موقع الصراط ... الموضوع : بحث في العبادة
 
الثلاثاء - 6 / جمادي الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  بحث في العبادة  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 8 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري أعلى الله مقامه sabziwary
قال تعالى:((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ))
قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): لفظ الخطاب [إياك‏] استعمل هنا في مقام الحصر، و قد أطلق عليه تعالى في القرآن بضمير الغيبة و ضمير المتكلم مع إفادتهما الحصر أيضا، قال تعالى: (أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ) [سورة يوسف، الآية: 40]، و قال تعالى: (إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ‏) [سورة العنكبوت، الآية: 56].
و يستفاد الحصر في المقام من أمرين:
أحدهما: سياق الآية المباركة لأن من كان «رَبِّ الْعالَمِينَ» و «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» و «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» لا وجه لعبادة غيره فإنّ غيره مطلقا مملوك له تعالى و محتاج إليه و لا وجه أن يدع من له تلك الصّفات في عبادته و يعبد غيره، و منه يظهر سر قولهم (عليهم السّلام): «العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان» و كثرة إطلاق الجهل على المشركين في الكتاب و السنة.
الثاني: استفادة الحصر من انفصال الضمير و تقديمه و ينحل الحصر إلى النفي و الإثبات كأنه قال: لا نعبد غيرك و نعبدك، كما في لا إله إلّا اللّه. و سائر موارد الحصر.
و في الآية المباركة التفات من الغيبة إلى الخطاب لأنه بعد إقرار العبد بالالوهية و الاعتراف بالربوبية و انه مالك يوم الجزاء صار لائقاً بالمخاطبة الحضورية معه تعالى فارتقى العبد من الغيبة الى الحضور لارتقاء مقام قلبه عن الغفلة إلى التوجه و الحضور.
و للتوجه من الغيبة إلى الحضور مراتب بحسب مراتب المعرفة و الطاعة في العبد.
((نَعْبُدُ)) العبادة: الطاعة و أصل المادة تنبئ عن الذل و الخضوع و الاستكانة و الانقهار في أي هيئة استعملت و منها العبد و المملوك. فالمادة تشمل العبودية التسخيرية، و العبودية الاختيارية و الواقعية و العبادات الباطلة الاعتقادية، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ)) [سورة يس، الآية: 60]. وقوله تعالى: ((إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)) [سورة الأنبياء، الآية: 98]، و قوله تعالى: ((إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً)) [سورة العنكبوت، الآية: 17].
والعبادة: خضوع خاص ناشئ عن الاعتقاد بأن للمعبود عظمة، و لا يحيط بها العقل في المعبود الحقيقي، لعدم وصول الإدراك إلى عظمته فضلاً عن ذاته، وإن كان مدركاً بالآثار، كما عرفت فإنه أعلى و أجلّ من أن يرقى إليه إدراك أحد، و لذا لا تصدق العبادة على الخضوع بالنسبة إلى غيره تعالى.
وقد تطابق العقل والنقل على عدم جوازها لغيره تعالى لأن حقيقتها الخضوع لمن هو في أعلى درجات الكمال بحيث لا كمال فوقه و هو منحصر باللّه تعالى، و في قوله تعالى: ((أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ)) [سورة الصافات، الآية: 95- 96] إشارة إلى ذلك، و أنه لا تكون العبادة إلا للخالق و مفيض الحياة والإطلاق بالنسبة إلى غيره تعالى اعتقادي باطل لا واقعي حقيقي.
و العناوين الشايعة ثلاثة: العبادة، و الطاعة، و الانقياد.
و الأول- عبارة عن إتيان العمل بقصد التقرب إلى اللّه تعالى سواء كانت صحة العمل في حد نفسه متوقفة على قصد القربة- كالصّلاة و الصوم و الحج و غيرها من سائر العبادات، فإذا أتى بها من دون قصد القربة يبطل أصل العمل، أو لم تكن كذلك، كقضاء حوائج الإخوان و أداء حقوق النّاس، أو مثل النظافة فإذا كان للّه تعالى يثاب عليه مع حصول الطاعة و إذا لم يكن له تعالى تحصل الإطاعة دون الثواب، فالإطاعة أعم من العبادة، كما أنّ الانقياد أعم من كل منهما لإطلاقه عليهما و على إتيان ما يحتمل أنه محبوب للّه تعالى و ترك ما يحتمل انه مبغوض له عزّ و جل و إن لم يكن أمر و نهي منه تعالى، و قد فصلنا الكلام في كتابنا [مهذب الأحكام‏].
