موقع الصراط ... الموضوع : اهتمام الأمم والشعوب والحكومات بالعلاقات العامة
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  اهتمام الأمم والشعوب والحكومات بالعلاقات العامة  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
بما أنَّ النزعة الاجتماعية ذاتية في طبيعة الإنسان وفطرته, لا نجد أمة من الأمم, ولا شعباً من الشعوب, إلا ولها اهتمامات كبيرة في بناء شبكة علاقات فيما بينها أو مع غيرها، ولكل مجتمع طرقه الخاصة في تحقيق ذلك.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد أدرك الإنسان أنَّه لا يمكن أن تستقيم حياته، وتستمر بدون علاقات مع بني جنسه, ولا يمكن أن يتم التلاقح الفكري, والتوازن بين الشعوب المختلفة، وفي جميع المجالات الاجتماعية, والسياسية، والاقتصادية, والعلمية بدون بناء روابط وعلاقات؛ ولهذا نجد في طوايا التأريخ القديم أنَّ رؤساء القبائل البدائية يقومون بنشاطات عامة لتقوية علاقاتهم بمرؤوسيهم, ويستعينون بالشعراء والسحرة, والأطباء... ويقيمون الحفلات، ويجمعون الناس من حولهم لنفس الغرض, كما كانت تلك القبائل تعتبر بناء العلاقات مع القبائل الأخرى قوة لها؛ ولهذا كان حسن الاستقبال, وكرم الضيافة, وتقديم المعونة للزائر الغريب سمة بارزة في أوساطهم.
وفي مصر القديمة كان الملوك يُجِدُّون في كسب ثقة شعوبهم من خلال تمتين علاقاتهم بالجمهور العام؛ ولأجل هذا كانوا يقيمون الاستعراضات العسكرية بعد الانتصارات الحربية، ويصدرون المنشورات على أوراق البردي أيام السلم لمحاربة الأشياء التي تفكك العلاقة بينهم وبين رعاياهم، وبهذه الطريقة كانوا يؤثرون على أفكار الناس، ويوجهونهم حيثما يريدون من تحقيق أهداف مرسومة، وكانت المناسبات القومية أو الدينية, والأعياد, والأسواق مجالات مهمة لبناء تلك الروابط في جميع العصور القديمة والحديثة، وما إقامة المعارض الفكريةِ, أو الاقتصاديةِ اليومَ في جميع أنحاء العالم إلا شاهدٌ على ما نقول.
وفي الحضارة الرومانية واليونانية كان الحكام يبذلون كل ما في وسعهم لكسب ثقة الشعوب من خلال توثيق العلاقات مع الجمهور، وكان للشعر، والنثر، والنشرات اليومية دور فاعل في تعريف الشعب بمجالس الحكومة، وكانوا يفسحون المجال أمام أبناء الشعب لطرح الآراء.
وأما الحضارة الإسلامية بجميع جوانبها فقد كان للعلاقات العامة دور فاعل ورئيسي في نشر الرسالة؛ ولهذا كان الرسول الأعظم (ص) يحث أصحابه على بناء علاقات متينة مع الناس؛ لغرض التعريف بالرسالة الإلهية، وهذا ما سنوضحه في طوايا البحث إن شاء الله تعالى.
وفي العصور الحديثة مرت العلاقات العامة بمراحل متدرجة في التطور بل سُخِّرت كل وسائل الدعاية، والنشر، والأعلام لنفس الغرض، وأصبحت دراسة الرأي العام، وتحليله، وطرق تكوينه علماً قائماً مستقلاً، وفُتِحَتْ في أغلب الجامعات العالمية فروع خاصة بعلوم الإعلام والدعاية، وبيان كيفية الامتداد الاجتماعي، كما أُسِّسَتْ في نفس الوقت جمعيات مختلفة المشارب والأذواق للعلاقات العامة، بل أصبح من المتعارف المألوف عند المؤسسات الصناعية، والتجارية، والسياسية، والمعامل وجودُ متخصصين يعملون لحسابها من أجل تحسين سمعتها، وتوثيق علاقاتها مع المستهلكين، وما الدعايات التي نقرأها ونراها في الجرائد والمجلات والتلفاز، وما نسمعها في الإذاعات إلا دليل على ذلك، وما يبذل اليوم من طاقات بشرية, وأموال طائلة في النشر والإعلام إلا من أجل توثيق العلاقات مع الجمهور العام, والحكومات, والمؤسسات, والأحزاب لكسب الرأي العام، ولتغيير الأفكار والآراء والمعتقدات, وللغزو الثقافي والاقتصادي... وكل ذلك لا يتحقق إلا بمد جسور قوية بين الأطراف المختلفة؛ ولهذا نجد أنَّ كل الدول الكبرى تحاول أن تمد خيوطها الفكرية والسياسية والاقتصادية في أعماق الشعوب وفق خطط مدروسة بدقة متناهية.
