موقع الصراط ... الموضوع : الزهد-4
 
الأحد - 14 / ذي القعدة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الزهد-4  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  في رحاب الزاهدين :
ليس من السهل على نفس الإنسان أن تزهد في الدنيا مع حبه للبقاء فيها وتعلقه بزخارفها، وتطلعه إلى المزيد منها، وقد عَرَّفَنا أهل بيت العصمة والطهارة (ع) أن ابن آدم يشيب وتشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل، وهو أدق تعبير عن مدى التصاق الإنسان بتراب الأرض، وحب البقاء، وقد عبَّر القرآن عن هذا الطموح الدنيوي بقوله تعالى: ((أَيَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة)) (البقرة:96) تلك هي الحقيقة الأدق لمدى عمق حب الدنيا في نفس الإنسان، فكيف يستطيع أن يرتفع عن هذا التراب، ويصعد إلى نور السماء؟ ولهذا لابدّ من عوامل مساعدة على ذلك، ولعل من أكثرها تأثيراً في النفس هو التأمل في حياة الأنبياء والأئمة الأطهار وأولياء الله وعباده الصالحين، ومحاولة التأسي بهم والسير على نهجهم، فإن النفس الإنسانية في الأعم الأغلب تنقاد للنفوس القدسية إذا آمنت بقدسيتها وتعلقت بها، فحينئذٍ يسهل الانقياد لها؛ ولذا أمر الله البشرية أن تتأسى بأكمل خلقه صلوات الله عليه وآله فقال: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)) (الأحزاب:21)
قوله تعالى: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) (الممتحنة: 4) وفي آية أخرى ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) (الممتحنة: 6)
ورغم أن رسول الله (ص) أكمل خلق الله من الأولين والآخرين نجد أن الله تعالى بعد أن يذكر سلسلة من الأنبياء في سورة الأنعام ، ويشير إلى هدايته تعالى لهؤلاء الصالحين، وتفضَّله عليهم بالكتاب، والحكم ، والنبوة، يأمر رسوله الأكمل (بالاقتداء بهم، فقال: (ذلك) وهو إشارة إلى ما تقدم ذكره من التفضيل والاجتباء، والهداية، والاصطفاء، ((ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)) (الأنعام: 88) )
((أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه)) (الأنعام:90) فكأنه يقول: (اقتد بصبر أيوب، وسخاء إبراهيم وصلابة موسى، وزهد عيسى)
وإنما خاطب الله نبيه (ص) ليُسْمِعَنا أننا أولى بالاقتداء والتأسي والاهتداء بهداهم، فمهما بلغ الإنسان من المستوى العالي من الكمال فهو بحاجة لأن يفتش عن المثال الذي يضع أقدامه حيثما وضع أقدامه، ويترسَّم خطاه؛ ولهذا نجد أمير المؤمنين (ع) يقول: (فتأسَ بنبيك الأطيب الأطهر (ص) فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى، وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه، والمقتص لأثره، قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً، وأخمصهم من الدنيا بطناً عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه وحقَّرَ شيئاً فحقره، وصغر شيئا فصغره)
ثم يعطي (ع) صوراً عملية لسيرة الرسول الأكرم (ص) ليرسم لنا لوحة رائعة لزهد رسول الله (ص)، وعدم إعارته أهمية لزخارف الدنيا، فيقول (ع): (ولقد كان رسول الله (ص) يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري, ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول يا فلانه - لإحدى أزواجه - غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه؛ لكيلا يتخذ منها رياشاً، ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيَّبَها عن البصر)
تلك هي حقيقة الزهد كما جسَّدها رسول الله (ص)، وصوَّرها لنا أمير المؤمنين (ع) ونحن نذكر صوراً أخرى رويت لنا عن زهد رسول الله (ص) في سيرته العملية:
1 - عن ابن عباس قال: (إن رسول الله (ص) دخل عليه عمر، وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشاً ، فقال: مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها)
2 - وعن ابن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله (ص) يقول: دخل على النبي (ص) رجل وهو على حصير قد أثر في جسمه، ووسادة من ليف قد أثرت في خده فجعل يمسح ويقول: ما رضي بهذا كسرى ولا قيصر إنهم ينامون على الحرير والديباج، وأنت على هذا الحصير؟ قال: فقال رسول الله (ص): لأنا خير منهما والله لأنا أكرم منهما والله، ما أنا والدنيا، إنما مثل الدنيا كراكب مر على شجرة ولها فيء فاستظلّ تحتها فلما أن مال الظل عنها ارتحل فذهب وتركها)
