موقع الصراط ... الموضوع : الزهد-3
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الزهد-3  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 3 / رجب / 1433 هـ
     
  دور الزهد في حياة الإنسان:
للزهد دور مهم في سعادة الإنسان، واستقراره، واطمئنانه، وذلك لأن حياة الإنسان لا يمكن أن تخلو من عقبات ومشاكل تواجهه في كل حين، وهذا أمر شامل لكل إنسان سواء كان حاكماً، أو محكوماً، غنياً كان، أو فقيراً مادام الابتلاء سنَّة إلهية لا ينجو منها إنسان مهما كان، فالحياة الدنيا تتقلب بأهلها من حال إلى حال، فلا استقرار لها ولا اطمئنان لأي وضع من أوضاعها. فما عرّفنا التاريخ أن أحداً استقرت به الدنيا في لذاتها أو مرارتها، واستمرت على نفس المنوال، فلا القوي يبقى قوياً، ولا المعافى يبقى معافى، ولا الغني يبقى غنياً؛ لأن التحول والتغير والتقلب سنة لا يفلت منها أحد مهما كان، ومن كان؛ ولهذا فالمغرور من غرته، والشقي من ألهته، وقد حذر أمير المؤمنين (ع) من تقلب الدنيا قائلاً: (أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم الدنيا فإنها دار شخوص، ومحلة تنغيص، ساكنها ظاعن، وقاطنها بائن، تميد بأهلها مَيدان السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار فمنهم الغرق الوبق، ومنهم الناجي على بطون الأمواج تحفزه، الرياح بأذيالها، وتحمله على أهوالها فما غرق منها فليس بمستدرك، وما نجا منها فإلى مهلك)
هذا حال من استوعبت الحياة الدنيا كل حياته فلم يعد يفكر بسواها، بل يحاول أن يسخر أقدس المقدسات لأجلها. بل قد ينصب الدين شركاً وفخاً لاصطيادها. فهو لا يبصر غيرها وصدق أمير المؤمنين (ع) حين قال: (من أبصر بها بَصَّرَتْه، ومن أبصر إليها أعمته)، وفي نص آخر يقول (ع): (سَلَكَت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها , واتخذوها رباً، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها) هكذا تفعل الدنيا بمحبها المستغرق بها. وأما الزاهد بها فلا يمكن أن يكون كذلك، ولهذا فإن الإسلام حث على الزهد بها لأن للزهد فيها آثار عملية وضعية في مسيرة الإنسان ومن تلك الآثار :
1- الراحة والاطمئنان وعدم القلق على شيء:
من المعلوم أن الإنسان مفطور ومجبول على حب الراحة والدعة (فلو أنك راجعت كل أدوار التمدن والتوحش، والتدين والتحلل، وسألت الجاهل والعالم والوضيع والشريف، والمدني والبدوي: لِم كل هذا التعلق المتنوع والأهواء الشتى، وما الغاية من تحمل هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة الدنيا؟ فإنهم جميعاً وبكلمة واحدة وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين: بأن كل ما يتوخونه إنما هو لراحتهم والغاية النهائية والمرام الأخير وأقصى ما يتمونه هو الراحة المطلقة الخالية من كل تعب ونصب) وهذه الراحة المطلوبة لا تتحقق إلا بالزهد؛ وذلك لأن الزهد يمنح الإنسان نفساً منقطعة إلى الله لا يمكن أن تأسف على شيء لم تظفر به ، ولم تفرح بشيء حصلت عليه؛ لأنها زهدت بكل ما في الدنيا ، واعتبرتها وسيلة تأتي وتروح ، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (ع) في أحاديث كثيرة منها قوله (ع):
(الزهد في الدنيا الراحة العظمى)
(الزهد أفضل الراحتين)
(ثمره الزهد الراحة)
(من أحب الراحة فليزهد في الدنيا)
2- التبصر في عيوب الدنيا :
