موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-5
 
الأحد - 12 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-5  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 3 / رجب / 1433 هـ
     
  الحكّام في عصر الغيبة:
الحصيلة العامّة المستخلصة من مراجعة نظرية النراقي أنّ إصلاح الأمور في زمان الغيبة يتمّ عبر تطبيق العدالة الحقيقي بشكل عام، والعادل حقيقةً هو القادر لوحده على تطبيقها، وهو الفرد أو الجماعة العارفة بقواعد الشريعة، والفقه هو العلم الوحيد المتكفّل بمعرفة الشريعة و((استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية))، فموضوع علم الفقه استنباط الأحكام الشرعية، والفقهاء هم الوحيدون الذين يمكن أن يتصدّوا لذلك، لعلمهم بقواعد الشريعة الإلهية، ونواميس السنّة النبوية.
وهم الذين يشخّصون معيار العدالة الحقيقية، فهم مصاديق العادل الحقيقي، وبمقدروهم تطبيق العدالة وإصلاح المجتمع. وهذا ما يمكن التعبير عنه بصياغة كليّة كالتالي: إنّ إصلاح المجتمع ــ عند النراقي ــ مشروطٌ بتطبيق العدالة، وهذا ما لا يتمّ إلاّ بأن يكون الحاكم على المجتمع فقيهاً، أو يتولّى الفقهاءُ الحكومة.
وفي ضوء هذه النظرية، لا بدّ وأن تكون إدارة أمور الدول والبلدان جميعها بيد الفقهاء، فالفقهاء أفضل من يتولّى أمور الناس ويدير شؤونهم، فالصلاحيات التي أسّسها النبي (ص) في النظام السياسي الإسلامي ثابتة له وللإمام من بعده، وهي ثابتة للفقهاء في عصر الغيبة: ((إذاً يمكننا القول ــ والتوفيق من الله ــ إنّ كليّة ما للفقيه العادل توليّه وله الولاية فيه أمران:
أحدهما: كلّ ما كان للنبي والإمام ــ الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام ــ فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً ذلك، إلاّ ما أخرجه الدليل عن إجماع أو نصّ أو غيرهما.
والآخر: كلّ فعل متعلّق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم، ولا بد من الإتيان به ولا مفرّ منه، إمّا عقلاً (أعمّ من العرف والعادة) من جهة توقّف أمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به، أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع، أو نفي ضرر أو إضرار، أو عسر أو حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر، أو ورود الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفته لمعيّن واحد أو جماعة ولا لغير معيّن ــ أي واحد لا بعينه ــ بل علم لابديّة الإتيان به أو الإذن فيه، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرّف فيه، والإتيان به)).
إن مبدأ حكومة الفقيه العادل ركن مهم وحاسم في الفكر السياسي عند النراقي، ولكي ندركه بشكل دقيق ينبغي التوقّف عند مفهوم (الفقيه العادل)، ومعرفة مصداقه، فالتفسير الذي يقدّمه النراقي لهذا المفهوم يختلف عن المعنى الاصطلاحي الذي نعرفه اليوم عنه، فإنّا عندما نتحدّث اليوم عن الفقه أو الفقيه فإنّ الذي يتداعى الى الذهن موقف الفقيه بين تجاذبات الحياة الاجتماعية وتطوّراتها من جهة، وحالة الانكفاء والعزوف عن الحياة التي يدعو إليها دعاة العرفان من جهة أخرى، بيد أنّ التعريف الذي يقدّمه النراقي عن الفقيه يختلف عن هذه الصورة تماماً، فهو يفترض في شخصية الفقيه الإحاطة العلمية التي تتوفر ــ إضافة لتخصّصها الفقهي ــ على إلمام جيد بالنظريات السياسية والاجتماعية بل وحتى الاقتصادية، فإن دائرة الفقه الحقيقي دائرة وسيعة تشمل الأبعاد السياسية والاجتماعية للعصر، والفقيه ــ فيما يراه النراقي ــ هو العارف بقضايا العصر الواقف على حوادث الزمان، ويستفاد هذا المطلب بشكل واضح من مواضع عديدة من كلماته التي نقلناها سابقاً، ولذا فإنّ حكومة الفقيه العادل أفضل أنواع الحكومات في زمان الغيبة، وهي خير بديل وخليفة لحكومة النبي (ص).
