موقع الصراط ... الموضوع : برامج مقترحة لتوسيع دائرة العلاقات
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  برامج مقترحة لتوسيع دائرة العلاقات  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
لدينا في هذا البحث أربع مرتكزات أساسية هي:
رجال العلاقات،وجهازها، ومادة العلاقات، وجمهور الأمة وقد تحدثنا عن رجال العلاقات وجهازها،والآن نطرح بعض المقترحات لإعداد رجال العلاقات والمبلغين، ولتوسيع دائرة العلاقات وبيان بعض وسائل الجذب؛ لتشمل مختلف القطاعات الشعبية والامتداد إلى أعماق الجمهور، ومن تلك الخطوات:
أ- فتح معاهد للتبليغ والإرشاد: تضم عناصر مؤمنة من مختلف طبقات الأمة. تشمل طالب العلوم الدينية، وطالب الجامعة، وطلاب المدارس المختلفة كما تضم الطبيب، والمهندس والضابط، والمدرس، والعامل، والموظف...الخ وفي هذا المعهد يربى المبلغون كرجال علاقات تربية رسالية مركزة، ويزودون بالفكر الإسلامي، وبالتجارب الاجتماعية العلمية، وعلم النفس والاجتماع.
وغرض التنوع هنا إيجاد مرشد وهادٍ في كل قطاع تعليمي، أو صناعي، أو تجاري، أو عسكري، أو إداري يعمل معهم. يعايشهم معايشة فعلية، وبذلك يتسنى له معرفتهم عن قرب، ويهتدي إلى الدخول في قلوبهم من أسلم الطرق ويكون لهم علاقة مع العلماء العاملين، ويعكس لهم أخلاق الإسلام بصورة عملية، ويفيض عليهم من أنوار العلم والمعرفة. وهكذا نوجد في كل قطاع داعية ومرشداً، ورجل علاقات يتحرك في مجال عمله بالطريقة المناسبة على المستويين الفردي والاجتماعي. وبذلك نزيل الحواجز النفسية بين الأمة وبين العلماء، ونمحو من الأذهان التصورات العكسية التي انعكست عند كثير من الناس نتيجة سوء تصرف بعض من تزيّا بزي العلماء، واتخذ من العلم وسيلة يرتزق بها.
كما أن هذا المشروع سيجعل مجال الامتداد الرسالي أوسع دائرة، ويدخل الهداة والمرشدين إلى كل زاوية من زوايا المجتمع والتي يصعب على طلاب العلوم الدينية الوصول إليها في كثير من الأحيان، وبذلك لا تحصر العلاقة الإسلامية في المساجد فقط. وإنما ستدخل المعسكر، والمعمل، والمدرسة والجامعة، والدائرة الحكومية...الخ.
ومن الخطأ الفاحش أن نحصر العلوم الدينة، والهداية، والإرشاد بصنف خاص من الناس له صفة مميزة، فليس في الإسلام تمايز بين البشر على أساس صنفي، أو طبقي، أو عرقي. وإنما التمايز في الإسلام فقط على أساس التقوى والعلم، والجهاد. والمفروض لكل مسلم أن يعمل على تحصيل ملكة التقوى وأن يطلب العلم للعمل، وأن يجاهد في سبيل الله ما استطاع إليه سبيلاً وليس في الإسلام كهنوت أو ترهب بل صرح الرسول الأعظم (ص) أن كل مسلم مسؤول عن دينه وعن عمله (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). كما أن القرآن صريح بعموم المسؤولية على الجميع بقوله تعالى:
((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) (الحجر:92-93)
((فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)) (الزخرف:43-44)
إذن المسؤولية عامة وشاملة لكل مسلم ومسلمة بلا استثناء، ولكن مقدار المسؤولية بمقدار الوعي والإدراك والقدرة، وهذا ما جرت عليه سيرة الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع)، وجميع السلف الصالح، والقاعدة تقتضي أنه ليس في الإسلام رجال دين، ورجال دنيا، ولكن قد يوجد متخصص في العلوم الدينية ومتفرغ لطلبها، ولا شك أن مسؤولياته أكثر من الآخرين؛ ولأن الإسلام دين يعم نظامه جميع جوانب الحياة؛ ليمهد الطريق إلى الآخرة.
