موقع الصراط ... الموضوع : الإصلاح الديني الثغرات، الإخفاقات، الإشكالات-4
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإصلاح الديني الثغرات، الإخفاقات، الإشكالات-4  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  11ـ إصلاح الدين أم إصلاح الإنسان؟
ثمّة سؤال مهمّ جداً يتعلّق بقضايا الإنسان والدين عامّة، وهو: من الذي يفترض الاشتغال عليه أولاً: الدين أم الإنسان؟ ما هو الحقل الأوّل للإصلاح: الإنسان ثم الدين أم الفهم الديني ثم الإنسان؟ بمعنى من أين نبدأ مشوار التجديد: من الداخل، من تحليل النصوص وطريقة التعامل معها؛ لنغيّر عبر ذلك حياتنا وتتجدّد وتتقدّم، أم من الخارج، بما يصلح وعينا العام وثقافتنا، ويطوّر أجهزتنا المعرفية، ويحسّن مستوياتنا العلمية، ثمّ بعد إصلاح ذواتنا نأتي لقراءة الدين ونصوصه، الأمر الذي يسمح بولادة فهوم سليمة وصالحة ومتطوّرة تلقائيّاً؟
هناك تاريخ زمني للإنسان ـ الفرد أو الجماعة ـ لا تحصل فيه قفزات نوعية وتحوّلات كبرى تعيد تكوين الاجتماع الإنساني، ولا تحدث زحزحة في القواعد الرئيسة التي يقوم عليها هذا الاجتماع. إنّه شيءٌ ما يشبه حالة الركود حتى لا ترى الحركة الموجودة داخله تحوّلاً، إنّها كحركة الطحن أو ناعورة الماء التي تدور دون أن تتقدّم، حركة تعود إلى نقطة البداية لتسير منها مجدَّداً إلى النهاية، بل البدايات هناك هي النهايات عينها، ليس هناك فرق، والناتج عن هذه الحركة طحن وتذويب وتفتيت لكل قوى الإبداع والانطلاق.
ليس هناك سكون في الحياة الإنسانية، لكن هنا تصبح الحركة نفسها شكلاً من أشكال السكون، ولا يشعر الإنسان أنّه بحاجة إلى تغيير وضع أو تطوير حالة؛ لأنّ شعوره بالحركة يسكره دون أن ينتبه إلى أنّ حركته دائرية لا تقدّم فيها، حتى لو كانت الدائرة أفضل الأشكال الهندسية عند قدماء الفلاسفة. إنّه الوهم الضار هذه المرّة الذي يوحي للإنسان أنّه يفعل شيئاً ما، لكنّه لا يفعل في الحقيقة ـ بهذا الحساب ـ أيّ شيء.
في هذا النوع من ركود الحياة وسكونيّتها ـ كما حصل في عصور الظلام الأوروبية وقرون الانحطاط الإسلامية ـ لا يمكن الشعور بالحاجة إلى الإصلاح. وليس من تحقّق له سوى بالخروج من هذا الوضع، ومن هذا المناخ الفكريّ والسياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والاقتصاديّ و... فلن يتمكّن الإنسان من الإحساس بضرورته مادام داخل هذا المربّع المقفل، أو كما يسمى: السياج الدوغمائي المغلق؛ إذ ـ كما قلت ـ سيظنّ نفسه متحرّكاً. ولن يقدر على رؤية سكون حركته ـ إن صحّ التعبير ـ سوى بالنظر إلى هذه الحركة وهذا التموضع من الأعلى. هناك سيعرف أنّه يدور في حلقة مفرغة، حلقة الانتقال من سلطان مستبدّ إلى آخر مثله أكثر استبداداً، وحلقة انتقال من المتن إلى الحاشية إلى شرح الحاشية إلى التلخيص، ومن ثم شروح التلخيص إلى تعليقة الشرح أو حاشية التعليق..، وحلقة الانتقال من زراعة الحمضيات إلى زراعة الأرز و..
