موقع الصراط ... الموضوع : أهمية العلاقات في المجال التربوي والتعليمي
 
الخميس - 24 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أهمية العلاقات في المجال التربوي والتعليمي  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  لعل من أهم المجالات التي تحتاج إلى العلاقات السليمة هو المجال التربوي والتعليمي؛ وذلك لأنَّ طالب العلم ما لم تكن علاقته النفسية طيبة بمن يتربى على يديه، ويتعلم منه فإنَّ التلقي منه يكون غير ذي أثر نافع، فبمقدار ما يحب التلميذُ أستاذَه، ويحترمه وبمقدار ما يبدي الأستاذُ من عطف، وحنان, ورأفة على التلميذ يترك أثراً إيجابياً في نفس ذلك التلميذ, وبالعكس لو كانت العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة تنافر وتباغض فلا يمكن أن يتلقى التلميذ شيئاً ينفعه، وعلى هذا الأساس أكَّد أصحاب الخبرة التربوية والتعليمية أنَّ (على المعلم تحسين خلقه مع المتعلمين زيادةً على غيرهم، والتلطف بهم إذا لقيهم، والبشاشة, وطلاقة الوجه، وإظهار البشر، وحسن المودة، وإعلام المحبة، وإظهار الشفقة، والإحسان إليهم بعلمه وجاهه حسب ما يمكن)
وقد حدد الشهيد الثاني رضوان الله عليه ثلاثين قاعدة كلها توطد الصلة النفسية بين المعلم والمتعلم, وتركز العلاقة بينهما بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتخلق روح التعاون, والتفاعل في الحياة الاجتماعية ابتداء بالمظهر الخارجي له، ومروراً بالتعليم، وانتهاء بالسلوك العملي للمعلم والمتعلم منها: أن يُسلم إذا وصل إلى محل الدرس لما في سلام العالم على المتعلم من أثر طيب، ومنها: الجلوس بسكينة، ووقار، وتواضع، وخشوع، ومنها: أن يجلس في مكانٍ بحيث يستطيع أن يخاطب الجميع, ويوزع نظراته على طلبته بالتساوي، وأن يُحسن خلقه مع المتعلمين أكثر من غيرهم, وأن يطرح الدرس بأيسر العبارات، ويفهمهم بأفضل الطرق، وأن يراعي نبرات صوته، ويرسلها على قدر الحاجة, وأن يرفق في إجابتهم, ولا يحقر السائل لسؤال ركيك, وإنما عليه أن يوجهه الوجهة المفيدة له, وأن يتودد للطالب الغريب، ويبسط وجهه؛ ليشرح صدره, وأن يختم درسه بالحكم الرقيقة والمواعظ البليغة وغير ذلك من القواعد التي تترك أثراً طيباً في نفس المتعلم، وتوثق أواصر المودة بين الأستاذ وتلميذه, وتشعر بمكانته عند أستاذه، وهذا ما يفتح ذهنه لتلقي العلم والمعرفة, ويبني شخصيته بناءاً رصيناً .
وأما آداب التلميذ مع أستاذه فقد حددها الإسلام، وجعلها أساساً بعد الإيمان والإخلاص لله: وهي الحب والاحترام, والتواضع المتناهي، بل التذلل له، وقد صور القرآن هذا أجمل تصوير وأروعه في قصة نبي الله موسى (ع) مع العبد الصالح، وهي تتضمن معاني تربوية سامية لا تصل إليها أرقى المدارس التربوية اليوم مهما سمت.
