موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-6
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-6  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  4 ــ أهداف الدولة ووظائفها:
يعتبر النراقي البحث عن مبدأ نشوء المجتمع ــ سيما تشكيل النظام السياسي وانتخاب القيادة الربانية للنظام السياسي ــ عاملاً مؤثراً في اتضاح أهداف الدولة وما يترتب عليها من وظائف، وسنحاول أن نتعرض فيما يلي بشكل ملخّص إلى وظائف الدولة.
والملاحظ أنّ مقتضى طبيعة الإنسان تدعوه إلى نزاع مستمر مع أبناء نوعه، إلاّ أن هذا الجدل والنـزاع الذي ولّد معه البغض المتبادل بينهم صار سبباً لفكرة تأسيس الدولة والنظام السياسي في المجتمع، ووضع القانون وجعل القيادة الإلهية لضمان مقدمات السعادة الأبدية للإنسان، مضافاً إلى ضمانه لبيئة يتعايش فيها الإنسان مع أبناء نوعه.
وعليه فإنه يمكن القول: إنّ الغرض من تأسيس الدولة هو تأمين الحياة الطيبة والفاضلة للناس، وليس تأمين حياة مادية جافّة وغير هادفة، فإنّ تحقيق السعادة والفضيلة في حياة آحاد الناس يعدّ من الوظائف القطعية للدولة الناجحة.
ويؤكّد الأنبياء والرسل الإلهيّون ــ إلى جانب تشكيلهم للحكومة ــ على أهمّ وظيفة لهم، وهي التربية والتعليم، قال النبي الكريم (ص): ((إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). بل إنّ أصل إقامة الدولة هو القيام بأمر التربية والتعليم، والدولة الموفقة هي الدولة المربية والمعلِّمة.
إنّ هدف الأنبياء من تأسيس الدولة والنظام السياسي الذي أقاموه كان تحقّق الأفعال الشريفة، وليس فقط إيجاد السلام والوئام بين الناس، وفي عصر الغيبة حيث يراعي الحكّام الحقيقيون معيار العدالة التي هي هدف الشريعة المحمدية، على الدولة القيام بهذا الواجب.
إنّ أهم وظيفة تقع على عاتق الدولة ــ برأي النراقي ــ إلى جانب إقامة النظم وتحقيق العدالة في المجتمع، إصلاح المعايب الخلقية للناس وغرز الفضائل النفسانية فيهم، وهذا هو الأساس في الدافع الذي يجعلهم يتحرّكون باندفاع مطلق لاتباع جميع التعليمات والتوجيهات الصادرة عن للدولة.
الدولة من منظار النراقي بمثابة مركز للتعليم الدائم والمستمر، تأخذ على عاتقها تربية الناس وتعليمهم وبثّ الفضائل الخلقية بينهم منذ بداية عهدها على الأرض وحتى اليوم الأخير منه.
ومن هنا، تختلف وظائف الدولة عنده اختلافاً واضحاً عمّا هي عليه في الفكر اليوناني الأفلاطوني والأرسطي من جهة، وعمّا هي عليه في الفكر السياسي الحديث كما عند جون لوك، وإن كان رأي كلّ من أفلاطون وأرسطو قريباً مما يراه النراقي من فكرة الدولة المربيّة، مع فارق أنهما يريان ملاك النظم الاجتماعي والحياة الفردية مبنيين على العدالة الثابتة عندهما بالعقل، فالدولة المربية التي ينظرانها هي الدولة العقلية، وأمّا الدولة التي ينظّر لها النراقي فهي الدولة الشرعية. وعلى كلّ حال فإنّ هذه الخصوصية المهمة والمشتركة بين الفكر اليوناني والفكر النراقي والتي تجعل من التربية والتعليم مشروليّة على عاتق الدولة أوجبت تقارباً بينهما سيما في بحثنا هذا.
وأمّا رأي جون لوك فإنّ له أهميّة خاصّة في هذا المجال؛ لأنه يبيّن الأسس التي تبتني عليها الليبرالية في إنجلترا، ويقوم عليها النظام السياسي الحالي في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تتأطّر الحكومة الليبرالية من وجهة نظر لوك بالدفاع عن حقوق أعضائها عند تعرّضها للاعتداء فقط، فهو يرى: ((أنّ الحكومة غير موظّفة بالرقابة على ألاّ يقع خطأ أو فساد من أحد أفراد المجتمع، بل موظّفة بأن لا تدع أحد مواطنيها يرتكب ما من شأنه التعدّي على حقوق المواطنين الآخرين)). وهذا عكس ما يعتقده النراقي، حيث يرى أنّ من واجبات الدولة ــ إضافةً إلى منعها من وقوع تعدّي بعض المواطنين على حقوق بعض آخر ــ المنع أيضاً من وقوع المخالفات الشخصية، فكما يلزم على الدولة معاقبة السارق والقاتل عليها أيضاً معاقبة الزاني وشارب الخمر.