هنا، وقبل أن نسأل في مناخ من هذا النوع عن ضرورة الإصلاح والتجديد في الفكر الديني، وقبل أن نقنع أحداً بمسوّغات الحركة التجديدية..، من الأفضل أن نخرج هؤلاء من حياتهم الراكدة الكاسدة هذه إلى حياة أخرى، يقدرون من خلالها ـ ولو للحظات ـ على رؤية حياتهم الأولى..، وكما قال الغزالي(505هـ) من قبل، ومعه علماء الأخلاق الإسلاميون: لن يقدر على فهم لذة العرفان واللقاء بالله تعالى إلاّ مَنْ تسامى ليرى تفاهة لذّة السلطة والمال و..، تماماً كالطفل الصغير لن يعرف لذة السلطة والمال والجنس و.. إلا بخروجه عن حدّ الطفولة، ودخوله عالم المراهقة والشباب والنضج، هناك سيدرك أنّ كلّ تلك المعارك القاسية التي كان يخوضها في لعبه ولهوه مع أصدقائه لم تكن سوى حفنة من تفاهات وسخافات كان يظنّها شيئاً ما، ولم تكن بشيء.
من هنا، نعتقد أنّ الحياة الراكدة ـ وهي حياة قد تكون مجتمعيةً، وقد تعيشها شريحة واحدة في المجتمعات، وقد يعيشها أفراد ـ لا يمكن إصلاحها بالإقناع الفكري والثقافي المباشر، بل بالخطوات العملية التي تضع هؤلاء الناس في واقع آخر. وقد أتعب بعض الإصلاحيين والتجديديّين المستنيرين في عالمنا العربي والإسلامي أنفسهم في إقناع المسلمين بضرورة الإصلاح والتجديد، ولم ينتبهوا إلى أنّ العقل الذي يتلقى خطابهم هو عقل زراعيّ ـ مثلاً ـ فيما خطابهم وليد حياة صناعيّة، وأنّ هذا العقل لن يتمكّن ـ بجدّ وحقيقة ـ أن يعي معنى هذا الخطاب الجديد إلاّ بأن يصبح صناعيّاً بنفسه، وإلا فلن يفهم الإصلاح إلاّ أولئك الأفراد ـ وليس الجماعات والشعوب ـ الذين امتازوا ففهموا. وإذا ظلّت مشاريع الإصلاح والتجديد تعيش مع الأفراد والنخب فلن يكتب لها النجاح؛ لأنّ نخبنا في كثير من الأحيان نخب مخمليّة، تجيد لعن المجتمع والتطهُّر منه، ويكثر في مُعْجَمِها نقد الآخر، بدل نقد الذات، فكيف سيسير المجتمع معها حينئذٍ؟!
وعلى هذا الأساس نحن بحاجة إلى خطاب إصلاحيّ تجديديّ يتزامن مع العصر الذي يعيشه العقل المسلم اليوم. وعندما أقول: العقل المسلم اليوم فأنا أحدّد زمنه الطبيعي المادّيّ، ولا أحدّد زمنه المناخيّ والثقافيّ والمعرفيّ. وهنا مكمن الخطر: أن أقدّم خطاب الغرب اليوم للمسلمين مع فارق زمنيّ أساس بين العقلين: الغربي؛ والإسلامي. فخطاب ما بعد الحداثة في الغرب لن يتمّ هضمه ببساطة في مجتمعات عربيّة لم تدخل إلى الآن الحداثة نفسها... حرقٌ للمراحل أدّى إلى حرق مشاريع الإصلاح، ومن ثم إلى اضطرارنا اليوم ـ بعد أكثر من قرن ونصف على حسن العطار ورفاعة الطهطاوي والأفغانيّ وعبده ومحسن الأمين ـ لتبرير شرعية الإصلاح والتجديد، بعد فشل أكثر من مشروع في الأمّة. إنّ مشكلة الكثير من مفكّرينا ومثقَّفينا أنّهم انتقدوا مخاطبة المؤسّسة الدينيّة التقليديّة لأمم قد ماتت، كما يعبّر السيد الصدر، لكنّهم وقعوا داخل مجتمعاتهم أحياناً في مخاطبة أمم لم تولد بعد.