والحاصل: إنّ النراقي يعتبر تقلّد الفقيه العادل أو الفقهاء العدول لزمام الأمور، باعتبارهم الخبراء العارفين بأصول القوانين، خير ضمان لحفظ مصالح المجتمع؛ لأنّ الفقيه هو الشخص الوحيد الذي يمتلك القدرة على استنباط العلّة وتشريع القوانين مورد حاجة المجتمع، وكذلك دستور النظام السياسي، فهو الأقدر على درك روح القانون وتشخيص موارد الإبهام في بعض الحالات التي لم ينصّ القانون عليها؛ وذلك بشمول بعض الإطلاقات لها وعدم التأطّر بحدود الألفاظ ودوائرها الضيقة، فالأمر موكول إلى خصوص هذا الصنف من الواقفين على عمق القانون وروحه، ويطبقونه بما توجبه مقتضيات الزمان من دون مسّ بروح القانون أو تلاعب فيه.
مراتب الحكّام في عصر الغيبة:
إنّ الحكومة المثالية ــ كما يرى النراقي ــ في عصر الغيبة هي التي يكون زمام الأمور فيها بيد الفقهاء العدول، وقد أسّس النراقي لذلك قاعدتين عامّتين في العائدة رقم (54) من كتاب (عوائد الأيام)، بحيث لا يمكن فهمهما إلاّ في ضوء ما ذكرناه من فكره السياسي.
والأمر الآخر الذي له أهميته وتجدر الإشارة إليه، أنّ النراقي يرى أن ضرورة حكومة الفقهاء أمر ثابت بالدليل العقلي، ولا علاقة له بالبحث الكلامي، واعتبارهم نواباً عن الأئمة المعصومين (ع) ؛ لأنها الصياغة الفضلى لنظام الحكم في المجتمعات الإسلامية جميعها ــ سواء كانت سنيّةً أو شيعية بل وحتى المجتمعات غير الإسلامية ــ وإن كانت طريقة فقهائنا في الاستنباط تعتبر طريقة خاصّة باعتبار أنها تقوم على أسس تنبع من طبيعة المذهب الإمامي.
من هنا، يمارس النراقي هذه الطريقة من الاستدلال في كتابه العوائد، إلاّ أنّه لا يقف عند حدّ التنظير لصيغة نظام الحكم، بل يحاول ــ كأي مفكّر سياسي يعيش هموم تطبيق النظرية ــ معالجة إشكاليّات الواقع، فنجده يسعى جاهداً إلى المقاربة بين نظريته وبين الإشكاليات السياسية للواقع الذي عاصره ليخلص إلى نظرية ((السلطان العادل))، ويرى النراقي نفسه ــ انطلاقاً من موقعه الفكري والعلمي ــ أمام مهمّة علمية كبيرة ــ كما يشير إليها أرسطو أيضاً ــ ؛ لأنه في الوقت الذي يتعيّن عليه بيان نوع الحكم الذي يجب تطبيقه باعتباره الصياغة المثلى، وبيان خصائصه ــ على فرض عدم وجود معوقات في طريقه ــ فإنّه ينبغي عليه أيضاً بيان أفضل صياغة عملية للحكم يمكن تطبيقها وممارستها في العصر الحاضر، وماهية نوع الحكم التي يتقبلها طبع كلّ قوم وكلّ أمّة، وبيان السُبل العملية الكفيلة بتطبيق ذلك.
فينبغي الأخذ بأبعاد القضية وجوانبها كافّة، ثم تحديد أفضل الصيغ للحكم، بحيث يسهل تطبيقها من الناحية العملية، كما ينبغي عليه تحديد الإشكاليات التي تواجهها حكومة عصره التي تفصل بينها وبين الحكومة الأنموذجية التي يدعو إليها مسافات طويلة.
