موقع الصراط ... الموضوع : خصائص المبلغ
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خصائص المبلغ  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  للمبلِّغ مواصفات عامّة يجب أن يتحلّى بها لدى مختلف النظريّات الإعلاميّة، وأخرى خاصّة تفرضها طبيعة الفكر أو المبدأ الّذي يعمل المبلِّغ في الدعوة لـه. كما أنّ هذه المواصفات تتفاوت في قيمتها وأولويّتها من فكرٍ لآخر ومن موقعٍ لآخر، فتجد مثلاً أنّ الصدق مطلوب في مجمل النظريّات والمناهج الإعلاميّة، إلّا أنّ التركيز على هذه السمة وتأكيدها يتفاوت من منهج لآخر حسب طبيعة أهداف وتوجّهات الجماعة الّتي ينتمي إليها المبلِّغ عقائديّاً أو فكريّاً.
وفيما يلي عرض مختصر لأهمّ الخصائص المطلوبة في المبلِّغ:
1- الوعي ومعرفة الهدف:
ينبغي للمبلِّغ أن يكون واعياً مدرِكاً للهدف المرتجى من التبليغ: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))
2- العلم التفصيليّ بالموضوع:
فلا بُدّ للمبلِّغ أن يكون محيطاً وملمّاً بالمعارف الإسلاميّة كي يخطو في سبيلها بوعي ومسؤوليّة، كما يؤكّد الإمام عليّ عليه السلام على أن نتكلّم عن علمٍ ووعي, إذ لا خير في حديثٍ يشوبه الجهل، فيقول عليه السلام: "ولا تقل ما لا تعلم فتُتّهم بإخبارك ما تعلم".
فيفترض في كلٍّ مبلِّغ أن يكون ملمّاً وذا اطّلاعٍ وافٍ على مضمون وتفاصيل الفكرة الّتي يدعو لها. وضرورة التحلّي بهذه الخصلة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى البرهنة عليه, ذلك أنّ الّذي يجهل حقيقة المبدأ الّذي يدعو إليه وتفاصيله المرتبطة به، من المؤكّد أنّه سيقع في مطبّات وسيواجه مشاكل عديدة نذكر منها:
أ- إيقاع المتلقّي في متاهات مظلمة وربّما يُبعده عن الفكرة الّتي يدعو لها، فيذهب ذلك الإنسان ضحيّة لجهل المبلِّغ.
ب - تعريض المبدأ الّذي يدعو له إلى انتقادات لاذعة قد تجعله مثاراً للسخرية, لأنَّ هناك متربّصين بهذا المبدأ، يبذلون ما بوسعهم لأجل اقتناص الثغرات والهفوات الواردة في خطاب المبلِّغ واستثمار ذلك في التشنيع، ليس على صاحب الفكرة فحسب بل على الفكرة ذاتها، وذلك عن طريق افتعال مقارنة بين الفكرة وبين مضمون الدعوة الّتي يدعو إليها، والإيحاء أوّلاً بأنّ الفكرة لا تملك أكثر ممّا يقوله هذا المبلِّغ الضعيف. وثانياً وهو الأهمّ، أنّ الفكرة الّتي يؤمن بها أمثال هذا الشخص لا بُدّ أن تكون بمستواهم، لأنّ المرء يميل إلى ما يُناسبه، وهذا هو جوهر الإشكال الّذي يُطرح على أنبياء الله عليهم السلام من قبل الطغاة حيث يتّهمون الرسالة بأنّها لم يتّبعها سوى السفهاء، وهذا يكشف - بزعمهم - أنّ الفكرة ذاتها سفيهة لا تحمل مضموناً جديراً بالإيمان به.
وعليه فإنّه لا بُدَّ للمبلِّغ من أن يتمتّع بخصلتين علميّتين أساسيّتين:
الأولى: مطالعة وإلمام بأكبر حجم ممكن من المعلومات المرتبطة بالفكرة الّتي يدعو لها. وذلك يستدعي منه أن يصرف جهداً مضاعفاً في البحث والدراسة، خاصّةً فيما يتعلّق بالقواعد الكليّة والخطوط العريضة لفكرته, لكي يتسنّى له عن طريق التوليف بين هذه القواعد والخطوط العامّة، استخلاص أجوبة جاهزة مقنعة للإشكالات والأسئلة غير المتوقّعة والّتي تُحتِّمها ظروف العمل التبليغيّ ومستوى الجماعة المتلقّية.
