ع) أكثر من غيره عند ظهور الأفكار الغريبة عن روح الإسلام، وبروز مذاهب متعددة على الساحة الإسلامية، وتنوع المطالب، وازدياد المشاكل الفكرية، والاقتصادية والاجتماعية، وقد أعد الإمام طلابه على هذا الأساس فمنهم من مهر في الدفاع عن العقيدة، وتفنيد العقائد الفاسدة، ومنهم من اختص بالفقه، ومنهم من برز في علوم القرآن، ومنهم من برع في الحديث والكلام وهلم جرا. ويدل على ما نقول ما رواه الكشي عن هشام بن سالم:
(قال: كنا عند أبي عبد الله (ع) جماعة من أصحابه، فورد رجل من أهل الشام فاستأذن فأذن له، فلما دخل سلم فأمره أبو عبد الله (ع) بالجلوس، ثم قال له: حاجتك أيها الرجل؟ قال: بلغني أنك عالم بكل ما تسأل عنه فصرت إليك لأناظرك.
فقال أبو عبد الله (ع) : فبماذا؟ قال: في القرآن وقطعه وإسكانه وخفضه ونصبه ورفعه. فقال أبو عبد الله (ع): يا حمران دونك الرجل. فقال الرجل: إنما أريدك لا حمران. فقال أبو عبد الله (ع): إن غلبت حمران فقد غلبتني.
فأقبل الشامي يسأل حمران حتى غرض وحمران يجيبه، فقال أبو عبد الله (ع): كيف رأيت يا شامي؟ قال: رأيته حاذقاً ما سألته إلا أجابني فيه، فقال أبو عبد الله (ع): يا حمران سل الشامي فما ترك الشامي يكشر.
فقال الشامي: أريد يا أبا عبد الله أن أناظرك في العربية، فالتفت أبو عبد الله (ع) فقال: يا أبان بن تغلب ناظره فما ترك الشامي يكشر.
فقال: أريد أن أناظرك في الفقه. فقال أبو عبد الله (ع): يا زرارة ناظره فناظره فما ترك الشامي يكشر.
قال: أريد أن أناظرك في الكلام، فقال: يا مؤمن الطاق ناظره، فناظره فسجل الكلام بينهما ثم تكلم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به.
فقال: أريد أن أناظرك في الاستطاعة، فقال للطيار كلمه فيها، قال: فكلمه فما تركه يكشر.
ثم قال: أريد أن أكلمك في التوحيد، فقال لهشام بن سالم، كلمه فسجل الكلام بينهما ثم خصمه هشام.
فقال: أريد أن أكلمك في الإمامة, فقال لهشام بن الحكم: كلمه يا أبا الحكم فكلمه فما تركه يريم, ولا يحلي ولا يمري، قال: فبقي يضحك أبو عبد الله حتى بدت نواجذه.
فقال الشامي: كأنك أردت أن تخبرني أن في شيعتك مثل هؤلاء الرجال؟
قال: هو ذاك...
إلى أن قال: فقال الشامي: اجعلني من شيعتك وعلمني! فقال أبو عبد الله (ع): يا هشام علمه فإني أحب أن يكون تلماذاً لك)
نفهم من هذه الرواية، ومن روايات أخرى لا مجال لذكرها أن الإمام (ع) كان يُعدُ أصحابه إعداداً رسالياً، حسب مقتضى حاجة الأمة، وبشكل تخصصي مركز، ويرسم لهم الخطوط العريضة للعمل. ويبثهم في أوساط الجمهور ليكونوا حلقة الوصل بينه وبين الأمة في توصيل وتأصيل مبادئ وأحكام الإسلام إذن فالتخصص في العلوم لأجل العمل ضرورة حياتية مهمة يفرضها الواقع ويقررها الإسلام ، ولها نتائج مهمة في توجيه وإعداد الأمة، لتحمل أعباء الدعوة إلى الله تعالى بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ ولهذا نجد في طلاب الإمام الصادق (ع) الفقيه، والمتكلم، والفيلسوف، والمفسر، واللغوي، والمحدث والكيمياوي... الخ، وغير ذلك من المتخصصين في فنون العلم. وقبل هذا كله عَمَّقَ في قلوبهم الإيمان، وغرس في نفوسهم كل الكمالات الإنسانية كالحكمة،والعفة، والعدالة، والشجاعة كي يتجردوا إلى الله تعالى في أعمالهم ويكونوا دعاة إلى الله بغير ألسنتهم.
ولما كانت العلاقات الاجتماعية واسعة بسعة الحياة البشرية، ومختلفة باختلاف الأمزجة والأذواق، والعادات، والتقاليد، والأعراف كما تختلف من بلد إلى بلد، ومن قوم إلى قوم. فهي بحاجة إلى إطلاع على علوم عديدة كعلم الأخلاق، وعلم النفس بمختلف فروعه لا سيما علم النفس الاجتماعي، وعلم سلوك الإنسان، وآداب التعلم والتعليم، وعلوم التربية، وعلوم الإدارة والتنظيم الاجتماعي، وعلوم السياسة بمفهومها الصحيح، وعلوم الإعلام وبعض الفنون التي لها مساس بالعلاقات الاجتماعية كفن الخطابة، والمحاورة، والمعاشرة وغيرها، ولا شك أن الإنسان لا يستطيع بهذا العمر القصير أن يلم بالجميع إلماماً كاملاً، ولا سيما وأن العلم والفن في توسع وتطور مستمر، ولكن يمكن أن يأخذ من كل علم أحسنه، وبهذا أوصى الإسلام كما يقول سيد العلماء العارفين أمير المؤمنين (ع): (خذوا من كل علم أحسنه فإن النحل يأكل من كل زهر أزينه فيتولد منه جوهران نفيسان: أحدهما فيه شفاء للناس والآخر يستضاء به)
وبناء على حقيقة تطور العلوم وتوسعها أصبح من الضروري جداً في ممارسة العمل الاجتماعي وجود متخصصين يتوزعون على مختلف الفروع كي يُنَظّروا للعمل، ويخططوا له ويشاركوا فيه عملياً، ويطرحوا الإرشادات والتوصيات للعاملين خصوصاًَ في المستويات المتصدية لإدارة العمل، ونحن لا نشك أن العمل بأمس الحاجة إلى الخبراء الاجتماعيين من ذوي التجارب الواسعة. هذا مع العلم أن الفكر الإسلامي بصورة عامة جامع لجميع العلوم الإنسانية بلا استثناء، ومتفوق على كل النظريات النفسية والاجتماعية، كيف لا وهو الرسالة الإلهية الجامعة لجميع متطلبات الإنسان فما من واقعة إلا ولها حكم في كتاب الله وسنة رسوله وأهل بيته (ع) ولكن الإطلاع على علوم الآخرين لا ضير فيه وهو أمر محبذ في الإسلام، وأعلم الناس أعلمهم بما عند الناس.
ونختم هذا البحث بقول الإمام العارف بالله، الفقيه في دين الله الخميني العظيم يقول قدس سره: (لأن الإنسان العاقل عندما عرف بأنه مع هذا العمر القصير والوقت القليل، والحوادث الكثيرة، لا يستطيع أن يكون جامعاً لكل العلوم وحائزاً على جميع الفضائل، فلابد له من التفكر والتأمل في العلوم، واختيار ما يكون له أنفع، والانصراف إليه وتكميله)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com