و قد وردت الإطاعة في كثير من مشتقاتها في القرآن الكريم قال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [سورة الأحزاب، الآية:71]، وقال تعالى: ((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [سورة الأنفال، الآية: 46]، و قال تعالى: ((فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)) [سورة البقرة، الآية: 184]، و قال تعالى: ((وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ)) [سورة النساء، الآية: 64] إلى غير ذلك من الآيات المباركة.
ثم إنّ العبادة هي التوجه إلى المعبود في القيام بما جعله من الوظيفة و إتيان المطلوب الذي أراده من العبد و حيث إنّ اللّه تعالى يطّلع على النوايا كاطّلاعه على الأعمال فلا بد أن تكون النوايا القلبية متوجهة إليه تعالى ومنحصرة في العبودية له تعالى.
و بعبارة أخرى كما أنّ العابد حاضر لدى اللّه تعالى و لا يخفى منه على اللّه شي‏ء و هو عالم السر و الخفيات، بل وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [سورة الحديد، الآية: 4]، يعلم خطرات القلوب و حركات الجوارح و لحظات العيون فلا بد و أن يكون توجه العابد إلى مثل هذا المعبود كاملا و كذا في قلبه تاما بحيث لا يخطر في قلبه غيره فإن ذلك يوجب النقص في العبادة و العبودية بل قد يوجب الطرد و الهجران و الإثم و العصيان، و قد قال علي (عليه السّلام) في معنى العبادة: «أن تعبد اللّه كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك».
و يأتي التفصيل في قوله تعالى: ((وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [سورة الأعراف، الآية: 29].
والدواعي للعبادة كثيرة حتّى عند شخص واحد فربما يختلف دواعيه لها في حالة عن حالة أخرى وكلما كانت العبادة مجردة عن الدواعي الشخصية والمادية كانت العبادة أشد خلوصاً للّه تبارك و تعالى ولذا ورد عن علي (عليه السّلام): «أن قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قوماً عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار» و نسب إليه (عليه السّلام): «ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»، وعن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السّلام): «العباد ثلاثة: قوم عبدوا اللّه عزّ و جل خوفا، فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا اللّه تبارك و تعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء. و قوم عبدوا اللّه عزّ و جل حبا له، فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة».
و لا شك في أن عبادته لحبه تعالى، كما في هذه الرواية من أفضل أنحاء العبادات لخلوصها حتّى عن المسألة عنه تعالى و إضافة شي‏ء إليه عزّ و جل خارجا عن ذاته، و لكن في بعض الروايات عن علي (عليه السّلام) كما تقدم «أن قوما عبدوا اللّه شكرا، فتلك عبادة الأحرار»
و هي من أفضلها أيضا و لكن لا تصل إلى مرتبة المحبة، لأن المحبة قد تصل إلى مرتبة الفناء في المحبوب فلا يرى شيئا آخر أبدا وراء أهلية المحبوب و الشكر هو لحاظ شي‏ء آخر وراء ذات المحبوب...
و إذا تحققت العبادة الواقعية بحيث لا يشوبها شي‏ء كانت ثمرتها عظيمة لا يمكن حدها، و قد ورد في ذلك ما يوجب التحير منه، فعن أبي جعفر (عليه السّلام): «إن اللّه جل جلاله قال: ما يتقرب إليّ عبد من عبادي بشي‏ء أحب إليّ مما افترضت عليه، و إنه ليتقرب إليّ بالنافلة حتّى أحبه- الحديث-»
فإن محبته تعالى لعبده من أجلّ مراتب الكمال و توجب وصوله إلى مقامات عالية لاستلزام الانقياد و العبودية التامة من العابد الإفاضة المطلقة بالنسبة إليه و يستفاد ذلك من كثير من الروايات...
و عن المحقق الطوسي أن العبادة أقسام ثلاثة: قلبي كالعقائد الحسنة و بدني كالأعمال الحسنة، و اجتماعي كالمعاملات الشرعية و الأخلاق الحسنة مع النّاس...