ومن خلال إحصاء عدد المرسلات، والمحطات الإذاعية المسموعة والمنظورة، والمنشورات اليومية، والأسبوعية، والشهرية، والفصلية يتضح لنا مقدار الجهد المبذول, والأموال المصروفة في هذا الميدان، ويكشف لنا أهمية بناء الروابط النفسية مع المجتمعات البشرية في مختلف بقاع العالم، فلو تصورنا كم تستهلك هذه الأعداد الضخمة من الإذاعات والنشريات من الطاقات البشرية، والأموال والأوقات لازداد عجبنا خصوصاً إذا علمنا أنَّ ذلك من أجل بناء علاقات وروابط تخفي وراءها أغراضاً وأهدافاً مختلفة، وهذا دليل محسوس على اهتمام هذه الدول بالعلاقات العامة لما تدر عليها من سمعة طيبة، وأرباح مادية بلا حدود، كما يكشف لنا أنَّ العلاقات العامة هي العمود الفقري في أي امتداد سياسي، أو اقتصادي، أو عقائدي، أو في مجال آخر، ومن غير المعقول أنَّ هذه الدول الاستعمارية تريد نفع الناس وخدمتهم كما يزعمون، بل إن الحقيقة التي لا نشك فيها إنما يجنونه من هذا الجهد أضعاف ما يعطونه للناس.
وما نراه اليوم في عالم الحكم والسياسة في كل أنحاء العالم المتصارع حول مراكز السيطرة والنفوذ من جسور ممدودة بين الدول المختلفة، هذه الجسور على شكل سفارات، وقنصليات، وممثليات، وروابط دبلوماسية، وعلاقات متبادلة بين الرؤساء، والوزراء، والمجالس النيابية، وتبادل الخبراء العسكريين والاقتصاديين... الخ وما يُدَّسُ من مراكز مخابرات جاسوسية بأشكال مختلفة، وأسماء مستعارة إلا دليل آخر على أهمية تكوين الروابط العامة بين تلك الأطراف المختلفة الوسائل والأهداف، وهم يسعون لتعميق هذا الاتجاه، ففي سنة 1955م عقد اجتماع موسع (ضَمَّ مسؤولين عن العلاقات العامة من كل من فرنسا، وبريطانيا، وهولندا، والنرويج، والولايات المتحدة الأمريكية، تقرر تأليف لجنة دولية مؤقتة للعلاقات العامة، ما لبثت أن تحولت اعتباراً من أول آيار 1955م إلى الجمعية الدولية للعلاقات العامة بما لها من نظام أساسي جرى اعتماده في التاريخ المذكور)
وإذا كانت الدول المتخلفة غافلة عن ذلك فإن الغرب الاستعماري التفت إليه، واهتمَّ به اهتماماً كبيراً، ووضع له أسساً علمية أخضعها للتجارب النفسية والاجتماعية، وفتح جامعات ومدارس ومعاهد، وخرج متخصصين في فن بناء العلاقات، فقبل ما يقرب من قرن من الزمان شرعت كثير من الدول بمشروعات دراسية في فن العلاقات الاجتماعية، وأسلوب الامتداد السياسي والفكري... ووضعت لذلك نظريات وقواعد ودراسات، أو قامت ببحوث تجريبية اعتمدت علم النفس والاجتماع كأساس لدراساتها ففي فرنسا، ومنذ أكثر من مائة عام (أعلن أوجِسْت كِنِتْ مؤسس علم الاجتماع أن الهيئة يجب أن تكون مفتوحة وواضحة؛ لكل الجماهير؛ لكي يروها كالبيت المصنوع من الزجاج، وعلى ذلك فيجب على الهيئة تنوير الرأي العام بنشاطها)