وأروع من ضرب المثل الأعلى في الزهد بالدنيا بعد رسول الله هو سيد الأوصياء علي بن أبي طالب (ع) الذي اكتفى من دنياه بطمريه وسد فورة جوعته بقرصية، وصدق عمر بن عبد العزيز بقوله :(ما علمنا أحداً في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب (ع) بعد النبي (ص) ) وقال ابن عينيه: (أزهد الصحابة علي بن أبي طالب)
وكان صلوات الله عليه يُعلم الناس الزهد بسلوكه قبل قوله، في ملبسه، ومأكله، ومسكنه، ومركبه، فقد رُئي وعليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم ورئي عليه إزار مرقوع، فقيل له في ذلك، فقال: (يقتدي به المؤمنون ، ويخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقصد به المبالغ)
بل يُفضِّل خادمه قنبر على نفسه بالثوب الأفضل، فقد روى الأصبغ وأبو مسعدة والباقر (ع) (أنه أتى البزّازين، فقال لرجل: بعني ثوبين فقال الرجل: يا أمير المؤمنين عندي حاجتك، فلما عرفه مضى عنه، فوقف على غلام فأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين، فقال: يا قنبر خذ الذي بثلاثة فقال: أنت أولى به تصعد المنبر تخطب الناس فقال: وأنت شاب ولك شره الشباب، وأنا أستحي من ربي أن أتفضل عليك سمعت رسول الله (ص) يقول: (ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون، فلما لبس القميص مدّ كمّ القميص فأمر بقطعه، واتخاذه قلانس للفقراء، فقال الغلام: هلمّ أكفُّه، قال: دعه كما هو فإنّ الأمر أسرع من ذلك)
بل رفض أن يلبس ولو ثوباً من أموال بيت المال، يقول الأصبغ بن نباتة: قال علي (ع) مخاطباً أهل العراق: (دخلت بلادكم بأشمالي هذه ورحلتي وراحلتي ها هي فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين)
وأما طعامه فقد روَّض نفسه بأشد أنواع الترويض، وقد أكد ذلك في كتابه إلى عثمان بن حنيف قائلاً: (وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى ، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المنزلق، ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة)
ولهذا كان موضع تعجب أصحابه ومريديه، لما يرونه من خشونة عيشه وجشوبة مطعمه، فكانوا يعترضون عليه، ويتساءلون عن هذا المسلك الوعر، فقد (ترصد غداءه عمرو بن حريث، فأتت فضّة بجراب مختوم، فأخرج منه خبزاً متغيراً خشناً، فقال عمرو: يا فضّة لو نخلت هذا الدقيق وطيبّتيه، قالت: كنت أفعل فنهاني، وكنت أضع في جرابه طعامـاً طيباً فختم جرابه ! ثم إن أمـير المؤمنين (ع) فته في قصعة، وصب عليه الماء، ثم ذرّ عليه الملح، وحسر ذراعه فلما فرغ، قال: يا عمرو لقد حانت هذه - ومد يده إلى محاسنه - وخسرت هذه إن أدخلها النار من أجل الطعام، وهذا يجزيني)
وحين رأى عدي بن حاتم شطف عيشه في غذائه الذي لم يزد على كُسَيرات من خبز الشعير، وجريش ملح، فقال: إني لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظل نهارك طاوياً مجاهداً، وبالليل ساهراً مكابداً، ثم يكون هذا فطورك، فقال:
علّل النفس بالقنوع وإلا * طلبت منك فوق ما يغنيها
وأما مسكنه فقد رفض أن يسكن قصر الإمارة في الكوفة، وسماه قصر الخبال، وسكن كما تسكن رعيته، وقد قال ولده الإمام الباقر (ع):
(ولقد ولي الناس خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة ولا أقطع قطيعة، ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها لأهله خادماً)
تلك هي الروح الزاهدة المتعالية على تراب الأرض، والمتطلعة لنور السماء حتى أصبح الزهد في زخارف الدنيا زينة لها، فلقد زيَّن الله علياً (ع) بالزهد كما نطق بذلك معلمه وقائده وحبيبه رسول الله (ص) فقال له: (إن الله زيَّنك بزينة لم تزيّن العباد بشيء أحب إلى الله منها، ولا أبلغ عنده منها: لزهد في الدنيا، وإن الله قد أعطاك ذلك، جعل الدنيا لا تنال منك شيئاً، وجعل لك من ذلك سيماء تعرف بها)
وفي حديث عمار: (يا علي إن الله زيَّنك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، زينك بالزهد في الدنيا، وجعلك لا ترزأ منها شيئاً، ولا ترزأ منك شيئاً)
ونحن إذا توقفنا قليلاً، وتأملنا في هذه الأحاديث التي تعطي معنى واحداً، ودلالة واحدة، نعرف قيمة الزهد في الدنيا من خلال تكرار رسول الله (ص) لها، وإن هذه الخَليقَة هي زينة لأعظم شخصية عرفها التاريخ بعد رسول الله، فماذا يقول القائل في خِلة تكون زينة محبوبة عند الله لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله .
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com