الزاهد في الدنيا اتخذها معبراً إلى حياة دائمة خالدة ينظر إلى الحياة الدنيا نظرة الدارس المتفحص لكل أمر يريد أن يقوم به؛ ولهذا تنكشف له مواضع القوة والضعف، والخير والشر، وتتحقق بذلك الرؤية الدقيقة ، والوضوح التام في الأهداف والوسائل؛ ولذلك تراه لا يسلك مسلكاً إلا إذا كان فيه لله رضا، ولخلقه صلاح، وهذه هي حقيقة الزهد فقد سأل رسول الله (ص) جبريل (ع) قائلاً: (فما تفسير الزهد؟ قال: الزاهد يحب من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها فإن حلالها حساب، وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ويتحرج من الكلام كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها، ويتحرج عن حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله، وكأن بين عينيه أجله)
فالزهد في الدنيا يكشف للإنسان معايب الدنيا، ويحميه من السقوط في مهاويها؛ لأنه يتمع بالرؤية الدقيقة والوضوح في الهدف، وإلى هذا المعنى أشار سيد الزاهدين الإمام علي (ع) قائلاً: (أزهد في الدنيا يبصرك الله عيوبها, ولا تغفل فلست بمغفول عنك)
إذن الزاهد هو ذلك العبد اليقظ الفطن المتأمل بكل قول يقوله، أو فعل يفعله، أو خطوة يخطوها في مسيره إلى الله، وبهذا يكون في سلامة من أمره يقول علي (ع): (لو زهدتم في الشهوات لسلمتم من الآفات)
3- إن الزهد يُثمر الحكمة :
يقول أمير المؤمنين (ع): (بالزهد تثمر الحكمة) لأن الزاهد يتخلى عن شهوات الدنيا، ويتمرد على رغبات النفس، ويخالف أهوائها ،وحينئذٍ تتزكى نفسه ويطهر قلبه، وتصبح أرضية النفس مهيأة لقبول الفيوضات الإلهية كالمعرفة بالله، والتفقه في أحكامه، والامتثال لأوامره، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه وبذلك يرزقه الله الهدى، والنور، والبصيرة، والصلاح، والإصلاح، يقول أبو عبد الله الصادق (ع): (من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام)
والحكمة هي وعي المعارف الإلهية، ورسوخها في النفس, وتهذيبها بها، واصطباغها بتلك المعارف والعلوم، حتى تتحول المعرفة إلى ملكة تملك على الإنسان كل جوانب حياته، وتضعه على جادة الصواب، وتسوقه إلى إتقان العلم والعمل في سبيل الله، وبذلك يضع الأمور مواضعها التي أرادها الله تعالى.
وما يقال: إن الحكمة هي معرفة الله الواحد الأحد، والتفقه في دينه بمعرفة القرآن ناسخة ومنسوخة، ومحكمة ومتشابهة، أو أنها النبوة، أو الخشية، أو الفهم والفطنة، والقدرة على التمييز بين الإلهامات الإلهية، والوساوس الشيطانية وبين الحق والباطل، هي مظاهر الحكمة وإفرازاتها ونتائجها، وليس الحكمة كلها. فقد يفهم الإنسان القرآن والسنة، ولا يعي حقائقها، وغاياتها، ومقاصدها، ولا يمتثل لأوامرها فلا يكون حكيماً، وإنما الحكيم من وعى كل ذلك، وعمل به وانقاد إليه، وانطبعت نفسه به حتى عادت لا ترى مؤثراً في الوجود إلا الله، وبذلك تستطيع أن تتوازن في مسيرتها بين متطلبات البدن، ومقتضيات الروح، وتوفق بين العقيدة والعمل، وتنساق نحو الكمال المطلوب منها في معرفة الله، ومعرفة أحكامه، وصياغة الحياة على شاكلتها، وبذلك تكون الحكمة (هي تلك المطالب الحقة التي ترتسم في النفس، وتوجب التوفيق بين الاعتقاد والعمل، والسوق إلى الكمال المنشود للإنسان) وهكذا (مع الزهد تثمر الحكمة)
4- بالزهد تهون المصائب :
إن حياة الإنسان مهما كان، ومن كان مليئة بالمعوقات والصعوبات والمصائب والأهوال ما دامت متغيرة من حال إلى حال , وكلما كان الإنسان مُنشدّاً إلى الدنيا، ومنغمراً في لذائذها ومستغرقاً في حبها فإن أدنى المصائب والصعاب تكبر عليه، وتضعف نفسه أمامها، وقد يسحقه الجزع، ويطحنه الأسى وتظلم في عينه الدنيا، وتتحول حياته إلى جحيم لا يطاق، أما لو كان زاهداً فيها فلا تجزع نفسه، ولا تعظم عليه المصائب؛ لأن الدنيا في عقيدته قنطرة يعبر منها إلى دار الرحمة والرضوان، فكلما كان زهد الإنسان أشد وأبلغ في نفسه، وأوعى في مسيرته، تهون عليه المصائب، وتسهل عليه الشدائد، وتتفتت على سندان زهده مطارق المحن مهما بلغت من الشدة فإن (من زهد في الدنيا هانت عليه المحن) و (استهان بالمصائب)