وعلى هذا الأساس شُكِّلَتْ جمعية العلاقات الفرنسية، ثم تَكَوَّنَ إتحاد مستشاري العلاقات العامة، وفتحت كلية الدراسات في العلوم الاجتماعية، وفي ألمانيا أنشأت جامعة (هيدلبرج) كرسياً للعلاقات العامة، وفي إيطاليا أنشأ إتحاد قومي للمشتغلين بالعلاقات العامة، ومعهد عالي لدراسة العلاقات العامة، وفي كندا تأسست جمعية العلاقات العامة سنة 1948م لتحقيق التعاون مع الدول الأخرى، واليوم يجد المراقب المتتبع أنَّ أغلب الحكومات بما فيها من وزارات وإدارات أنشأت مكاتب خاصة بشؤون العلاقات العامة، لكي تقف على رأي الجمهور، بل أنشأت أجهزة متكاملة للإعلام في الداخل والخارج تقوم بنفس الدور، وفي مختلف الميادين الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية...الخ كما أنشأت كل دولة وكالة خاصة بها، وعينت لها مراسلين في أكثر عواصم ومدن العالم ظاهرين ومخفيين، وفتحت لها مكاتب صحفية، ومفوضيات، وملحقين ثقافي وعسكري، وهلم جرا من العناوين؛ كي تزودها بأدق الأخبار من مصادر حدوثها، وتعكس صورتها الجميلة في كل مجتمع تنوي الامتداد فيه.
وهكذا نجد أنَّ العلاقات العامة عند جميع الأمم لها الدور الرئيس في جميع الميادين، ومن المعروف الآن لدى المؤسسات الاقتصادية خاصة أنها تحاول أن تختار أمهر المتخصصين في العلاقات العامة، ومثل هذا في المؤسسات الاجتماعية سواء في النشاطات الفكرية، أو الرياضية، أو الرعاية الاجتماعية والصحية، وما إلى ذلك من نشاطات؛ لكي يكون لمصنوعاتها سمعة طيبة، وشهرة عالية، ورواج سريع... إضافة إلى أهداف أخرى سياسية لا تظهر للعيان كما هو شأن معظم شركات النفط العالمية المنتشرة في مختلف بقاع العالم، وكذلك ما تفعله البعثات التبشيرية للمسيحية الواسعة الانتشار، وبعناوين مختلفة إنسانية، وصحية، وثقافية، وخدماتية... الخ.
وهؤلاء لا يعملون بشكل مرتجل بل يُرَوِّجون لأنفسهم، ويمهدون الأرضية لدولهم، وينشرون الدعاية لبضائعهم، ويبشرون بأديانهم وفق خطط مدروسة، ومناهج محكمة دقيقة يدرسون بها الرأي العام، ويحللونه، ويشخصون طرق تكوينه وتعديله، وبذلك يمسكون برأس الخيط لتوجيه الرأي العام كما يريدون، ويتحكمون بالاتجاهات والخطط والمشاريع في مختلف الميادين المحلية، والقومية، والإقليمية.
وهكذا أصبحت العلاقات العامة (من أهم الدعامات في هذه المؤسسات الصناعية ولا تقل أهمية عن إدارة الإنتاج والتوزيع والتمويل)
بل أصبح من المُتَيَقَّنِ لديهم (أنَّ المؤسسات والهيئات في جميع المجالات لا يمكنها أن تنجح إذا عاشت بعيداً عن الجمهور، واكتفت بجودة الإنتاج والعمل على رفع مستوى الخدمات، ولما تنبهت الخدمات لذلك قامت باستخدام الإعلان والدعاية في الصحف، والمجلات، ووسائل الإعلام الأخرى لتحقيق اتصالها بالجمهور، وتعريفه بالهيئات المعينة)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com