5 ــ علاقة الدولة بالمجتمع والفرد:
يتبنّى النراقي في مجال علاقة الفرد والدولة والمجتمع رأياً مخالفاً تماماً لما عليه الليبرالية في عهدها الحديث، سيما ما يتبنّاه لوك في هذا المجال، فهو رأي قريب ــ كما أشرنا لذلك سابقاً ــ من رأي فلاسفة اليونان كأرسطو وأفلاطون على الرغم من وجود بعض الفوارق المائزة بين الرأيين.
إنّ الرأي الذي يفترض المجتمع الإنساني مجموعةً واحدة يرتكز على قاعدة أنّ البشر أساساً ــ وبمقتضى الطبيعة كما يعبّر أرسطو ــ يحتاج بعضهم إلى بعضهم الآخر؛ لأنّهم بحاجة في رقيّ حياتهم الفردية وتكاملها للعيش في اجتماع مع بني نوعهم، وهذا ما يستفاد من قوله: ((... إنّ الوجود المدني والاجتماعي للإنسان أمر ظاهر وواضح، وكل مجموعة تتخذ لها مسكناً ومنـزلاً، سواء كان السبب هو توقف بقاء النوع ومعاشهم على ذلك، أو كان بمقتضى الطبع الإنساني، أو جريان العادة الربانية بذلك))
فهناك فرق شاسع بين النظرية القائلة بأنّ الاجتماع الإنساني أمر طبيعي، أو أنّ معيّة الناس بعضهم لبعض أمر تلقائي لا بعقد اجتماعي مسبق، وبين النظرية التي تعتبر أفراد الإنسان مستقلّين بعضهم عن بعض، فهم أجزاء مفكّكون ولا رابطة تجمعهم. ويرى لوك أنّ أفراد النوع الإنساني يعتبرون أنفسهم وجوداً ذا قيمة أخلاقية قبل قبولهم بالعقد الاجتماعي كأساس للدولة والنظام السياسي، وبما أنّ الإنسان موجود كامل وعاقل وذو قيم أخلاقية لذا يمكنه إقرار عقد اجتماعي فيما بينه وبين الآخرين، بَيْدَ أنّ هذا العقد لا يغيّر فيه شيئاً؛ لأنه موجود كامل، نعم قد يترك بعض المؤثرات الإيجابية في وضعه الاقتصادي والرفاهي كالملكية مثلاً وغيرها.
وخلافاً لذلك، ذهب النراقي إلى افتقار آحاد المجتمع الإنساني بعضهم إلى الآخر، فالحياة الاجتماعية تمثّل ضرورةً لديهم لا بدّ منها، ومن أجل الوصول إلى موجودٍ يحمل مُثلاً خُلقية لا بد من اتّباع الشريعة، فالشريعة هي الهادي في الحياة الفردية والاجتماعية معاً، وذلك لوجود الرغبات والميول المؤثرة على الإنسان، والتي لا يستطيع العقل بمفرده أن يسيطر عليها ويوازن فيما بينها، لذا وجب بعث الأنبياء وإرسال الرسل.
وبهذا يختلف النراقي مع الفكر اليوناني في قيام الدولة وتأسيس المجتمع السياسي، فإنّ الدولة الصالحة على مختلف أنماطها وأنواعها ــ سواء كانت الحاكمية فيها للأنبياء أو للفقهاء أو للسلاطين المقلّدين لهم ــ هي دولة تابعة للشريعة بلا شك، ولا يعترف النراقي بالفكرة التي تبحث عن تقدّم أجزاء الدولة وتفوّقها على الأجزاء الأخرى المعبّر عنها في الفكر الحديث بالحاكمية، أي حاكمية بعض الأجزاء على غيرها؛ وذلك لأنّ مفاهيم العدالة والقانون والشريعة، والتي هي عبارة عن شيء واحد، مفاهيم ذات قيمة خاصّة، فالشريعة والقانون في الدولة التي ينظّر لها النراقي هما المرجع الأعلى في الدولة، فيما الحاكمية في الفكر الجديد تعني التفوّق على القانون، ولذا يرفض النراقي أيّ هيئة أو إرادة تحكم فوق القانون وخارج مداره؛ لأنّ ذلك معناه تهديد حاكمية الشريعة والقانون بالسقوط، فيما هما أمر حياتي لكلّ مجتمع، وقد يقال: إنّ الحكم للقانون، فالقانون هو الحاكم، لكن هذا رجوع أيضاً إلى ما قلنا من أنه لا حاكم أعلى من القانون، وهذا هو المراد.