ومع عدم وعي هذه الأمور وعدم التمييز بين ما هو أساسيّ وفرعيّ منها، قد يتحوّل المبلِّغ إلى آلة صمّاء جامدة تتعطّل بمجرّد خروج الحوار عن الجادّة المرسومة سلفاً، وهو ما يقع كثيراً في ظلّ حوارٍ مفتوح بين إنسانَين لا يُمكن ضبطه في إطار محدّد.
الثانية: الّتي يجب أن يتّصف بها المبلِّغ على صعيد رصيده المعلوماتيّ، هي القدرة الذاتيّة على استخلاص الفروع من الأصول، إذ قد يكون ثمّة رجل يحفظ كثيراً من القواعد والخطوط العريضة المرتبطة بفكرةٍ ما، لكنّه عاجز عن التوفيق بينها والجمع بين قاعدتين أو ثلاث لاستخراج معلومة ثالثة أو رابعة تخدم عمليّة الحوار الّذي يُديره المبلِّغ، وإذ يعجز عن ذلك تتحوّل معلوماته ومخزونه الفكريّ إلى بضاعة كاسدة لا تُغني ولا تُسمن من جوع.
لقد كان ابن عبّاس محاوراً ناجح, لأنّ له - بالإضافة إلى إحاطته بالقواعد الكليّة للدِّين - مقدرة خاصّة تُمكّنه من أن يترجم مخزونه العلميّ إلى قضايا ساخنة وأجوبة كاملة وقت الطلب تُقنع الخصم أو تُفحمه. ولهذا أصرّ أمير المؤمنين عليه السلام على أن يكون ابن عبّاس ممثّل أهل العراق في التحكيم دون أبي موسى الأشعريّ الّذي كان يحمل أسفاراً لا يفقه معناها.
3- الإيمان بالفكرة:
هذه حقيقة أكّدتها التجربة العمليّة بما لا مزيد عليه. والإيمان بالفكرة أمر آخر غير العمل بها. إذ - مبدئياً - قد يكون المرء مؤمناً بصحّة فكرةٍ ما، وهو غير مستعدّ في الوقت ذاته للالتزام بها عمليّاً وبكلّ ما تأمر به من تكاليف ووظائف اجتماعية أو دينية أو قانونية.
ولا شكّ أنّ الإيمان بهذا القدر عنصر مهمّ في تصحيح عمليّة التبليغ وإخراجها من كونها نفاقاً أو ارتزاقاً. وهو بهذا المعنى شرط يكاد يُتّفق عليه بين المذاهب الإعلاميّة الّتي تستند إلى ركيزة عقائديّة. ولا يخرج عن دائرة هذا الاتّفاق إلّا الإعلام الدعائي التجاريّ الّذي يُجوّز كلّ شيء من أجل الربح، وكذا كلّ إعلام مغرض يتّخذ من التبليغ غطاءً لتمرير أغراضٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى مادّة الخطاب والفكرة الّتي يُبلِّغ لها.
والإيمان بالفكرة بهذا المعنى يُعتبر ضروريّاً إذا ما قورن بالعمل بها، حيث إنّ العمل بالفكرة لا يُعدّ شرطاً واجباً - لا قانوناً ولا شرعاً - لتبليغها إذا كانت صحيحة. أمّا النصوص الواردة في النهي عن الأمر بشيء مع ترك العمل به، مثل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ)) فيجب أن تُفهم في مستوى أنّها تدعو دعوة ضمنيّة لضرورة أن يكون الداعي إلى شيء ممتثلاً لـه، باعتبار أنّ أولى الناس بالخير هو الداعي لـه نفسه، والفكرة أجدر بأن تُتقبّل من الآخرين بسبب الاتّحاد بين الداعي والدعوة في هذا الفرض.
4- العمل بالفكرة:
إنّ العمل بالفكرة شرط ضروريّ لمدى فاعليّة الدعوة، لا لأصل جوازها كما أسلفنا، ومن المتعارف أنّ العقلاء ينتقدون الداعي إلى شيء إذا لم يكن عاملاً به:
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله*عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
كما أنّ من المعروف أنّ المتلقّي لا يتفاعل مع الفكرة إذا انطلقت من مصدرٍ لا يعمل بمفادها، والأسباب كثيرة نذكر منها نقطتين:
الأولى: إنّ عدم العمل بالفكرة المبلَّغ بها يعني لدى المتلقّي أنّها زهيدة ولا تعود على صاحبها بالنفع، وإلّا لكان الأجدر بصاحبها أن يعمل بها.
الثانية: إنّ عدم العمل بالفكرة في حال الدعوة إليها يصنع انطباعاً بأنّ الداعية شخصيّة غير متّزنة وربّما منافقة ولا يُمكن الاعتماد عليه والوثوق بسلامة ما يدعو إليه, الأمر الّذي يُفضي بالنتيجة إلى التشكيك بصحّة الفكرة تبعاً للتشكيك بمصداقيّة حاملها.