في هذا السياق لا نجد أنّ مشروع الإصلاح ينطلق من الثقافة الدينية وحدها. وبعض أولئك الذين أطلقوا خطاب تجديد الفكر الديني ليرَوْا فيه حلاًّ وحيداً لمعضلات عالمنا الإسلامي فكّروا هذه المرّة بطريقة قديمة وملغومة معاً؛ قديمة لأنّهم ما زالوا ينظرون إلى الفكر الديني في موقعه الذي كان يحتلّه في القرون الهجريّة الأولى؛ وملغومة لأنهم يقرّون بأن السبب الوحيد لتراجع حالنا اليوم هو الفكر الدينيّ، متناسين أنّ الذين تركوا الفكر الدينيّ من التيارات الأخرى لم يقدّموا هم أيضاً شيئاً يتباهون به على التيارات الإسلاميّة، ولو أنّهم فكّروا في عصرنا الحاضر لعرفوا أنّ إصلاح الفكر الدينيّ ليس سوى ضلع من أضلاع خارطة الإصلاح في الأمّة، بل في الفكر الدينيّ نفسه. فطريقة التجديد الداخل ـ دينيّة شكل من أشكال التجديد، لا يكفي لوحده للنهوض بالأمّة اليوم، وإنّما لابدّ في عصرنا الراهن من التجديد الخارج ـ دينيّ أيضاً، أي تجديد أجهزتنا ومنظوماتنا المعرفيّة الأخرى وأوضاعنا السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة والتنمويّة والعلميّة والجامعيّة وغيرها. فليس من الضروري أن تعالج أمراض الجلد منه، بل قد تعالج من مكان آخر، كالمعدة.
إذاً هناك علاقة جدليّة بين الإصلاح الدينيّ والإصلاح الإنسانيّ؛ حيث يؤثِّر كلٌّ منهما في الآخر، ويسبق كلٌّ منهما الآخر ويلحقه. وهنا حصل وهم التجديد، عندما أوقعنا القطيعة بين هذين المسارين، وكأنّ إصلاح الفقه أو الكلام كفيلٌ لوحده بإصلاح حالنا!

12ـ الإصلاح بين الداخل ـ ديني والخارج ـ ديني:
تعتمد بعض الاتجاهات الإصلاحيّة على الإصلاح الداخل ـ دينيّ، فيما تذهب جماعة أخرى إلى الإصلاح الخارج ـ دينيّ. ونقصد بهذا التصنيف أنّ الإصلاح هل يجب أن يكون من خلال النصوص والمنظومات الدينيّة نفسها أم لابدّ أن يسبقه إصلاح آخر في المنظومات العقليّة التي يقوم عليها فهم الدين؟
أشرنا قبل قليل إلى ضرورة الإصلاح الخارج ـ دينيّ، لكنّ ما نريد التأكيد عليه هنا هو أنّ إحدى نقاط الانطلاق يفترض أن تكون من الوعي الفلسفيّ السابق على الدين، بما يستوعبه من فرعي: فلسفة المعرفة (الإيبستمولوجيا)؛ وفلسفة الوجود (أنطولوجيا). وأخصّ بالذكر هنا فلسفة المعرفة، سواء في ذلك دراسة المعرفة بوصفها دراسةً للأوّليات أم للمعارف الثانوية، وهذا ما يفتح على قضيّة المنهج، وأهمية الاشتغال على موضوع نقد العقل، وهو أمر أغفلته الكثير من حركات الإصلاح في الأمّة، اعتماداً على عنصر الإحياء. فنحن نعرف أنّ بعض الإصلاحيين في الأمّة اعتقد بأنّ صلاح حال هذه الأمّة يكون بإحياء المفاهيم الغائبة والفرائض المستبعدة، مثل: الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك، ولم ينظر إلى إشكاليّة سوء فهمنا لهذه الفرائض، الأمر الذي يستدعي إصلاحاً في الفهم قبل الشروع في إحياء هذه الفرائض، حتى لا نقوم بإحياء فرائض ذات صور مفهوميّة وتاريخيّة قد تخرّب حال الأمّة، بدل أن تصلحه.
من هنا يكون الإصلاح المعرفيّ الفلسفيّ أسبق على المستوى العلميّ من الإصلاح الفلسفيّ الوجوديّ. وكذلك إصلاح فلسفة الوجود وعلم الكلام أسبق من إصلاح الفقه وعلوم الشريعة. وإصلاح أصول الاجتهاد أسبق من إصلاح بعض الاجتهادات والفتاوى هنا وهناك... إنّ هذا الترتيب مهمّ جدّاً، دون أن يلغي صحّة ألوان الإصلاح كلّها. وقد تعرّضت في مناسبات أخر لهذا الموضوع فلا أطيل.