ب- إيجاد جهاز تبليغي مركزي لكل منطقة يرتبط بالإدارة العليا: ويكون تحت إشراف علماء تلك المنطقة، ويدار من قبل شخصيات ذوي خبرة بالعمل الاجتماعي. وعلى هذا الجهاز أن يقوم بدراسة المنطقة من جميع جوانبها الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والتركيبة السكانية فيها، ويوجه العاملين حيثما يؤثرون فيه، فالمدرس في مدرسته، والطالب في جامعته، والجندي في معسكره والتاجر في سوقه، والعامل في معمله ،ويتفرع عن هذا الجهاز لجان متابعة وتقويم لحركة العاملين في مجال عملهم، وفي الأوساط الجماهيرية. ومن جملة أعمال هذا الجهاز فتح دورات للخطباء لإعدادهم إعداداً رسالياً مركزاً من الناحية العلمية والفنية والروحية، وإدامة الإتصال بهم بصورة مستمرة. وملاحظة قوة تأثير كل منهم، ومدى نجاحه وفشله، ورسم خط عام موحد لحركتهم وطرحهم المبدئي، والمفاهيمي لخلق تيار جماهيري موحد. وهذا ما تبناه المرحوم المجتهد المجدد المصلح الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره في النجف الأشرف حينما فتح منتدى النشر (والذي كان أول من أوجد فكرة وجوب فتح صفوف لخطباء المنابر الحسينية؛ ليحولوا بين هؤلاء الذي يرقون المنابر باسم الحسين فيسئون إلى الدين بما كانوا يروون من أحاديث وأخبار كاذبة) وقد خرج هذا المعهد عظماء الخطباء كالشيخ الوائلي، والسيد جواد شبر وغيرهما.
جـ- الاهتمام بالتنظيم المهني: على شكل نقابات، أو اتحادات تجمع بين المنتسبين إلى الصنف الواحد، وتشكل علاقات مهنية توحد اتجاههم وحركتهم وتتبادل بينهم الخيرات العلمية والعملية، وبذلك تتوسع الدائرة العملية في كل صنف. وهذا له دور فعال في تنمية الثورة القومية للبلد، وتتصاعد الحركة الثقافية من خلال المشاريع والدورات العلمية والثقافية وهذه تجربة ناجحة في كثير من المجالات العلمية والفكرية. ويزود الكثير منهم بالفكر الإسلامي والوعي الحركي؛ ليكونوا علاقات رسالية سواء في كل صنف على حده أو مع الأصناف الأخرى. وأهم المنظمات المهنية هي اتحاد الطلاب، والمهندسين، والأطباء والعمال...الخ.
د- تشكيل فرق رياضية مختلفة: حسب أنواع الرياضة المتعارفة اليوم وإدخال عناصر شابة مؤمنة في هذه الفرق؛ ليكونوا أداة جذب، وشد لهم بالإسلام، وتوعيتهم من خلال لقاءات خاصة. والرياضة وسيلة محببة لدى الشباب ويمكن استثمارها لبناء علاقات إيمانية وجعلها وسيلة للتوصل إلى أهداف إيمانية عالية. ولكن مما يؤسف له أن الأوساط العالمية رغم اهتمامها الواسع بها إلا إنها جعلتها وسيلة سياسية تخفي وراءها أهدافاً دولية غير سليمة ولذا ينبغي للمؤمنين أن يتنبهوا إلى ذلك، ويستوعبوا الشباب من خلالها، وقد حصلت تجارب ناجحة قام بها بعض المؤمنين في العراق أدت دوراً مهماً في جذب وتوعية كثير من الشباب ووضعهم على جادة الصواب.