والإسلام موقفه واضح من هذه المسألة فهو وإن كان لا يُسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهو أبرز مصاديق الدعوة والتبليغ - عن المكلّف، وإن لم يكن عاملاً بما يأمر به وينهى عنه، بيد أنّه في الوقت ذاته يُدين ذلك الإنسان من منطلق كونه عبداً مملوكاً لربّه ومطالباً هو الآخر بالتزام أوامره واجتناب نواهيه.
5- الحزم:
على المبلِّغ أن يكون حازماً في مواجهة الانحراف والمنكر والفساد وأن لا يخشى أحداً سوى الله تعالى، ويجب عليه أن يُحارب البدع دون أيّ خوف أو وجل قال تعالى: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا ظهرت البدع في أمّتي فعلى العالِم أن يُظهر علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله".
ولهذا نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أرادت منه قريش أن يتخلّى عن الإسلام وعن نشر دعوته يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يُظهره الله أو أهلك فيه ما تركته".
فعلى المبلِّغ أن يُبيّن أساليب المجرمين والمنحرفين ومؤامراتهم ويكشفها للناس من دون تردُّد أو خوف.
كذلك يجب على المبلّغ أن يكون رحب الصدر ليّن العريكة لا يغضب لأتفه الأسباب، صبوراً متحمِّلاً، ويتقبّل الانتقادات الّتي توجّه إليه برحابة صدر، فيُصحِّح خطأه إن كان على خطأ أو يُبيّن عمله ـ إن فُهم خطأ ـ بشكل واضح وصريح. فالمسلم يرى الانتقادات البنّاءة الّتي توجَّه إليه وكأنّها هدايا تُقدّم إليه, فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: "أحبّ إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي"
6- قوّة الاستدلال:
إنّ البحث والاستدلال من الأعمال الهامّة لدى المبلِّغين خصوصاً في هذا العصر الّذي نما فيه حبّ السؤال والاستطلاع. فالجميع يرغبون أن يعلموا عن كلّ موضوع بشكل مبرهن ومقنع. والقرآن الكريم دعا إلى البحث وإقامة الدليل بقوله: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ))
ولهذا فإنّ على المبلِّغ أن يكون بارعاً في فنِّ الاستدلال لكي يدعو الناس إلى الإسلام بأسلوب عقليّ رصين وبرؤية صحيحة، كما أنّه من اللازم أن يكون ذا مهارة في الجدال والمناظرة للإجابة على إشكالات المخالفين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لإيقاع المبلِّغ بمطبّات يُثبتون فيها للناس ضعفه وعجزه.
7- اغتنام الفرص:
اغتنام الفرص من صفات المبلِّغ الحسنة والتي تدلّ على حضور ذهنه وسرعة بديهته في إبداء رأيه في الوقت المناسب. وليس أدلّ على ذلك من موقف النبيّ يوسف عليه السلام عندما سأله اثنان من السجناء عن تفسير حلميهما، فانتهز الفرصة وذكّرهم بالله الخالق الأحد والابتعاد عن عبادة الأوثان والأصنام: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)).
لذلك يجب على المبلِّغ أن يتحيّن الفرص ويغتنمها في سبيل تبليغ رسالته إلى الناس بكلّ ما أوتي من ذكاء وفطنة وسرعة بديهة.
8- الوعي السياسيّ:
ومن الصفات الهامّة الأخرى للمبلِّغ في عصرنا الحاضر أن يكون على قدرٍ كافٍ من فهم القضايا السياسية والاجتماعية، وأن تكون لديه القدرة على إطلاع الناس على الأحداث والوقائع السياسية، وذلك بمتابعة الإذاعات والنشرات المتنوّعة لكي يمضي على منهج سياسيّ إسلاميّ قويم، يتّسم باللاشرقية واللاغربية، وكذلك يطّلع على الأوضاع الداخلية للبلدان الإسلاميّة، ومواقف الشعوب تجاه حكوماتها، إضافة إلى موقف حكّام الدول الإسلاميّة من القوى العظمى.
ومن اللازم أن يكون واضحاً لدى المبلِّغ ما للقوى العظمى ودول الاستكبار العالميّ من خطط شيطانية لاستغلال البلدان الضعيفة واستضعافها، وفي المقابل موقف مستضعفي العالَم تجاه مخطّطاتهم الخطيرة.
