موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-24
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-24  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 3 / رجب / 1433 هـ
     
  رسول الله (ص) في غار ثور:
رغم الخطة المحكمة التي وضعتها قريش لقتل النبي (ص) استطاع الخروج من بينهم، والوصول إلى غار ثور، والدخول فيه، وتدخلت الإرادة الإلهية ؛ لتعمي أبصارهم عن رؤية رسول الله (ص) وصاحبه كما هي موضحة في كتب السيرة، ويمضي (ص) ثلاثة أيام في الغار إلى أن هُيئت مستلزمات السفر كالرواحل والدليل، ويقول المؤرخون أنَّ النبي استأجر (عبد الله بن أريقط) دليلاً، وكان مشركاً، إلا أنَّ النبي (ص) وثق به، وأمن غدره، روى الشيخ الطبرسي: (فخرج رسول الله (ص) من الغار، وأقبل راعٍ لبعض قريش يقال له: ابن أريقط، فدعاه رسول الله (ص) ، وقال له: يا ابن أريقط أأْتمنك على دمي؟. قال: إذاً والله أحرسك، وأحفظك، ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد؟ قال: يثرب. قال: والله لأسلكن بك مسلكاً لا يهتدي فيه أحد)
(وكان خروج رسول الله (ص) من الغار ليلة الاثنين لأربع ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، وقَدِمَ رسول الله (ص) المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول)
وأما رد فعل قريش على فشل مؤامرتهم، وإفلات رسول الله (ص) من قبضتهم، فقد اشتد غيظهم، وراحوا يستحثون الناس على متابعته (ص)، واستنفروا كل قواهم، (وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز، يقفو الآثار، فقالوا له: يا أبا كرز، اليوم اليوم! فوقف بهم على حجرة رسول الله، فقال: هذه قدم محمد، والله إنَّها لأخت القدم التي في المقام، هذه قدم ابن أبي قحافة أو أبيه، فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار، ثم قال: ما جاوزوا هذا المكان، إما أن يكونا صعدا إلى السماء، أو دخلا تحت الأرض وبعث الله العنكبوت، فنسجت على باب الغار, وصرفهم الله عن رسوله فتفرقوا, وبعث الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار.
وأقبل فتيان قريش من كل بطنٍ رجل بعصيهم، وهراوتهم، وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي بقدر أربعين ذراعاً (عشرين متراً) تقدم رجل منهم لينظر من في الغار، ورجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك لا تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حماماً بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد)
وعن الإمام الصادق (ع) قال: (إنَّ رسول الله (ص) لما خرج من الغار متوجهاً إلى المدينة، وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الإبل، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب، فلحق برسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): اللهم اكفني شر سراقة بما شئت، فساخت قوائم فرسه، فثنى رجله، ثم اشتد، فقال: يا محمد إنِّي علمت أنَّ الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك، فادعُ الله أن يطلق لي فرسي، فلعمري إن لم يصبكم مني خير لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله (ص)، فأطلق الله عز وجلّ فرسه، فعاد في طلب رسول الله (ص) حتى فعل ذلك ثلاث مرات كل ذلك يدعو رسول الله (ص)، فتأخذ الأرض قوائم فرسه، فلما أطلقه في الثالثة, قال: يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، فإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه، وهذا سهم من كنانتي علامة، وأنا أرجع، فأرد عنك الطلب، فقال: لا حاجة لنا فيما عندك)
وهكذا توالت مطاردات قريش، وفزعها من هجرة رسول الله (ص) ، إلا أنَّ الله تعالى خيب آمالهم، ووصل رسول الله (ص) إلى مراده الذي قصده.