ففي طلب موسى من العبد الصالح نجد التواضع والترفق رغم المقام السامي الذي وضعه الله فيه, وهو مقام النبوة, بهذه الرقة والتواضع, وفي غاية الأدب يخاطبه: ((هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً))
فهنا يضع موسى (ع) نفسه في موضع التبعية للعبد الصالح مع أنَّه من رسل الله أولي العزم الخمسة, ويستأذن منه بمنتهى الرقة والأدب، ورغم ما أبداه العبد الصالح من امتناع؛ لأنَّه توقع عدم قدرة موسى على الصبر والتحمل بصورة التأكيد: ((إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً))
فيجبيه موسى بأدب رفيع وتواضع جم ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً))
ومن روائع الأدب التعليمي في الإسلام ما رسمه الإمام السجاد (ع) في لوحة رائعة تصور علاقة المتعلم، وأدبه مع المعلم، يقول (ع): (وحق سائسك بالعلم: التعظيم له, والتوقير لمجلسه, وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه, وأن لا ترفع عليه صوتك, وأن لا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدِّث في مجلسه أحداً, ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه, ولا تجالس عدوه, ولا تعادي له ولياً, فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنَّك قصدته, وتعلمت علمه لله جلَّ اسمُه لا للناس)
تلك هي العلاقة السامية التي أرادها الله لعباده بين العالم والمتعلم، وتلك آدابها العملية، لم تكن مجرد نظريات تطرح, وإنما عمل يجسد في حياة الإنسان، ولهذه العلاقة دور مهم في تربية الطالب, وإعداده، وتزكية نفسه, وتعليمه، وتقويم سلوكه ))هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين))
وفي هذا العصر قد توسعت المؤسسات التربوية والتعليمية، وأصبحت من السعة والشمول حتى شملت معظم الناس, حيث يبدأ الطفل منذ نعومة أظفاره بالدخول في المدرسة, ويتلقى العلم والمعرفة، ويتدرج من مرحلة إلى أخرى وفي مختلف المدارس حتى يبلغ سن الرشد, وفي جميع المراحل يأتي دور العلاقة بين المعلم والمتعلم في سلم الأولويات التربوية والتعليمية، فما أحوجنا اليوم إلى الرجوع إلى المنهج القويم الذي شرعه بارئ الخلائق أجمعين؛ لإعداد الناشئة, وتربيتهم، وتعليمهم، وتقويم سلوكهم، وهذا الأمر يقتضي منا أن نتدبر جيداً في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله (ص) ؛ لإبراز المفاهيم التربوية الخاصة بتربية الأجيال, وإن كانت جميع تعاليم الإسلام تهدف إلى صياغة وبناء الإنسان المستقيم فكراً وأخلاقاً وسلوكاً.
وهنا تأتي مهمة إعداد (الكادر) التربوي الذي يتبنى تربية وتعليم الجيل, فالتعليم ليس مهنة يعتاش بها الإنسان, وإنما هي رسالة تستبطن المسؤولية الكبرى, وقد عرفنا من خلال التجارب العلمية التي عشناها أنَّ الطالب في أغلب الأحيان يكون كما كان معلمه، ولذلك فدور المعلم في الأمة أهم وأخطر من جميع أدوار الآخرين؛ لأنَّ الجميع يتخرجون من تحت يديه فالرئيس والمدير, والطبيب, والمهندس, والضابط... الخ يُبْنَونَ بيد المعلم، إذن كيفما يكن المعلم تكن الأجيال الناشئة، فإذا أردنا أمة صالحة ينبغي أن نعد لها معلمين ومربين صالحين، فإذا كان الحكام يتحكمون في أجساد الناس, فإنَّ المعلمين يسيطرون على عقولهم.
ومن هنا نجد العظماء في التأريخ كانوا أكثر ما يهتمون به هو التعليم والتعلم وأعداد المعلمين؛ لأنَّ (كل محاسن هذا الكون مدينة للمعلمين الذين ثابروا على الاستنباط والتدقيق طوال حياتهم، فعلموا الشعوب كيف تفكر، وكيف تشعر بواجباتها لتنافس الأمم المناوئة لها في مضمار الحياة)
إنَّ تقدم الشعوب، وازدهارها، ورقيها الأخلاقي والفكري موقوف على إعداد المعلم الذي يعد الجيل لتحمل المسؤولية، (فإذا وجدت شعباً يتقدم نحو الكمال بخطوات رصينة أيقنت أنَّ وراءه مرشدين ينتشلونه من حضيض الجهل والهوان إلى ذروة العلم والمجد، فبهذا الاعتبار لزم أن يكون المعلم محترم الجانب عزيز الكرامة.
وقد سئل الإسكندر: ما بالك توقر معلمك أكثر من والدك؟, فقال: لأنَّ المعلم سبب لحياتي الباقية، ووالدي سبب لحياتي الفانية)
ونعود مرة أخرى فنقول: إنَّ دور المعلم في المجتمع من أخطر الأدوار الاجتماعية على الإطلاق، فما لم يكن المعلم زكي النفس, طاهر السريرة, حي الضمير، مؤدباً بآداب الإسلام, مهذب اللسان, سمح الطبع, لين المعاملة, منشرح الصدر، خبيراً بأمراض النفس البشرية, مترفعاً عن الشهوات والأطماع وذمائم الأخلاق، محباً للعلم، طالباً له باستمرار، عاملاً على تغيير مجتمعه نحو الكمال والسمو الخلقي والفكري لا يمكن أن يبني مع طلبته علاقات تأثير إيجابية أبداً؛ ولهذا فإنَّ العلماء يضعون المعلم في المرتبة المتقدمة في سلم التقدير والاحترام.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com