5- الزهد حصانة للدين :
إن القوى المعاكسة لمسيرة الإنسان إلى الله كثيرة، وعسيرة، منها داخل النفس، كحب الذات الذي يتفرع منه حب الدنيا بكل أشكالها كحب المال والولد، والنساء، والسمعة، والشهرة، والظهور، والتسلط، وما تبتدعه النفس من طرق ملتوية للوصول إلى إشباع رغباتها، هذا من جانب، ومن جانب آخر تواجه الإنسان ضواغط خارجية من طواغيت الأرض وأذنابهم، وما يبدونه لأجل إخضاع الآخرين من ترغيب، وترهيب، وإغراء، وخداع … ومن ناحية ثالثة ما يُحِيكه الشيطان لإغواء الإنسان من رصد، ووسوسة، وتزيين، ووعد، ونزغ، وهمز , واستفزاز، واحتناك للإنسان؛ ليستحوذ عليه ، ويطوقه من جميع جوانبه ويجعله من جنوده … كل تلك الضواغط تَعرض للإنسان في سيره وسلوكه إلى الله فتُعرِّض دينه لأخطار فظيعة قد تخلخل علاقاته بالله، وقد تهوي به إلى السقوط في ظلمات الذات، وحبائل الشيطان، وجنوده من الإنس والجن فتخرجه من ولاية الله إلى ولاية الشيطان، لا سيما إذا دخلت إليه من جانب الأطماع المادية أو المعنوية والتي لا يميزها إلا من نَوَّرَ الله قلبه بحبه وزَهَّده في الدنيا، إن السبيل الأسلم للنجاة من هذه المخاطر والحصانة الأقوى للحماية منها هو الزهد في الدنيا وجميع زخارفها والاكتفاء منها بما يُقوم الإنسان ويقويه على طاعة الله تعالى؛ ولهذا ما سقط من سقط في حبائل النفس والشيطان إلا بالطمع والآمال البعيدة … أما عندما يزهد المؤمن في الدنيا فإن جميع أهواء النفس وضغوط الطاغوت وشباك الشيطان لا يمكن أن تحرفه عن دينه، أو تضعِّف علاقته بربه. يقول سيد الزاهدين علي (ع): (من زهد في الدنيا حصَّن دينه)، وعن أبي جعفر (ع) قال: (قال أمير المؤمنين علي (ع): إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا)
ومن هنا كان الزهد باباً من أبواب الحق، بل هو من أفضلها؛ لأن الزهد من الخصال التي تقرب العبد من الله تعالى، فعن أبي عبد الله (ع) قال: (أوحى الله إلى موسى (ع): إن عبادي لم يتقربوا إليَّ بشيء أحب إليَّ من ثلاث خصال. قال موسى: يا رب وما هي؟ قال: يا موسى الزهد في الدنيا، والورع عن المعاصي ، والبكاء من خشيتي … إلى أن قال: أما الزاهدون في الدنيا ففي الجنة)
وفي رواية أخرى: (قال الله تعالى: ولا تَزَين فيَّ المتزينون بمثل الزهد في الدنيا عما يهم الغنى عنه ... إلى أن قال: وأما المتزينون لي بالزهد في الدنيا فإني أبيحهم [ أمنحهم خ ] الجنة بحذافيرها يتبوؤن منها حيث يشاؤون)
6- الزهد تحرر وانطلاق:
ومن أعظم ثمرات الزهد أنه يحرر الإنسان من أهوائه ونزواته , ويمنحه البصيرة في الحياة , ويحرره من جميع زخارف الدنيا بكل ما للكلمة من أبعاد حقيقية للحرية. فليس الحرية هي التحلل والخروج عن المبادئ والقيم والأخلاق الكريمة، والانطلاق بلا حدود، ولا قيود، بل هي انطلاق في رحاب الله تعالى والهيام بحبه، وليس الحرية كما طبَّلوا لها في الغرب في مجال السياسة، والاجتماع والاقتصاد … ولكن الحقيقة أن الحرية لا هذا ولا ذاك (ولكنها في الزهد والتحرر الذاتي، وإن الحرية تجاوز القيود التي تُكَبِّل الإرادة الإنسانية،وتمنع الإنسان من الإبداع والفعالية في مجال النمو والتكامل، وتحقيق إنسانيته وعبوديته لله، وهذه القيود ليس هي القيود الخارجية الطبيعية والاجتماعية، ولكنها [ قبل ذلك ] هي القيود الذاتية، قيود التخلف العقلي، وضيق الأفق، ومادية الإحساس وقيود العاطفة المكبَّلة بالمال والطين والجاه والشهرة والجنس والقناطير المقنطرة)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com