وأما المسلمون الذين كانوا في المدينة، فقد كانوا يترقبون قدوم رسول الله (ص) يخرجون منتظرين قدومه، فإذا أيسوا رجعوا إلى منازلهم، وهكذا إلى أن وصل (ص) إلى (ذا الحليفة)، فـ(سأل عن طريق بني عمرو بن عوف، فدلوه، فرفعه الآل، فنظر رجل من اليهود، وهو على أُطم له إلى ركبان ثلاثة يمرون على طريق بني عمرو بن عوف، فصاح: يا معشر المسلمة، هذا صاحبكم قد وافى. فوقعت الصيحة بالمدينة، فخرج الرجال، والنساء، والصبيان مستبشرين لقدومه يتعاودون، فوافى رسول الله (ص)، وقصد مسجد قبا، ونزل، واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف، وسُروا به، واستبشروا، واجتمعوا حوله، ونزل على كلثوم بن الهدم، شيخ من بني عمرو، صالح مكفوف البصر)
يقول ابن إسحاق: (فأقام رسول الله (ص) بقباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجده)
وفي قباء (جاءه أسعد بن زرارة مقنعاً، فسلم على رسول الله (ص)، وفرح بقدومه، ثم قال: يا رسول الله، ما ظننت أن أسمع بك في مكان، فأقعد عنك، إلا أنَّ بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن آتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك، فقال رسول الله (ص) للأوس: من يجيره منكم؟، فقالوا: يا رسول الله، جوارنا في جوارك فأجره. قال: لا، بل يجيره بعضكم، فقال عويم بن ساعدة، وسعد بن خيثمة: نحن نجيره يا رسول الله، فأجاروه، وكان يختلف إلى رسول الله (ص)، فيتحدث عنده، ويصلي خلفه، فبقي رسول الله خمسة عشر يوماً، فجاءه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، تدخل المدينة؟ فإنَّ القوم متشوقون إلى نزولك عليهم، فقال (ص): لا أريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي)
وواصل رسول الله (ص) مسيرته، وظهر فيها من الكرامات، والمعجزات، والدروس، والعبر، ما لم تحيط به هذه الأوراق، ولسنا بصدد سردها إلا بقدر ما نحتاجه في حياتنا لمعالجة ما نمر به من معوقات كأداء تواجهنا في حياتنا الدعوية، ومن هذه الدروس:
1- إنَّ رسول الله (ص) بعد أن ضيقت قريش عليه الخناق، واستحال مواصلة الدعوة في مكة لم يستسلم للأمر الواقع, بل راح يفتش عن أرضية أخرى يتخذها قاعدة يبني بها كيان الدعوة، وينطلق منها؛ ليدحض كل مؤامرات العدو، وفي هذا درس لكل داعية تضيق عليه سبل مواصلة الدعوة إلى الله، فلا ينبغي أن يستسلم للأمر الواقع بل عليه أن يفتش عن مجال أوسع ينطلق منه، وتلك هي حقيقة التأسي، (فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ اَلأَطْيَبِ اَلأَطْهَرِ (ص) ، فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى، وَأَحَبُّ اَلْعِبَادِ إِلَى اَللَّهِ اَلْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَاَلْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ)
2- حين تشتد المحن , وتتكالب الأعداء على محو رسالة الله، ويشرف المؤمنون على حافة الهاوية تتدخل اليد الربانية ؛ لتنقذ المؤمنين في أحرج المواقف وأشدها.
3- يؤكد المؤرخون أنَّ رسول الله (ص) أوصى علياً (ع) بحفظ ذمته، وأداء أمانته، وأمره بأن يقيم منادياً بالأبطح غدوة وعشية: (ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤد إليه أمانته)
وفي هذا درس أخلاقي رسالي، فهذه الأمانات المودعة عند رسول الله (ص) لمن؟ لا شك أنَّها لثلة من قريش ممن وقفوا منه موقفاً سلبياً على الأقل لم ينصروه، ولكنَّهم كانوا واثقين بصدقه وأمانته، (فإنَّ ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أنَّ عدم إيمان المشركين بما يدعوهم إليه ليس إلا استكباراً وعناداً، لا عن قناعة بعدم صحة ما جاءهم به، وقد قال تعالى: ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)) ، أي أنَّهم كانوا يجحدون بما جاءهم به، إما زعماً منهم: أنَّ في ذلك حفاظاً على مصالحهم الشخصية ومستقبلهم، وإما تقليداً أعمى للضالين من آبائهم وأجدادهم، وإما حفاظاً على امتيازاتهم، أو حسداً، أو غير ذلك.
