موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب نوح (ع)-1
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب نوح (ع)-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إَِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ)) (يونس:71-73)
أمر من العلي الأعلى لنبيه الأعظم (ص) بتلاوة أخبار رسوله نوح (ع) داعية التوحيد الأول لما فيها من الدروس، والعبر والمواعظ العظيمة التي جسدت الإيمان الكامل ، والهدفية الواعية، والصبر الذي لا نظير له، وروح التحدي والرفض للواقع الفاسد، والعزيمة الماضية، والمواقف الجريئة، والنَفَس الذي لا ينقطع في مواصلة الدعوة إلى الله تعالى بلا كلل، ولا ملل ولا انقطاع ليلا ونهارا سراً وجهاراً...
إن حياة نوح كلها دروس في الدعوة إلى الله فينبغي لكل من يحمل هموم الدعوة إلى الله، ويريد أن يواصل الكدح إليه تعالى: التأمل في تلك الحياة المفعمة بالجهاد المتواصل لإعلاء كلمة الله؛ ليتعلم منها المنهج والأسلوب، ويعمق تلك الأهداف النبيلة في نفسه، ويطبعها على صفحات قلبه... ولأهمية أخباره نجد أنها تكررت في ثلاثين سورة من سور القرآن إضافة إلى إفراده بسورة كاملة ، وتكرار اسمه اثنتين وستين مرة... وهذا يدلل على أهمية حياته في مسيرة الدعوة إلى الله باعتبارها منطلق لحركة التوحيد؛ ولهذا لابد أن ندرس حياته ضمن نقاط عدة:
1- طبيعة المجتمع الذي بعث فيه:
لقد بُعِثَ نوحٌ (ع) في مجتمع تفشى فيه الكفر, والظلم، والاستكبار بأبشع أشكاله، والفسق، والفجور، والطغيان، والعناد والإصرار على المآثم بأفضع ألوانه وبصور لا نظير لها فكانوا كما وصفهم الذكر الحكيم بأنهم أظلم وأطغى، يقول تعالى: ((وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى)) (النجم:52) من جميع البشر لإصرارهم على الكفر جيلا بعد جيل رغم مواصلة نوح (ع) لدعوتهم (ثلاثة قرون منهم كل قرن ثلاث مائة سنة يدعوهم سرا [وجهرا] فلا يزدادون إلا طغيانا، ولا يأتي منهم قرن إلا كان أعتى على الله من الذين قبلهم، وكان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه على رأس نوح فيقول: يا بني إن بقيت بعدي فلا تطيعن هذا المجنون)
كما أنهم بلغوا أحط دركات الفسق والفجور كما قال تعالى: ((وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)) (الذاريات:46) ونتيجة هذا الظلم والطغيان والفسق والفجور والاستكبار والاستعلاء والعناد والإصرار صار ديدنهم تكذيب الرسل ومخالفتهم ورفض دعوة الحق حتى صاروا المثل الأسوأ في حياة الأمم والشعوب في تكذيب الرسل، يقول تعالى: ((وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ)) (الحج:42) .
وقوله تعالى: ((كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)) (الشعراء:105)
وقوله تعالى: ((مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ)) (غافر:31) وهكذا طبع الله على قلوبهم بما كسبوا من السيئات، ومذام الأخلاق، ولهذا رغم طول مدة دعوة نوح (ع) المستمرة ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً فلم يؤمن منهم إلا ثلة قليلة رغم أنه لم يترك وسيلة للدعوة إلا مارسها،ولم يترك وقتا أو مكانا إلا دعاهم فيه بل يستفاد من سياق الآيات (كما جاء في بعض الروايات): أنه كان أحياناً يذهب إلى بيوتهم، أو أنه يدعوهم في الأزقة والأسواق على انفراد، ويبلغهم المفاهيم، ويتحدث إليهم بتودد وتحبب وتصبر، وأحيانا كان يخاطبهم بأوامر الله تعالى علنا وبصوت عال وذلك لاغتنامه فرص انعقاد المحافل، أو مجالس العزاء... ولكنه كان يقابل بالإهانة والاستهزاء, وأحيانا بالضرب المبرح، ولكنه مع ذلك كان لا يتوقف عن مواصلة الدعوة إلى الله .
كان صبره عجيباً وأعجب ما فيه رأفته، وهمته واستقامته الفريدة في طريق الدعوة إلى دين الحق...
والأعجب من ذلك هو أنه طوال عمره الشريف الذي دام (950) عاماً لم يؤمن به إلا ثمانون شخصاً، ولو قسمنا هذه المدة على عدد الأنفار يتضح لنا أن مدة هدايته لكل فرد دامت اثنتا عشرة سنة تقريباً) ولكن ما أعظم بركة هؤلاء المؤمنين الذين بهم استمرت حركة التوحيد إلى اليوم.
لقد بلغ قوم نوح حداً أنهم غير قابلي الإصلاح والهداية لإصرارهم على عبادة الأصنام حيث تولعت قلوبهم بها، وتعطلت عقولهم فلم يعودوا يسمعون كلمة الحق ولهذا أصروا واستكبروا وطغوا ((وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)) (نوح:23)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com