لقد أدرك النراقي أنّ الحكومة الإيرانية التي عاصرها ــ والقائمة على النظام الملكي ــ ضاربةٌ بجذورها في تاريخ الأمة الإيرانية وتعتبر طبيعية للحكم هناك. كما كان يدرك أيضاً أن ترك العادة مرض عضال، وأنّ تعريض البناء القائم للانهيار وإقامة نظام آخر ليس بالأمر السهل، ولذا نجده يطلق ــ إلى جانب فكرة ولاية الفقيه ــ فكرة حكومة السلطان العادل، فيحرّر أكثر كتاباته إلى سلطان عصره فتح علي شاه بما يتماشى والأعراف الموجودة في ذلك العصر، محاولاً من وراء ذلك كلّه جعل ملك القاجار سلطاناً عادلاً متحلّياً بالأدب والتربية الإسلامية، ويمكن المقارنة بين موقف النراقي وفتح علي شاه، وبين أفلاطون وديون حاكم سيراكوس، وبين أرسطو والإسكندر المقدوني.
فكرة السلطان العادل:
لـمّا كـان تحقّق الفضيلة لدى الفرد أو المجتمع منوطاً ــ على نحو الحصر ــ بإقامة العدالة، كما ألمحنا لذلك قبل سطور، فإنّ الذي يأخذ على عاتقه تحقيق ذلك هو العادل الحقيقي، وقد قرن النراقي بين إقامة العدالة وبين درك الشريعة، فالأساس هو العدالة، وهي تنتهي في تعريفها وبيان حقيقتها إلى الشريعة، فلو أردنا إجراء العدالة على صعيد الفرد أو المجتمع بشكل دقيق وكامل فلا بد من السعي لتطبيق الشريعة في المجتمع بشكل دقيق، فإنّ تحقيق العدالة مرهون بتطبيق الشريعة، فالسرّ الكامن وراء ما يطرحه النراقي في حكومة الفقهاء إنما هو الاعتبار المذكور من معرفة الفقهاء بمعايير العدالة لتحقيق العدالة الحقيقية.
إنّ تصدّي الفقهاء مباشرةً لأمر الحكومة وإجراء الأحكام الإسلامية وإن كان أفضل أنواع الحكم في زمان الغيبة، إلاّ أن تطبيق العدالة الحقيقية في المجتمع واتّصاف المجتمع بها لا يتوقف على تحوّل الجميع إلى فقهاء، فإنّ الغرض المهم ليس العلم بالشريعة وملاك العدالة، بل المهم هو العمل بمقتضى ذلك وتطبيقه؛ إذ كما قد يتحقّق العلم بالشريعة للبعض بطريق الاجتهاد تارةً أو التقليد لغيرهم تارةً أخرى، كذلك يمكن تحصيل معيار العدالة الحقيقية بطريقين: الأول طريق الاجتهاد والفقاهة، والثاني طريق التقليد، وإن كان أقلّ فضيلةً من الاول، بحيث يمكن اللجوء إليه في حال الضرورة.
وبهذا نخلص إلى أنّ إقامة النظام السياسي لا يتوقّف على حكومة الفقهاء أو الحكّام الفقهاء، بل يمكن الالتجاء إلى الطريق الآخر، فيتصدّى لأمر الحكومة من يقلّد الفقهاء ويرجع إليهم ليطبّق آراءهم، هذا الطريق وإن لم يكن كالأول في الفضل إلاّ أنّه طريق جيد في نفسه، فلا دليل على عدم إمكان إحراز ملاك العدالة الحقيقية عن طريق التقليد، فكما يمكن إجراء ذلك بالاجتهاد يمكن كذلك بالتقليد، وكما يمكن تطبيق العدالة في المجتمع بطريق الاجتهاد يمكن تحقيقها أيضاً بطريق التقليد.
يرى النراقي أنّ أقرب طريق إلى الواقع لتحقيق العدالة في المجتمع وبين الناس هو معرفة الحاكم بأحكام الشرع وقوانينه.