وإنَّ إبقاء علي (ع) في مكة؛ ليؤدي للناس أماناتهم وودائعهم، في ظروف حساسة، وخطيرة جداً كهذه الظروف، لهو من أروع الأمثلة للإنسان الكامل، الذي يلتزم بمبادئه، ويحترم قناعاته، ولا يحيد عما رسمه الله له قيد شعرة، ولا يبحث عن المعذرات والفرص، وإنما هو يعيش من أجل مبادئه العليا، وتحقيق أهدافها، ولا يعتبر المبدأ وسيلة؛ لتحقيق مآربه وأهدافه.
نعم لقد كان (ص) أميناً عندهم، وسموه ب‍ـ "الأمين". وكان ذلك من أبرز صفاته الشخصية حتى قبل نبوته، وها هو يؤدي إليهم أماناتهم، مع أنَّهم يريدون نفسه ودمه، ومحو كل آثاره من الوجود، وتشويه كل ما يرتبط به ولكنَّ ذلك لا يحول بينه وبين أن يهتم بأمانات الناس، برِّهم وفاجرِهم. وقد كان له كل العذر لو أنَّه لم يردها عليهم)
ولكنَّ عدم إرجاع الأمانات إلى أهلها من قبل نبيٍّ يتنافى مع مبادئه وأخلاقه، فهو يريد أن يؤسس لشريعة قوامها الصدق في التعامل، والأمانة في أداء كل صغيرة وكبيرة، فلا عجب من تصرفه هذا.
4- ومن الدروس الهامة في الهجرة أنَّ الإسلام حين يتعرض للمضايقة والمحاصرة لإيقاف حركة الدعوة فإنه مقدم على كل الاعتبارات، والقيم المادية والمعنوية مهما غلت فالوطن، والأهل، والعشيرة، والمال، وكل شيء يجب أن يفتدى لأجل نصرة دين الله تعالى، يقول تعالى: ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين))
وهكذا لم يبقَ شيء يمكن أن يحرص الإنسان عليه ليقدمه، ويرجحه على حب الله، ورسوله، والجهاد في سبيله، (فإذا كانت هذه الأمور الثمانية - المذكورة آنفاً - أغلى، وأعز، وأحب عند الإنسان من الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وامتثال أوامره، حتى أنَّ الإنسان لا يكون مستعداً بالتضحية بتلك الأمور الثمانية من أجل الله، والرسول، والجهاد، فيتضح أنَّ إيمانه الواقعي لم يكمل بعد)
فبالتضحية بالأموال، والبنين، والتجارة، والمساكن، وتحمل المشاق التي تكتنفها الهجرة، وما يترتب عليها من غربة، ووحشة في فراق الأهل، والأوطان يتكامل إيمان الإنسان، ويفرز المجتمع إلى صفين، صف المضحين، وصف المستأثرين النفعيين الذين شغلتهم الأموال والبنين.
5- ومن الدروس الرائعة القيمة في الهجرة هي روح التواسي والتعاون بين المؤمنين، ولا سيما في الفترات الحرجة؛ ولذا رأينا احتضان الأنصار المهاجرين، وإشراكهم في الأموال، والمنازل، وإيواؤهم، ولم يبخلوا عليهم بشيء، فقد (تتابعت قوافل المهاجرين من مكة إلى المدينة زرافات ووحدانا، ومما يثير الإعجاب هو أنَّ المهاجرين لم يعانوا من شيء عند وصولهم إلى المدينة، وإنما كانت الأبواب مشرعةً، والصدور منشرحةً، وكان الرجل من الأنصار لا يستثقل حتى مع إوائه أعداداً كبيرة من المهاجرين)
ولهذا مدحهم الله تعالى حيث يقول: ((والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض))
ولم يكتفِ الأنصار بإيواء المهاجرين , بل شاركوهم بكل شيء يملكونه، فقد قال سعد بن الربيع الأنصاري لعبد الرحمن بن عوف الذي آخاه رسول الله (ص) معه: (أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شطر مالي، فخذه، وتحتي امرأتان فانظر آيتهما أعجب إليك حتى أطلقها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك)
وفي بعض الروايات: (قالت الأنصار للنبي (ص): أقسم بيننا وبين أخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: أفتكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رضي الله عنه: قال رسول الله (ص) للأنصار: إنَّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد,وخرجوا إليكم، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله (ص): أو غير ذلك؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم، وتقاسمونهم الثمر، قالوا: نعم)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com