موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : دور العلاقات في مختلف المجالات
 
الثلاثاء - 9 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دور العلاقات في مختلف المجالات  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قلنا أنَّ الإنسان اجتماعي بطبعه, ولا يمكن أن يعيش سعيداً بمفرده, وبناءاً على هذه الحقيقة الفطرية نجد أنَّ دور العلاقات الإنسانية أساسي في كل مجالات حياته؛ ولهذا فنحن نستعرض أهمية العلاقات ودورها في بعض تلك المجالات.
أ- في جو الأسرة:
العائلة هي اللبنة الأولى والأساسية في بنية المجتمع، وهي مجتمع مصغر ومملكة قائمة بذاتها مرتبطة بغيرها، ولهذا اهتم الإسلام اهتماماً بالغ الأهمية في تكوينها, وضبطها, وتنظيمها, ووضع الأسس الكاملة لبنائها وفق منهجية قانونية مقننة، فأول تلك الأسس هو: الشرعية حيث جعل الارتباط والمصاهرة، والإفضاء بين العنصرين الأساسيين فيها وهما: (الأب والأم) يقوم على أساس شرعي يتعهد كل من الطرفين على الالتزام بعقد بينهما، وقد شدد القرآن الكريم على هذا العقد وأكده بأحكم الألفاظ الملزمة ((وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً))
و(هو ميثاق النكاح, باسم الله, وعلى سنة الله... ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ)
وعن الإمام الباقر (ع) في قوله تعالى: ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً)) قال: (الميثاق الكلمة التي عُقِدَ بها النكاح)
وهذا الميثاق يربط بين المرأة والرجل بإيجاب وقبول شريطة أن يكون بمحض اختيارهما من دون أي ضغط أو إكراه, فلا ينعقد الزواج, ولا تتحقق الشرعية بينهما إذا فقد عنصر الاختيار؛ لأنَّ الزواج (عملية تطابق إرادة الرجل مع إرادة المرأة) هذا الارتباط لا يقوم على أساس جنسي محض، وإنما يقوم على المودة، والرحمة، والتآلف، والسكن, واطمئنان أحدهما إلى الآخر, فالمرأة في الإسلام ليس متعة يتسلى بها الرجل, ولا سلعة يبتاعها؛ ليقضي وطراً منها، وإنما هي حالة سكن, واستقرار, وتوافق نفسي ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا))
إذن هذه الحالة لم تكن طارئة, ولا متكلفة, ولا مفروضة بعرف أو عادة أو تقليد، وإنما هي حالة فطرية مغروسة في أصل الخلقة، والتكوين البشري، وهي آية من آيات الله تعالى ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))
(فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقاً للآخر، ملبياً لحاجته الفطرية: نفسية، وعقلية، وجسدية، بحيث يجد عنده الراحة، والطمأنينة، والاستقرار, ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء والمودة والرحمة؛ لأنَّ تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد)
وهكذا رسمت العلاقة على أساس نفسي فطري بين الرجل والمرأة لتُخَرِّج الأجيال المستقيمة الناضجة للمجتمع.
وعلى هذا الأساس الفطري جعل الإسلام لكل من الزوج والزوجة حقوقاً وواجبات متبادلة بينهما ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ))
فعلاقة المرأة بالرجل ينبغي أن يسودها الإحسان والطيب في المعاملة، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في كل شيء إلا معصية الله، وأن لا تسخطه, ولا تكلفه ما لا يطيق, وأن لا تخرج من بيته إلا بإذنه, ولا تنفق من ماله إلا بأمره وأن تقدم له الخدمات تطوعاً... الخ، وعلى الرجل أن يتعامل معها باللطف، والإحسان، والرفق, وأن يتغاضى عن بعض هفواتها, وأن ينفق عليها بمقدار ما يسد حاجتها، وقد أوجز الإمام السجاد (ع) حقوق الزوجة بأخصر عبارة، فقال (ع): (وأما حق الزوجة، فأن تعلم أن الله عز وجل جعلها لك سكناً وأنساً، فتعلم أنَّ ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها, وترفق بها, وإن كان حقك عليها أوجب، فإنَّ لها عليك أن ترحمها؛ لأنها أسيرك، وتطعمها، وتكسوها، فإذا جهلت عفوت عنها)
وكما حدد الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة كذلك حدد العلاقة بين الأبوين وبين أبنائهما في جميع مراحل الحياة, وأوجب أن تُبنى على أساس العطف، والرحمة, والشفقة، والمودة, والاحترام، فجعل للوالدين على أولادهما حقوقاً، وكذلك جعل للأولاد حقوقاً على أبويهما، وعلى كل منهما واجبات.