9- تشخيص الأهمّ والمهمّ:
إنَّ مهمّة المبلِّغ الدِّينيّ هي في بعض جوانبها مثل مهمّة الطبيب في معالجة الأمراض البدنيّة، وكما أنّ الطبيب الحاذق يبدأ بتشخيص المرض الأساس لدى المريض ومن ثمّ معالجته، هكذا المبلِّغ الدِّينيّ يجب أن يبدأ بتشخيص ما لدى المريض ومن ثمّ معالجته. فعلى المبلِّغ الدِّينيّ أن يبدأ بتشخيص ما هو الأهمّ في الجوانب الثقافيّة والأخلاقيّة والسياسيّة الّتي يحتاج إليها الناس، وبمقدار ما يكون دقيقاً وحاذقاً في التشخيص يكون ناجحاً وموفّقاً في عملية الهداية والإرشاد.
فقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: "العلماء همّتهم الرعاية، والسفهاء همّتهم الرواية".
فلا بدَّ أن يدرس منذ ممارسته التبليغيّة مع الناس جميع الأبعاد في المكوِّنات الثقافيّة والأخلاقيّة والسياسيّة، لدى الأشخاص الذين يُريد التبليغ في وسطهم، وفي ضوء ذلك يطرح المفاهيم المناسبة والعلاجات الفكرية والأخلاقية الناجحة.
يقول الإمام عليّ عليه السلام: "من اشتغل بغير المهمّ ضيّعَ الأهمَّ".
10- المساعي الإنسانيّة: ينبغي أن يقف المبلِّغ الدِّينيّ موقفاً وسطاً معتدلاً في الاشتغال بالمساعي الإنسانيّة، كإصلاح ذات البين، وقضاء حاجات الفقراء وإعانة المساكين وتقديم الخدمات، فهي مطلوبة منه، إلا أنّه لا يصحّ الاستغراق فيها كأنّها مهمّته الأساس، بحيث ينظر الناس إليه وكأنّه مدير مؤسّسة خيريّة، أو موظّف في دائرة الخدمات الاجتماعية، وما شاكل ذلك.
إنّ المبلِّغ الدِّينيّ لا يصحّ أن يبتعد تماماً عن المساعي الإنسانية بل هي جزء من وظيفته باعتباره مصلحاً وهادياً ومنقذاً للضعفاء، ومدافعاً عن حقوق المساكين، ومن حقّ الناس أن يتطلّعوا إليه باعتباره حلّال مشاكلهم، إلّا أنّ المبلِّغ الدِّينيّ قد يتورّط في خطأ آخر إذا هو استغرق وقته وشغله وجهده في هذه الأمور بعيداً عن تثقيف الناس وهدايتهم من خلال البرامج الموضوعة لذلك.
ولا بدَّ أن يشرح للناس قولاً وعملاً أنّ مسؤولية الأمور الخدمية يجب أن توضع في عهدة جهات أخرى سواء كانت مؤسّسات خيرية، أم مؤسّسات الدولة العامّة.
11- مراعاة أسس التفاضل الإسلاميّ:
لقد وضع الإسلام مجموعة أسس للتفاضل بين الناس، كالعلم، والتقوى، والجهاد، والسابقة الدِّينيّة، والشرف الاجتماعيّ وغير ذلك.
ومن هنا يقع على عاتق المبلِّغ الدِّينيّ أن لا يغفل عن مراعاة هذه الأسس في التعامل مع الناس.
فلا بدَّ أن يُعطي لأهل العلم، وذوي الكفاءة، وأهل التقوى والصلاح، والمجاهدين والسابقين في نصرة الدِّين، وأصحاب الشرف والوجاهة في المجتمع... لا بدّ أن يعطي لهؤلاء مواقعهم المناسبة في مشاريعه وعلاقاته.
وفي الوقت الّذي يعمل فيه على استيعاب الجميع إلا أنّه لا بدّ من احتضان أصحاب الملاكات أكثر من غيرهم، كما جاء في وصيّة الإمام عليّ عليه السلام لمالك الأشتر حيث يقول عليه السلام:
"والصق بأهل الورع والصدق...".
"وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء...".
"ثمَّ الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ثمَّ أهل النجدة والشجاعة والسخاء، والسماحة...".
"وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الإسلام المتقدّمة، فإنّهم أكرم أخلاقاً، وأصحّ أعراضاً...".
فلا بدَّ أن يعمل جاهداً على جذب هذه العناصر وتقريبها منه حتّى يكونوا أهل مجلسه ومشورته قبل غيرهم.
المصدر: كتاب (التبليغ الديني مفهومه، مضمونه، أساليبه) لجمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com