هـ- إنشاء مخيمات لطلبة المدارس في العطل الصيفية: ووضع برامج توعية عامة تشمل الجوانب الأخلاقية، والفكرية، والبدنية، من خلال محاضرات ودروس تَوْعَويّة وتدريبات رياضية (كالجودا) و (الكراتية) والسباحة، والرماية وسياقة السيارات، والدراجات، وغيرهما. وبذلك تشغل أوقات فراغ الشباب وتنمي فيهم روح الأخوة، والتعاون، والطاعة، وتحمل المسؤولية، وتقوية العلاقات الاجتماعية الفاعلة، وتنمية روح الإبداع والابتكار، وتشجيع المبادرات الفردية ؛ لتصعيد قابليتهم نحو الإصلاح والتنمية الفكرية، والأخلاقية، والروحية.
و- إنشاء فرق تمثيلية: مما لاشك فيه أن للمسرح دور مهم في التغير الاجتماعي فعلى المسرح يمكن طرح المفاهيم الرسالية، ومعالجة المشاكل الاجتماعية، ونقد الظواهر الشاذة ، وهي وسيلة ناجحة في تقوية أواصر الأخوة والتعارف من خلال اللقاءات العامة، وقد أصبحت هذه الوسيلة اليوم من الوسائل المهمة، واستغلت استغلالاً فضيعاً في إفساد المجتمع من خلال الأفلام الخليعة والمسرحيات الداعرة، فحري بنا أن نستغلها وسيلة للإصلاح كما استغلت عند أعدائنا للإفساد، واذكر تجربة حية قام بها المؤمنون في بغداد، حيث كانت الأعراس في أحد المناطق تقام فيها مجالس الطرب والغناء، ويتحلل فيها كثير من الناس من التزاماتهم الأخلاقية، وفكر المؤمنون في مواجهة هذا التيار تفكيراً ايجابياً، وذلك بطرح البديل المناسب، وتفتق ذهن أحدهم بإقامة مسرحية بمناسبة زواج أحد المؤمنين تتضمن لحظات ترفيهية، وطرح مفاهيم أخلاقية سبقتها محاضرة لأحد العلماء، وبذلك استطاعوا أن يطرحوا البديل المناسب ويغيروا مجرى العادات الفاسدة التي اعتاد الناس عليها، وأصبح ذلك البديل هو المحبذ والمطلوب عند الجميع.
ز- تكوين جمعيات خيرية عامة تتبنى قضاء حوائج الناس، وحل مشاكلهم: الاقتصادية والاجتماعية، وتتحمل روح المسؤولية؛ لتبليغ الناس رسالة الله بشكل عملي فعلي منبثق من روح إسلامية فياضة بالحرص على إصلاح المجتمع ومعالجة أمراضه. وهي إضافة إلى حل مشاكل الناس فهي وسيلة عبادية يتقرب بها العبد إلى الله تعالى (فعن المفضل، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال لي: يا مفضل اسمع ما أقول لك، واعلم إنه الحق، وافعله وأخبر به عِلّيَة إخوانك قلت: جعلت فداك وما عِلّيةَ إخواني؟
قال: الراغبون في قضاء حوائج إخوانهم، قال: ثم قال: ومن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله عز وجلّ له يوم القيامة مائة ألف حاجة من ذلك أولها الجنة ومن ذلك أن يدخل قرابته وإخوانه الجنة بعد أن لا يكونوا نصاباً، وكان المفضل إذا سأل الحاجة أخاً من إخوانه قال له: أما تشتهي أن تكون من علِّيَة الأخوان)
وعن علي بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن (ع) يقول: (من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فإنما هي رحمة من الله تبارك وتعالى ساقها إليه، فإن قبل ذلك فقد وصله بولايتنا، وهو موصول بولاية الله ، وإن رده عن حاجته ،وهو يقدر على قضائها سلط الله عليه شجاعاً من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة، مغفورٌ له أو معذباً، فإن عذره الطالب كان أسوء حالاً)
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ومن هذين الحديثين نفهم أن قضاء حوائج المؤمنين من أفضل الأعمال؛ ولذا ينبغي أن لا يفوت المؤمنين ذلك الخير الوفير.