فالعلاقة إضافة إلى الجانب الفطري تبنى على أساس الحقوق والواجبات المتبادلة. فحق الأولاد التربية الحسنة, والأعداد السليم, والنشأة الصحيحة، وحق الوالدين الطاعة, والاحترام, والخدمة، والإحسان، والمداراة.
يقول الإمام السجاد (ع): (وأما حق أبيك، فأن تعلم أنَّه أصلك, وأنَّه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك، فاعلم أنَّ أباك أصل النعمة عليك فيه, فاحمد الله، واشكره على قدر ذلك، ولا قوة إلا بالله)
وأما حقوق الأولاد فقد أكد الإسلام عليها تأكيداً بالغ الأهمية، فهم أمانة الله تعالى عند عباده, وحَمَّلَ الوالدين مسؤولية هذه الأمانة، فعليهم أن يقوهم من خطر الانحراف الذي يؤدي بهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ))
وهذه الوقاية تتحقق بالتعليم، والتربية، والتنشئة على الأخلاق الحسنة، واعْتَبَرَ إهمال ذلك جناية وخيانة، يقول الرسول الأكرم (ص): (أكرموا أولادكم، وأحسنوا آدابهم) وقال (ص): (حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة، والسباحة، والرمي)
وورد عنه (ص): (لاعِبْ ابنك سبعاً, وأدبه سبعاً, وصاحبه سبعاً, ثم أترك له الحبل على الغارب)
كما أكدت التعاليم التربوية في الإسلام على تكوين علاقة متوازنة بين الحزم واليسر، بعيدة عن التشدد والإسراف في الضغط الذي يفقد الولد ثقته بنفسه، ويكبله بقيود مقيتة لنفسه، يقول (ص) : (رحم الله والداً أعان ولده على بره)
(أعينوا أولادكم على بركم، من شاء استخرج العقوق من ولده)
(يلزم الآباء من العقوق لأولادهم ما يلزم الأولاد من العقوق لآبائهم)
وأدق عبارة في بيان حقوق الأولاد ما جاء في رسالة الحقوق، يقول (ع): (وأما حق ولدك، فأن تعلم أنَّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته من حُسْن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته, فاعمل في أمره عمل من يعلم أنَّه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه)
ومن الأمور الهامة في تقويم العلاقات الأسرية خصوصاً بين الأولاد أنفسهم هو التأكيد على العدالة بين الأولاد في المعاملة والمحبة, وإذا كان في القلب ميل لأحدهم أكثر من غيره فيجب أن لا يظهره؛ لأنَّ ذلك يوجب التحاسد والتباغض بينهما، (وهذه الظاهرة لها أسوأ النتائج في انحرافات الولد السلوكية والنفسية؛ لأنها تولد الحسد والكراهية, وتسبب الخوف، والحياء, والانطواء والبكاء. وتورث حب الاعتداء، والمشاجرة، والعصيان، وتؤدي إلى المخاوف الليلية، والإصابات العصبية، ومركبات الشعور بالنقص)
إذن على الأب والأم أن يعاملا أولادهما بصورة متساوية عادلة لا تثير حسداً ولا ضغينة بينهم.