لقد استثمر النراقي تقليد السلطان فتح علي شاه القاجاري له ورجوعه إليه في الرأي ليتقرّب منه ويحمله قدر المستطاع على العمل بالشرع ومراعاة العدالة، ويوضّح له أنّ أهمّ الوظائف التي يجب عليه العمل بها هو تطبيق العدالة، وتطبيقها ــ الذي هو عبارة عن العمل بالشريعة ــ يضمن شرعية السلطان. ويذهب النراقي مؤكّداً على أن العدالة أمر واحد، فكلّ تجاوز لها وتعدٍّ عنها يكون ظلماً، فإذا أمكن للسلطان التحلّي بالعدالة وتطبيقها في المجتمع صار ظلّ الله في الأرض؛ وذلك لأنّ العدالة ــ كما قلنا ــ أمر واحد، ((وكلّ أمر واحد وكلّ وحدة في عالم الإمكان فهي ظلّ لوحدته سبحانه، كما أنّ كلّ وحدة حاصلة في الأمور المتباينة فإنّها أثر من آثار وحدته))
وفي ضوء ذلك، لا مسوّغ لسلطان كلّ من يتقلّد زمام الأمور بأي سبب كان أو بالغلبة والقهر والقوة، فالشرعية منوطةٌ بتطبيق الشريعة التي هي أساس العدالة ومعيارها الحقّ، فليس كلّ سلطان ظلّ لله، بل هو خصوص العادل، السلطان الذي يجعل العدالة والشريعة نصب عينيه ويمتثل لآراء مقلَّده وأوامره، فمثل هذا هو السلطان الحقّ، كما أنّ السلطان العادل سبب لظهور البركات والخيرات الكثيرة في مجتمعه وبلاده.
يقول النراقي: ((العدالة ــ بالمعنى الأخص ــ عبارة عن حبس النفس عن إلحاق الظلم بالناس، ودفع ظلم الغير عنهم قدر المستطاع، وإقرار كلّ ذي حق على حقّه.. وهي المقصودة بهذا المعنى في الروايات الشريفة والآيات الكريمة، وشرف هذه الصفة خارج عن حدّ الوصف، وفضلها فوق مستوى البيان، فهي تاج وهّاج تزيّن رأس كلّ سلطان وتشرّفه بالوصول إلى منصب ظل الله، وخلعة ثمينة تكتسي بها لياقة كل سلطان، وتحبى من بين جميع الخلائق برتبة جليلة وعالية، وهي كونه ملاذاً وكهفاً للعالم. وأنى لنا أن نتمكّن من بيان شرف صفةٍ قد أنيط بها نظام نوعٍ هو أشرف أنواع الأكوان وقوام لوجود سلسلة بني آدم الذي هو أفضل أبناء العالم...))، ((وهذه الطائفة (النوع الإنساني) لما كانت حياتهم قد نسجت من الشهوات واشبعت بها وطال بهم الأمل فكلّ واحد منهم مستعدّ ــ من أجل الوصول إلى مقصوده ــ لارتكاب أنواع الفساد، ويسعى به ذلك للانحراف عن جادّة الاستقامة والصواب، ومن هنا يمدّ الطامعون عين الطمع إلى أموال العجزة، ويبسط الأقوياء يد العدوان على الفقراء، ولهذا السبب تتلاشى الحياة، وتقصر اليد عن نيل المقصود، وهو إعمار الآخرة، فكان من اللازم وجود رئيس مطاع ومقدَّم لازم الاتّباع يلوذ به الفقراء من شرّ الأشرار، وينعمون بنعمة عدالته، ولذا فإنّ الحكيم على الإطلاق ــ لفرط رحمته وإشفاقه بخلقه ــ قد جعل لكلّ دولة رئيساً ولكلّ ملة أميراً، ليرعى ــ ساهراً ليل نهار بعين الحب ــ أوضاعهم ويحرسها؛ لكي لا يدع يد الجور المعتدية تخدش بظفرها حال المعدمين، ولكي لا تعمل فأس أهل الفساد الظالمة بنخل الفقراء لاجتثاثها، فسلاطين العدالة منصوبون من قبل حضرة مالك الملك لرفع الظلم، وحراسة عرض ومال أهل العالم، متميزون على جميع الخلائق ومشرّفون بشرف منصب ظل الله، ليقيموا أمر معاش العباد ومعادهم ويحفظوا حياتهم))
إنّ مقارنة كلام النراقي فيما يرتبط بضرورة تأسيس النظام السياسي من قبل الأنبياء، بما نقلناه آنفاً ينتهي إلى مؤدّى واحد، فكلامه في الموضعين متقارب، فالسلطان العادل يأخذ على عاتقه في ظل توجيه الفقهاء وتقليدهم وظيفة الأنبياء في بناء النظام السياسي.