لكنّ ما أريد الإشارة إليه هو أنّ العقل الفلسفيّ الإسلاميّ، الذي يفترض أن يكون سابقاً على العقل الدينيّ، بما يمثِّل من منظومات تشريعيّة أو ملّيّة أو مذهبيّة أو غير ذلك، قد أدخل هو نفسه في مناخنا غير الصحّيّ في إطار انتماءات مغلوطة وغير صحيحة. فعندما تكون الفلسفة أمّ العلوم وأباها فهذا معناه أنّها سابقة على المعطيات الدينيّة التفصيليّة لأهل الأديان والملل والمذاهب. ومن الطبيعي في حال كهذه أن يكون العقل الفلسفيّ هذا ببُعدَيْه الوجوديّ والمعرفيّ عقلاً متعالياً على مثل هذه الانتماءات في مسيرة بحثه وتحليله، دون أن نلزمه بالوصول إلى عكسها في المرحلة اللاحقة، التي تعبّر عن مرحلة النتائج والآراء. وفي حال من هذا النوع عندما يتمّ دَيْنَنَة الفلسفة وأسلمتها ومذهبتها فهذا يعني ليّاً لعنقها، وتطويعاً لعقلها وإخضاعاً، وليس توفيقاً بين العقل والنصّ. فليس التوفيق المذكور بمجرّد أن نخرج بنتائج تتوافق فيها الشريعة مع الحقيقة ومع الطريقة ولو على حساب سلامة المنهج، فهذا الأمر قد فعله المعتزلة من قبل وفقاً لنظريّاتهم في المجاز والتأويل، وليس بالمفخرة للفلسفة الصدرائيّة، وإنّما المهم أن تكون عملية التوفيق هذه عفويّة واستدعاءً تلقائياً، دون فرض على العقل الفلسفيّ، أو تطويع لدلالات النصوص الدينية، أو توجيه في اللاوعي لشهود الباطن عند العارف والصوفيّ. هنا يكون التوفيق منسجماً مع حجم الشعار الذي أطلقته بعض المدارس الفلسفيّة المتأخِّرة، وصار بمثابة الحقيقة القطعيّة، التي قد يشكّك فيها على مستوى قدرتها على المقاربة بين النصّ والعقل من خلال المحافظة على هويّتهما وكينونتهما معاً.
إنّ الإنجاز الصدرائيّ الذي تعتمده بعض حركات الإصلاح في مجتمعاتنا اليوم كان كبيراً جدّاً، يستحقّ الدرس والتقدير، وكان تغييبه لأسباب قوميّة أو مذهبيّة ظلماً كبيراً، لكنّه ما زال بحاجة ماسّة إلى الاختبار المنهجيّ الذي أشرنا إليه، من حيث قدرته على الحفاظ على هويّة النصوص ودلالاتها في أفقها القائم لها. ولهذا فلدينا تحفّظ على غير طريقة من طرق فهم النصوص من قبل بعض رجالات هذه المدرسة. ونميل إلى خيار تبنّي مصالحة تجعل الثلاثة ـ أي العقل والنصّ والقلب ـ متحرِّرة من بعضها في مرحلة ذاتها وعملها، وقادرة في المرحلة اللاحقة على التوفيق الذي يحافظ عليها وعلى استقلالها، بحيث لا يتمّ تمزيق دلالات النصوص بحجّة المعاني الباطنيّة وجهاز الترميز الذي يقال بأنّ القرآن الكريم ـ مثلاً ـ قد بُني عليه، كما لا يتمّ إسقاط الدلالات اللغوية بحجّة أنّ هذه النسخة القرآنية التي بين أيدينا هي الشكل الأدنى لتجلّي العلم الإلهيّ، ومن ثم فينبغي الذهاب خلف نسخة أرفع قيمةً يمكن أن نطلّ عليها في عالم المثال أو في عالم أرقى منه، وهو عالم العقل. إنّ هذه الطرق حتى لو كانت صحيحة في حدّ ذاتها لا تحقّق مفهوم المصالحة؛ لأنّ المصالحة تعني بقاء كلّ طرف في مستوى ذاته، لا تلاشيه أمام الآخر. فهذه مصارعة وصرع، وليست مصالحةً وصلحاً.
وأخيراً، كنتُ أودّ من خلال هذه الملاحظات النقديّة المتواضعة على بعض الرؤى الإصلاحيّة أن نساهم في نقد الذات نقداً هادئاً وموضوعيّاً، ولا نريد جلدها بقدر ما نريد ترشيد وعينا الإصلاحيّ، الذي نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للمزيد فيه، وفي طريقه سبحانه، إنّه وليٌّ قدير.
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24).
المصدر: مجلة نصوص معاصرة العدد 22.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com