وعن النبي (ص) نظر إلى رجل له ابنان فَقَبَّل أحدهما، وترك الآخر، فقال النبي (ص): (فهلا آسيت بينهما)
وورد عنه (ص): (ساووا بين أولادكم في العطية)
وفي رواية أخرى: (عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنَّ أباه أتى به رسول الله (ص) فقال: إنِّي نحلتُ ابني هذا - أي أعطيته- غلاماً كان لي. فقال رسول الله (ص): أكُلَّ وُلْدِك نحلْتَه مثل هذا؟ فقال: لا. فقال رسول الله (ص): فأرجعه)
وفي رواية أخرى قال رسول الله (ص): (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) فقال: (لا) فقال (ص): (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم)
كما ورد أيضاً: (اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف)
بعد هذا العرض السريع يتضح لنا أنَّ العائلة المسلمة يجب أن تسود بين أفرادها العلاقات المبنية على أساس المسؤولية, والتعاون, والتحابب, والمودة، والرحمة, والاحترام, والعدالة, والمساواة بما حدده الإسلام من الحقوق والواجبات, وهذه السمات هي أفضل ما يربط الإنسان بأخيه الإنسان، ويحقق السعادة بكل أبعادها، وإذا عم ذلك جو العائلة فإنَّها تكون مؤهلة لتلقي الفيض والرحمة الإلهية، وحينئذٍ تُخَرِّج النماذج الجيدة للمجتمع، وبذلك يكون البيت المسلم مدرسة تخرج الأسوياء ذوي الأخلاق العالية والسلوك المستقيم.
وما أشقى العائلة التي يسودها النشوز، والتنافر، والتناحر، والمماراة، والبغض، والاختلاف، وما أشد خطرها على المجتمع حيث أنها ستُخَرِّج العناصر المنحرفة أخلاقياً، وسلوكياً، وفكرياً.
ب- العلاقة الرحمية:
))وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ))
((وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ))
((وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم))
قال الراغب الأصفهاني: (الرَّحِم رَحِم المرأة، وامرأة رحوم تشتكى رَحِمَها. ومنه استعير الرَّحِم للقرابة لكونهم خارجين من رَحِم واحدة، يقال: رَحِمٌ ورُحْمٌ. قال تعالى: ((وَأَقْرَبَ رُحْماً)) )
وقال ابن الأثير: (ذو الرحم هم الأقارب, ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب)
إذن العلاقة الرحمية هي الرابطة النسبية التي تربط بين مجموعة من الناس ينتهون إلى رحم واحد، وهي رابطة متقدمة في عالم العلاقات بل أقوى الروابط الإنسانية وأمتنها, والإنسان مسؤول عنها أمام الله تعالى, ومحاسب عليها بشدة، ووصلها أمر صريح من أوامر الله لا تقبل التأويل والتهاون أبداً على كل حال؛ لأنَّ قطعها خلاف أمر الله، وهو أصدق مصاديق الفساد الاجتماعي والفردي ))فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ))
وندرك أهمية صلة الأرحام إذا تأملنا في الآيات المتقدمة فقد عطفت الأرحام على تقوى الله تعالى، والتقوى مرتبة عالية دونها كل مراتب الكمال الإنساني، ثم هي فريضة واجبة في كتاب الله تعالى, ومن هنا جاءت الأوامر الإلهية مغلظة ومشددة على وجوب رعاية هذا الأمر والمحافظة عليه، وفي خلاف ذلك ستحل اللعنة على قاطعه، ويطرد من رحمة الله الواسعة, ويقطع عنه الفيض الإلهي؛ لأنَّ أرضية نفسه تصبح غير قابلة لتلقيه، فهو أصم, وأعمى البصيرة، ومن كان كذلك فهو غير مؤهل لتلقي النور والرحمة الإلهية، ورد في الحديث الشريف: (أنه لما خَلَقَ الرَّحِمَ قال له: أنا الرحمن، وأنت الرَّحِمُ، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بَتَتُّهُ)
وعن أمير المؤمنين (ع) أنَّه قال: (إنَّ صلة الأرحام لمن موجبات الإسلام، وإنَّ الله سبحانه أمر بإكرامها، وإنَّه تعالى يصل من وصلها, ويقطع من قطعها، ويكرم من أكرمها) ؛ لأنَّها أكثر مساساً بالإنسان من غيرها بل هي نقطة الانطلاق لبناء علاقات أوسع دائرة، فمنها يتعلم الإنسان الحب وَيَرْسَخُ في نفسه, ومنها يعتاد التضامن، والمواساة, والمعروف, والإحسان، والمواصلة للآخرين، ويتجاوز بذلك ذاتيته، ويعيش للآخرين أكثر مما يعيش لنفسه.