ح- تأسيس المكتبات العامة: سواء كانت صغيرة أو كبيرة في المساجد والمدارس في المدن والقرى والأرياف؛ لنشر الثقافة الإسلامية بصورة عامة ومراعاة المستوى الثقافي لكل منطقة كي تكون المكتبة المناسبة للمستوى العام واختيار الكتب الأكثر فائدة لكل المستويات، وهذا يقتضي التنويع فيها والمكتبات إضافة لنشر الثقافة فهي مكان للتجمع، وبناء العلاقات الاجتماعية والفكرية. وفيها يتم التلاقح الفكري بين الرواد.
أقول: كل هذه الوسائل التي ذكرناها وسائل سليمة يمكن الاستفادة منها في بناء العلاقات الاجتماعية، وتوسيع دائرة التعارف والتعاون وترسيخ أواصر المودة، وحل المشاكل العامة والخاصة، ومعلوم لكل ذي عينين أن أعداء الإسلام سواء كانوا من حكام الجور، أو من ذيولهم أو من المبشرين المسيحيين والماسونيين، والأحزاب العلمانية قد استفادوا فائدة كبيرة في نشر أفكارهم وتحقيق مطامعهم ، وبهذه الوسائل استطاعوا أن يستحوذوا على شريحة واسعة من شبابنا حتى أفسدوا أذهانهم، وحرفوا سلوكهم، ونحن في غفلة من هذا حصرونا في المساجد والحسينيات، واقتصرنا على شريحة قليلة من المجتمع وكثير من الأساليب المتبعة في الأوساط الإسلامية أصبحت متخلفة لا تساير تطور الزمن؛ ولذا تصور البعض ممن يمارس عملية التبليغ والوعظ بالطرق المتخلفة عندما لا يلاقوا قبولاً من الشباب بأن الشباب المتعلم أصبح عدو الدين ولا ينفع معه شيء والحقيقة أن (الشباب ليس عدواً للدين بل هو عدو الأساليب المتخلفة التي يمارسها البعض باسم الدين، وليس عدواً للحقيقة، بل هو عدو الحواجز التي تحاول أن تقدم له الحقيقة في ألف حجاب وحجاب)
نعم لم ينتبه الكثيرون إلى أن وسائل الدعوة والجذب كثيرة وميدانها واسع ووسائلها متعددة، وهي متطورة بصورة دائمة، ولكل زمان وسائله وأساليبه وديننا الحنيف من المرونة والسعة بحيث لا تضيق به وسيلة من تلك الوسائل، ولا أظن عاقلاً عارفاً بدينه فضلاً عن إنسان متفقه بدينه متحسس بمسؤولياته يعارض أحد هذه الوسائل إذا وجهت التوجيه الصحيح، واستثمرت الاستثمار السليم للهداية والإرشاد، وإصلاح المجتمع وتغيره نحو الأسلم.
ثم لماذا يستغل أعداء الإسلام هذه السبل؛ لترويج أباطيلهم، ونشر ضلالاتهم، ونتغافل عنها ونهملها، وليس فيها ما يتنافى مع أحكام ديننا، بل قد ينجر البعض ممن يجهل أساليب العمل إلى محاربتها ورمي من يتبناها بالانحراف والشذوذ، ورغم ذلك يريدون من الشباب أن يستجيبوا لمبادئ الإسلام وأحكامه بمجرد أن يدعوه إلى الصوم والصلاة ، وعدالة الإسلام وعمقه الفكري، وضمانه لسعادة الإنسان في الآخرة. وما أعده الله للمؤمنين من الرحمة الواسعة ويتغافلون عن الرواسب الفكرية والاجتماعية، والعوائق في طريق الهداية التي يضعها أعداء الإسلام في طريق الناس؛ لصدهم عن الإيمان كل هذا يدعونا أن نعيد النظر في أساليبنا العملية في دعوة الناس إلى الله.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com