موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب نوح (ع)-2
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب نوح (ع)-2  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 13 / رجب / 1433 هـ
     
  ردودهم على نوح (ع):
لما دعاهم نوح (ع) إلى عبادة الله تعالى وترك عبادة الأصنام، وأوضح لهم بالبرهان القاطع بأنه مبعوث من قبل الله تعالى كانت ردودهم على نوح (ع) كما لخصها القرآن الكريم بقوله تعالى: ((فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)) (هود:27)
هكذا ردوا على دعوة نوح (ع) بروح تطفح كبرياءً وجبروتا وطغياناً وتتلخص تلك الردود بعدة نقاط:
1 – كونه إنساناً مثلهم، أو من طبقتهم الاجتماعية لا يتميز عليهم بشيء – رغم ما يبرز لهم من دلائل – فكيف يكون نبيا ؟وكيف يحمل رسالة الله؟ وفوق هذا كله يدعوهم إلى عبادة الله ونبذ عبادة الأصنام. وفي تصورهم أن الذي يحمل رسالة الله ينبغي أن يكون أعلى مستوى من البشر؛ ولهذا قالوا: ((مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا))
2 – إن الذين اتبعوا نوحاً (ع)، وآمنوا به كانوا على حد زعمهم من (أراذلهم) الفقراء، المحتقرين، والمستضعفين الذين لا يملكون شيئاً، فلا يليق بنبي أن يتبعه هؤلاء الذين لا يملكون المال والجاه والسلطان، ولهذا لا يليق بالأشراف والنبلاء أن يلتحقوا بركب الرسالة ما دام هؤلاء الأرذال قد اعتنقوها.
وهكذا (في قصة نوح (ع) نرى كيف ينقاد الجهلاء للأمر والسطوة ولا ينقادون للحجة والدليل ويريدون من صاحب الدعوة أن يكون ملكا أو تكون عنده خزائن الأرض ويقولوا: ((قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) (هود:32)
(... كما نرى كذلك إن المسيطرين على أقدار القوم يكرهون التغيير ويتشبثون بالقديم ويأخذون على النبي الكريم أن يتبعه أناس من غير ذوي السيادة والجاه ((وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)) (هود:27) )...
وهذا التصور الاستعلائي قد عاناه أغلب أنبياء الله ودعاته ولا سيما الرسول الأعظم (ع) فقد روي خباب قال: (جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزارى فوجدا النبي (ص) قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا فإن وفود العرب ستأتيك فنستحيى أن ترانا العرب قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب، ونحن قعود في ناحية. إذ نزل جبرئيل بهذه الآية: ((وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) (الأنعام:52-54) فألقى رسول الله (ص) الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) الآية. قال: فكان رسول الله (ص) يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم)
ونستنتج من ذلك أن المترفين والطغاة يريدون أن يجعلوا كل شيء ملكا لهم يتميزون به عن بقية أفراد المجتمع البشري، وحتى الدين المتمثل في توحيد الله وعبادته يجب أن يسخر لخدمة مصالحهم، فلا يشاركهم فيه الضعفاء؛ لأنهم طبقة دونهم... ولما لا يمكن أن يكون دين الله مسخرا لهم تراهم وعلى طول مسيرة الأنبياء وقفوا محاربين لهم بشدة وعنف كما وصف تعالى تلك الحالة:  وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إَِّلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِين  (سـبأ:34-35) وقال تعالى:  وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ  (الزخرف:23)
تلك هي السنة التي جرت في حياة الأنبياء، وتلك هي مواقف، وآراء، وسيرة المترفين يقولون: (يا نوح لئن أردت لنا هداية وتوفيقا ولئن أردت أردت لنفسك انتصارا واعتزازا فما لك ولهؤلاء الأرذال من الناس فاقصهم عن مجلسك وأبعدهم عن حماك فنحن نربأ بأنفسنا أن نجاريهم في اللسان، أو نجلس معهم في ذات المكان أو نسير وإياهم على ذات الطريق، أو نقترن معهم في الاعتقاد، وكيف نتجاوب مع دين يستوي في السيد والمسود، والشريف والذليل، والأمراء والعبيد بئس هؤلاء القوم. إن الدين عندهم طبقات اجتماعية يقيمونها وفق أهوائهم ويجسدونها بحسب معتقداتهم، ولكن أبى لنوح أن يدانيهم في أفكارهم فإنه لا يستجيب إلا لنداء الحق ولا يأبه إلا لموفق الصدق فإنه نبي الله الذي يمقت الباطل وأهله)
3 – إنه ليس له عليهم فضيلة مشخصة  وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ  أي من مزايا الحياة المادية كالمال والجاه والسلطان، والقوة والجبروت. وهذا هو ديدن الطغاة، إنهم ينظرون إلى ظاهر الحياة الدنيا وهم عن الآخرة معرضون؛ ولهذا نرى فرعون ينادي قومه  يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ  أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ  فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  (الزخرف:51-53)
تلك هي القيمة التي يبني عليها الفراعنة على طول التاريخ تصوراتهم:السلطان والذهب، والفضة، والتجبر، وقد صور الإمام أمير المؤمنين  تلك الحالة تصويرا رائعا يجعلها صورة ناطقة بها قال : (ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون  على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصى فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزه فقال: " ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلا ألقي عليهما أساوره من ذهب " إعظاما للذهب وجمعه، واحتقارا للصوف ولبسه. ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرض لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، واضمحلت الأنباء، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ولا لزمت الأسماء معانيها . ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملا القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملا الأبصار والأسماع أذى)
4- رموه بالضلال عن الحق والهدى والرشاد فقالوا: ((إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) (الأعراف:60) والعجب أن يرمي المترفون دعاة الحق بالضلال، والأعجب من ذلك أن يتأثر البعض بذلك... (وهكذا تبطل الموازين، وتبطل الضوابط، ويحكم الهوى مادام أن الميزان ليس هو ميزان الله الذي لا ينحرف ولا يميل)
وماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدى الله؟ إنها تسميهم الضالين وتعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول... أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه)
وماذا كان رد نوح (ع) على هذه الفرية؟ لقد أجابهم بوضوح وجلاء، وبلهجة حانية ملئها العطف والشفقة، والخوف عليهم من عذاب الله الأليم: ((قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (الأعراف:61-63) وهكذا كان رد أنبياء الله دفع السيئة بالحسنة، والافتراء بالحجة والبرهان...