وهي وصية الله ورسوله للمؤمنين إلى يوم القيامة، عن أبي جعفر (ع) قال: (قال رسول الله (ص): أوصي الشاهد من أمتي، والغائب منهم, ومن في أصلاب الرجال, وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم، وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإنَّ ذلك من الدين)
والتواصل بين الأرحام له فوائد جمة للفرد والمجتمع، أما للفرد فالقوة، والمعونة, والنصرة, كما وصف ذلك أمير المؤمنين (ع) في وصيته لولده الحسن (ع): (وأكرم عشيرتك، فإنَّهم جناحُك الذي به تطير، وأصلُك الذي إليه تصير، ويدُك التي بها تصول)
وأما على المجتمع, فإنَّ الذي يتربى في دائرة القربى على التواصل والتعاون، والتآخي، والتآزر, فإنَّ ذلك سيتجسد في سلوكه وأخلاقه في الدائرة الاجتماعية الأوسع، وبذلك يكون التواصل الرحمي مدرسة تخرج العناصر الاجتماعية الكريمة التي تحمل للإنسانية الخير والبركة, إذن صلة الرحم هي محطة انطلاق في التواصل الاجتماعي إلى دائرة أوسع وأكبر منها، وهذه الدائرة الأوسع لا تتحقق ما لم تتحقق الأولى؛ لأنَّ من يحسن الصلة بأرحامه يعرف كيف يحسنها مع الأبعد عنه.
ومن جانب آخر فقد أوضحت أحاديث أهل بيت العصمة نتائج صلة الرحم في الدنيا والآخرة، فمن نتائجها:
أنَّها تستدر النعم, وتزيدها, وتثمرها, وتحرسها, وأنَّها تدفع النقم, وتقي مصارع السوء, وتنسيء الآجال, وتسؤ العدو وتكبته، وتنمي العدد, وتعصم من الذنوب, وتحسن الخلق, وتوجب السؤدد، وتطيب النفس, وتعجل الخير، وتزكي الأعمال, وتعمر الديار, وتوجب رحمة الله وحبه وقربه؛ لأنَّ صلة الرحم امتثالٌ وطاعةٌ لأمر الله، فمن وصل رحمه وصله الله برحمته، وذلك هو الفوز العظيم، وأما في الآخرة, فإنها تُيَسِّر الحساب, وتَنْفُذُ بالإنسان على الصراط, وتهون العذاب.