قوله تعالى: ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)): الاستعانة طلب العون، و الحصر هنا كالحصر في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» لفظي و سياقي و حالي، لأن الغني المطلق من كل جهة، لا بد و أن تنحصر الاستعانة به، و الاستعانة بما سواه ان رجعت إليه تكون الاستعانة به، و ألا تكون شركا من هذه الجهة، فيكون المعنى هنا مشتملاً على النفي والإثبات، أي: لا نستعين بغيرك و نستعين بك فقط.
ثم إنّ الاستعانة باللّه تعالى إما اختيارية أو تكوينية بلسان الحال و الاستعداد، و الثانية من لوازم الإمكان لا تنفك عنه في جميع العوالم فإن المخلوق محتاج في حدوثه و بقائه إلى الخالق و مستعين به بل كل معلول مستعين كذلك من علته، كما ثبت بالبراهين العقلية و النقلية أن مناط الحاجة الإمكان دون الحدوث فجميع ما سواه مستعين به ذاتا و قد تجتمع الاستعانتان، كما في المؤمنين باللّه تعالى فإن فيهم الاستعانة التكوينية و الاختيارية، و كل ما تجلت عظمة المستعان في قلوبهم اشتدت استعانتهم به فالاستعانة به تعالى تتفاوت شدة و ضعفاً.
و تأخير العبادة و الاستعانة عن «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» نحو تأخير المعلول عن العلة يعني: من كان رب العالمين و مالك يوم الدين لا بد وأن يكون معبوداً ومستعاناً به. كما أن في تقديم العبادة على الاستعانة اعتراف بالمسكنة و الخضوع بألطف وجه في أن يعتني الغني المطلق باستعانته، و من ثم قيل: نعم الشي‏ء الهدية أمام الحاجة مع أنه من قبيل تقديم الغاية على ذيها لكثرة أهمية الغاية فإن غاية الاستعانة باللّه إنما هي استعانته في عبادته وإن ما سواها أمور زائلة و حقيرة، و العاقل لا يستعين باللّه تعالى في أمور زائلة غير دائمة إلا إذا رجعت إلى ما هو دائم يبقى.
بل إن عبادته تعالى و الاستعانة منه عزّ و جل متلازمتان فعبادته استعانة به كما أنّ نفس الاستعانة عبادة له فيكون مثل قول القائل: أديت ديني فقضيت حاجتي أو قوله قضيت حاجتي أديت ديني. و في ذلك إشارة إلى أن لا ينسب العبد الى نفسه شيئا فانه خلاف أدب العبودية.
و جملة «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» دليل واضح على إبطال الجبر و التفويض و إثبات الأمر بين الأمرين، كما ذكره الأئمة الهداة (عليهم السّلام) على ما يأتي بيان هذا المبحث الشريف مفصلا في الآيات المناسبة له إن شاء اللّه تعالى.
و إنما ذكر «نعبد» و «نستعين» بلفظ الجمع إما باعتبار القارئ و من معه من الملائكة الحفظة، أو باعتبار من معه في صلاة الجماعة، أو من المصلين، أو باعتبار من معه في الاعتقاد رجاء أن يكون فيهم من يقبل عمله فيقبل منه أيضا، و لأجل تصغير ما يصدر عنه من العمل فإذا التفت إلى أن الكل يعبدونه و يستعينون به عزّ و جل فلا يغتر به ولا يحسب لنفسه وزناً.
و الأولى أن يقال: إن لفظ الجمع فيهما للتحريض إلى حفظ وحدة المجتمع الذين يعبدونه تعالى و يستعينون به فكما انهم مجتمعون في وحدة المعبود و العبادة و المستعان به لا بد أن يكونوا كذلك في جميع شؤونهم كما تدل عليه آيات كثيرة...
و إنما كرر لفظ «إياك» لتأكيد الحصر و تشديده في كل واحد من العبادة و الاستعانة، و إطلاقها و حصرها فيه تعالى يقتضي الاستعانة به في جميع الأمور مطلقا، و هي عبارة أخرى عن الاعتقاد بـ «لا حول و لا قوة إلّا باللّه» و العمل بمقتضاه في جميع الأحوال.
المصدر: مواهب الرحمن في تفسير القرآن: ج1/ ص 37-42.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com