5 – والرد الأوهى على نوح (ع) أنهم لم يسمعوا بدعوته عند آبائهم فقالوا: ((مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ)) (المؤمنون:24) ولما لم تكن هذه الدعوة إلى عباده جارية عند آبائهم فهي بدعة يجب الوقوف بوجهها وإبطالها (ومثل هذا يقع دائما عندا يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليا إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن سابقة يستندون إليها فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية)
(وعند هذه الجماعات الجاحدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية، فأما الذي يكن فإنه لا يمكن أن يكون وهكذا تجمد وتقف حركتها، وتتسمر خطاها عند جيل معين من ((آبَائِنَا الأَوَّلِينَ))
وهكذا في كل زمان نجد أن أغلب الذين يواجهون كل جديد من الدعوات بالرفض والمقاومة هم الذين عاشوا الألفة للماضي دون تدبر وتفكر. و لذا فهي هي سنة جارية إلا عند من يحكم عقله في كل ما يسمع ويرى.
6 – ولم يكتفوا بكل ذلك حتى رموه بالجنون وقالوا: ((إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ)) (المؤمنون:25) لأنه أبطل عقائدهم الفاسدة، وفند عاداتهم البالية،ودعاهم إلى عبادة الله، ولما لم يمتلكوا الدليل العقلي أو المنطقي لجئوا إلى تكذيبه ورموه بالجنون كما قال تعالى: ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ)) (القمر:9)
وعلى طول الرسالة ومسيرتها كانوا المترفون والطغاة يرمون رسل الله ودعاته بهذا المنطق الواهي، يقول تعالى: ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إَِّلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) (الذاريات:52-53). تلك هي سنة الطغاة حينما يعجزون عن رد البراهين الإلهية يلجئون إلى الافتراء والشتم والطعن... وكما اتهم قوم نوح رسولهم (ع) بالجنون. رمى فرعون موسى (ع) بالجنون كذلك عندما حاصره موسى (ع) بالأدلة والبراهين والحجج الدامغة في حوار بينهما رماه بالجنون قال تعالى: ((فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)) (الذريات:38-39) ، عندما قال الله له، ولأخيه هارون عليهما السلام: ((فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ)) (الشعراء:16-17) ويذهب موسى وأخوه هارون. وما أن يقع نظر فرعون عليهما حتى ((قَالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)) (الشعراء:18) كأنه يوجه له عتاباً، لأنه عاش في بيته فترة من الزمن. ثم يتجاوز العتاب إلى الافتراء والتهجم فيقول: ((وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) (الشعراء:19) فيجيبه موسى (ع) بلسان الواثق من رسالته غير الخائف ولا المتردد أو النادم: ((قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ)) (الشعراء:20-21) أي أنني فررت خوفا من ظلمكم وفي فراري جاءني الفيض الإلهي ((فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) (الشعراء:21) ثم يجيبه على تبجحه وتمننه بلسان النقض عليه ((وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ)) (الشعراء:22) أي إن هذا الذي تعده نعمة وفضل منك لم يكن نعمة منك بل إذلال بني إسرائيل بالظلم والطغيان. ثم يوجه فرعون كلامه إلى موسى (ع) متسائلاً عن اعتقاده: ((وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)) فيجيبه موسى بالبرهان القاطع: ((قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)) (الشعراء:24) ويحاول فرعون أن يستخف عقول قومه: ((قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ)) (الشعراء:25) وهذا تمويه منه عليهم يريد الستر على الحق الذي لاح من كلام موسى (ع). إلا أن موسى لم يترك له مجالاً للاستحقاق فوجه كلامه إلى القوم قائلاً: ((قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ)) (الشعراء:26) ولما لم يجد فرعون طريقاً لإبطال حجج موسى (ع) انساق وراء افتراءاته فراح يقول: ((إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)) (الشعراء:27) هذا هو ديدن الطغاة في مواجهة الرسل والدعاة وكما واجه نوح وموسى (ع) واجه سيد الرسل (ص) نفس الاتهام. يقول تعالى: ((وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)) (القلم:51) فكيف نترك عبادة الآلهة – المزعومة لإنسان نعتقد بجنونه ولهذا ((إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)) (الصافات:35-36) هذا منطق الجهل والتعنت واللجاج، تهم، افتراء – طغيان – وأول من واجه ذلك الرسول الكريم نوح (ع) فـ((سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)) (الصافات:79)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com