وبالرغم من اعتبار النراقي ــ من وجهة نظره ــ الفقهاءَ العدول هم الحكّام على الإطلاق، إلاّ أنّ الفارق يبقى موجوداً بين ما يدعو إليه من الحاكمية المطلقة ــ إن صحّ هذا الإطلاق عليها ــ وبين فكرة الحاكمية الجديدة، فالنراقي وإن كان يعترف للولي الفقيه فوقيّته على القانون المدوّن إلاّ أنّ هذا ليس بمعنى أن الفقهاء هم الذين جعلوا هذا القانون من عند أنفسهم، بل مصدر الفوقيّة ينشأ من علمهم بالشريعة، هذا العلم الذي يمكّنهم من إدراك مجموعةٍ من الأصول والقواعد التي يجب في ضوئها مطابقة القانون عليها، فهؤلاء فوق القانون في الحدّ الذي يعترفون فيه بحاكمية الأصول التي تحكم هذه القوانين، ومن أجل الفهم الصحيح لهذه الفكرة قيل: إنّ وضع القوانين من قبل الفقهاء لا يعني أنهم مصدر التشريع والتقنين، بل هي مشتقة من قواعد مقرّرة وموجودة في الخارج، بحيث لا يرتبط وجودها وعدمها بوجود المقنّن والمشرّع، وعليه، فليس الحكم إلا لله وحده.
ويطلق مصطلح (الحاكم المطلق) في القاموس السياسي الحديث على الفرد أو الجماعة التي لها حقّ وضع القوانين طبقاً لما تمليه إرادتها وميولها، فلها إقرار القانون أو عدم إقرارها طبقاً لذلك.
وترتكز فكرة الحاكمية المطلقة في العصر الحاضر على افتراض أن يكون ثمّة حاكم مطلق يفوّض إليه تقنين كلّ ما يريده، فيخلع على جميع ما يريده ويراه ويطمح إليه ثوبَ القانون، وهذه هي المعبّر عنها بالقوة العليا، والتي يعتبرها هوبز من حق الحاكم الواحد أو المجلس الواحد، أو حق الأكثرية حسب تعبير لوك، فيما يخصّها روسو بإرادة الجميع.
إنّ الحاكم لا يتم تعيينه ــ في نظر النراقي ــ عن طريق تدخّل الشعب وانتخابهم له، إنما بتعيين قوّةٍ تفوق النظام السياسي، ألا وهي الإرادة الإلهية، وحتى في عصر الغيبة يستحقّ الحكّام الحقيقيون الحكم والنصب من قبل الشارع بنحوٍ ما (النصب العام) لتوفر الأرضية المناسبة والشروط اللازمة فيهم من العلم والعدالة.
الشيء الوحيد في نظرية النراقي الذي من المحتمل أن يكون قد أدّى إلى توهم حاكمية الشعب وحرّيته في التصرّف والاختيار هو دوره في اختيار الفقيه الحاكم، وربما استمدّت بعض النظريات الجديدة آثارها من هذا التوهّم، سيما نظرية انتخاب الإمام، فإنّ المصدر في هذه النظرية قد يكون هو ما ذكرناه، إلاّ أنّ التأمّل في نظرية النراقي كفيل ببطلان هذا التوهم، فقد كتب في العوائد: ((يجب على العامّي الاجتهاد في تعيين الفقيه الذي يقلّده من بين أصناف الفقهاء من الأصولي والأخباري، والحيّ والميت، والأعلم وغيره، والمتجزّئ والمطلق، وطريق اجتهاده فيه سهل لا صعوبة فيه، ذكرناه في منهاج تقليد الأموات من كتاب مناهج الأحكام....))
وقد تعرّض في مناهج الأحكام ــ المشار إليه ــ إلى طريق الاجتهاد، حيث ذكر هناك أن الذي يجب تقليده والرجوع إليه هو الفقيه العالم، وهو على أصناف: الحي والميت، الأصولي والأخباري، الأعلم والأدون، والأورع وغير ذلك... فاللازم على العوام أن يرجعوا بشكل عام فيما لا يعلمون إلى العالم، ومسألة تعيين الرجوع للعالم ــ كيفية الرجوع ــ غير واضحة، وهكذا مسألة تعيين المرجع، وعليه، يجب على المكلّف الرجوع إلى العلماء في تحديد المرجع، فإذا عجز العلماء عن ذلك وجب على المكلّف الرجوع إلى المرجعَين اللذين لا يجيز كلّ واحد منهما تقليد الآخر.
والحاصل: إنّ المرجع في الفرعيات واحد، فاذا كانت المسألة خلافيةً بين مرجعين، فإن أجاز له كلّ منهما تقليد المرجع الآخر تخيّر بينهما، وإن أجاز أحدهما دون الثاني قلّد الذي لم يُجز لأنه المجمع عليه، وإن منعاه من تقليد الآخر، سألهما المكلّف عن حكمه، وحينئذ فلا بد وأن يكون الجواب التخيير، فيصير تعيين أحدهما قطعياً وليس باب التقليد مسدوداً.
هذا تمام ما يمكن الاستناد إليه من كلام المحقق النراقي في تحديد الطريق للوصول إلى الفقيه والمرجع، وإذا استطعنا تطوير هذه الفكرة إلى فكرة انتخاب الناس للفقيه في النظام والمجتمع فإنّ ذلك أيضاً لا يلتقي مع مفهوم الحاكمية الحديث من جهة، ولا مع بعض الآراء الجديدة في ولاية الفقيه التي تسعى للمصالحة بينها وبين بعض النظريات السياسية المعاصرة من جهة أخرى.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com