وأما أسلوب العلاقة مع الأرحام فهو: الإكرام, والاحترام, والتغاضي عن الهفوات, والمداراة, والليونة, واليسر, والرحمة يقول أمير المؤمنين (ع): (أكرم ذوي رحمك, ووقر حليمهم, واحلم عن سفيههم, وتيسر لمعسرهم؛ فإنَّهم لك نِعمَ العُدَّة في الشدة والرخاء)
وخلاصة الكلام: إنَّ صلة الأرحام مع كونها عملاً عبادياً يقرب العبد إلى خالقه فهي النموذج الأسمى والأمثل في عالم العلاقات الاجتماعية؛ لأنَّها الطريق اللاحب إلى علاقات أوسع دائرة, وبدونها لا يمكن للإنسان أن يحسن العلاقة مع الآخرين، وهي من أسمى سمات الشخصية الاجتماعية, وقد عبرت عنها نصوص السنة الشريفة بأنَّها أفضل, وأجمل, وأحسن شيم الكرامة، وهي علامة من علامات المروءة بل أفضلها على الإطلاق, يقول أمير المؤمنين (ع) : (من أفضل الْمُرُوَّة صلة الرحم)
ج- علاقة الجوار:
لقد أولى الإسلام هذه العلاقة أهمية كبيرة, وأكَّد عليها تأكيداً بالغاً، واعتبرها من مستلزمات الإيمان، قال رسول الله (ص):
(أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمناً)
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره, ومن آذى جاره حَرَّمَ اللهُ عليه الجنة)
أياً كان هذا الجار قريباً, أو بعيداً, مسلماً, أو كافراً, غنياً, أو فقيراً؛ ولهذا ورد عنه (ص): (الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق, وجار له حقان, وجار له حق واحد, فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق: فالجار المسلم القريب, له حق الجوار، وحق القرابة, وحق الإسلام, والجار الذي له حقان: فهو الجار المسلم, فله حق الإسلام, وحق الجوار, والجار الذي له حق واحد: هو الكافر, له حق الجوار)
فهنا وُضِعَ حقُّ الجوار إلى جانب حق الإسلام، وهو مفهوم له دلالة عظيمة، فعلاقة الجوار إذن علاقة إيمانية وإنسانية تقوم على حفظ الكرامة, والإحسان، وحسن العشرة, والتعاون, وسد الحاجة وقضائها.
كما أوجب الإسلام على المؤمن أن يدفع الشبهة عن جاره, وأن ينظر في ظلامته, ويستر معايبه, ويظهر محاسنه, ويتغاضى عن هفواته الصغيرة, وأن يواسيه في أحزانه, ويشاركه في أفراحه، وقد أوجز الإمام السجاد (ع) ذلك، فقال:
(وأما حق جارك فحفظه غائباً, وإكرامه شاهداً, ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتبع له عورة، فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه, وإن علمت أنَّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه, ولا تسلِّمْه عند شديدة, وتقيلُ عثرته, وتغفرُ ذنبه، وتعاشرُه معاشرة كريمة, ولا قوة إلا بالله)
تلك هي العلاقة الرائعة التي أمر بها الإسلام بأوامر قطعية لا مسامحة فيها، ولا تهاون حتى أنزله منزلة الوارث، يقول رسول الله (ص): (ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِّثُه، فمن قصر في حقه عداوةً أو بخلاً فهو آثم)
وعن أمير المؤمنين (ع) قال: (إنَّ رسول الله (ص) كتب بين المهاجرين والأنصار, ومن لحق بهم من أهل يثرب أنَّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه)
وقد نفى الإسلامُ الإيمانَ والولايةَ عمن لا يهتم بجاره حين يشبع، ويجوع جاره، قال رسول الله (ص): (ما آمن بي من بات شبعاناً، وجاره المسلم جائع)
كما ورد عنه (ص): (لا يشبع الرجل دون جاره)
وقال (ص): (من آذى جاره فقد آذاني, ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن حارب جاره فقد حاربني, ومن حاربني فقد حارب الله)
فعلاقة الجوار إذن علاقة سلام, واطمئنان, وإيمان, وإعانة, ورعاية وتلطف, ومداراة, ومواساة, وتآزر, وحفظ الكرامة.
وهذا ما لم يكن له نظير في جميع المذاهب الاجتماعية القديمة والحديثة، ولا في الحضارات الإنسانية أجمع بهذه الصورة المشددة، صورة إلزام ديني مقدس لا تسامح فيها ولا تهاون.
ذلك هو دين الله في بناء العلاقات الاجتماعية، إنَّه منهج الحياة القويم.
وهذه الدوائر الثلاث دائرة الأسرة, والأرحام, والجيران من أهم الدوائر الاجتماعية، ومنها تنطلق سلامة العلاقات الأخرى, فإنَّ من كانت علاقته حسنة مع أهله, وأقربائه, وجيرانه، فإنَّ هذا سيكون طبعاً، وعادةً، وسلوكاً عند الفرد، وسينعكس على الدوائر الأخرى؛ ولذا جاء كل هذا التأكيد على هذه الدوائر الثلاث.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com