ويمكن تقسيم نوع الحكومة المطلوبة طبقاً لسلسلة مراتب المطلوبية ــ ومع الأخذ بنظر الاعتبار رأى النراقي في الحكومة والقيادة ووظائف الحاكم في إقامة النظام السياسي ــ إلى ثلاثة أنواع:
1 ــ حكومة الأنبياء والمعصومين (ع).
2 ــ حكومة الفقهاء والعدول.
3 ــ حكومة السلاطين العدول المقلّدين.
ويرى النراقي أنّ العدالة فضيلة لا يقتصر فضلها على نظم أمور الفرد والمجتمع فحسب، بل إن وجود مجتمع يقوم على العدالة يزيد ويبارك في مواهب الطبيعة، بل حتى ما يعقد عليه السلطان قلبه من تطبيق العدالة وإصلاح نفسه أو عدمه له دور في عمران البلاد أو خرابها، لهذا يقول النراقي بهذا الشأن: إذا أمسك السلطان العادل بمقادير الأمور صلحت جميع المفاسد، واستنارت جميع البلاد وعمرت وأغدقت العيون والأنهار بالمياه، وازدادت الثمار ونسل الإنسان، وهطلت بركات السماء على الأرض ونزلت الأمطار النافعة، ولذا كانت عدالة السلطان من أفضل أقسام العدالة وأشرف أنواع السياسة، بل إن كل عدل متوقف على عدله، وكلّ برّ وخير منوط ببّره وخيره.. بل حتى حسن نيته له دخل عظيم وتأثير تام في هذا الأمر، كما ورد بذلك قول أمير المؤمنين (ع): ((إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان))
إذا كانت نية السلطان خيراً
فقد تنبت الأرض بدل التراب زرعاً
إنّ ما تعانيه الرعية من متاعب وسعادة
ينطق عن عدل الملك (أو ظلمه).
ويظهر من النراقي بشكل جلي من خلال النصّ السابق وصفه لعدالة السلطان وبيان أهميتها إلى حدّ يربط فيه بين عدالته وبين الظواهر والقوى الطبيعية، كما أنّه يستفيد بشكل بديع في بحث عدالة السلطان من بعض الروايات ومن الفكر السياسي الإيراني القديم الذي يشير إلى أنّ مواهب الطبيعة، بل وحتى بقاء الدولة منوطان بعدالة الملك ونيته.
وكما أشرنا سابقاً مراراً، لا تقوم عدالة السلطان ــ عند النراقي ــ بشخص الحاكم، بل ترتبط بعدالة هي أسبق وأكبر نطاقاً ودائرة، وهي عبارة عن الشريعة الإلهية والسنّة النبوية، فإنّ السلطان العادل ليس أوّل عادل، بل إنه في أحسن الأحوال عادل متوسط، لذا يقول النراقي: ((إعلم أنّ علماء الأخلاق قسّموا العدول إلى ثلاثة أقسام: الأول: العادل الأكبر، وهو الشريعة الإلهية التي هي من قبله سبحانه، والصادرة منه للمساواة بين العباد. الثاني: العادل الأوسط، وهو السلطان العادل التابع للشريعة المحمديّة، وهو خليفة الأمة والشريعة، الثالث: العادل الأصغر، وهو الذهب والفضّة التي تحفظ المساواة في المبادلات والمعاملات، والتي أشار إليها سبحانه بقوله: ((وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ ومنافع للناس)) (الحديد: 25)، فالقرآن هو الشريعة الإلهية، والميزان فيه إشارة إلى الدرهم والدينار، والحديد إشارة إلى سيف السلطان العادل الذي يهدي الناس إلى الطريق المستقيم، ويحفظهم في أمورهم جميعها من الظلم والجور))
وفي قبال هؤلاء العدول الثلاثة، ثلاثة أنواع من الظلمة الغاشمين: الأول: الظالم الأعظم، وهو الذي يأبى عن متابعة الشرع، وهو الكافر. والثاني: الظالم الأوسط، وهو الذي يأبى طاعة السلطان ولا ينقاد لأمره وهو الطاغي. والثالث: الظالم الأصغر، وهو الذي لا يلتزم بحكم الدرهم والدينار في المساواة، فيأخذ أكثر من حقّه ويعطي الغير أقلّ، وهذا هو السارق الخائن.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com